قال رسول الله (ص): [مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق].

وهنا يحصر الرسول محمد (ص) الهداية بمثال لا يقبل التأويل أبداً، ليسد أفواه المشككين والمرتابين، فمثَّل دور أهل البيت (ع) في الأمة بسفينة نوح (ع)، فمن ركب في سفينة هدايتهم نجى، ومن تخلف عنهم أو اتبع غيرهم غرق وهلك وغوى.

فيستفاد من التمثيل بسفينة نوح (ع):-

أولاً: كما أنَّ سفينة نوح (ع) كانت السبيل الوحيد للنجاة من الغرق، فإنَّ أهل البيت (ع) هم السبيل الوحيد للنجاة من الفتن والضلال والاختلاف، وهذا يعني انحصار الإمامة والخلافة بهم لا غير.
ثانياً: وكما أنَّ كل من لم يركب في سفينة نوح (ع) كان مصيره الغرق والهلاك دنيا وآخرة، كذلك من لم يركب سفينة أهل البيت (ع) ويجعلهم أئمته، يكون مصيره الغرق في طوفان الضلال والفتن والانحراف.

والنتيجة: لا نجاة ولا هداية ولا اعتصام من الفتن والضلال إلا بالتمسك بتركة الرسول (ص)، وبما خلَّفه في أمته، وهما الثقلان؛ كتاب الله وعترته أهل بيته (ع).

وهم (ع) الأمان لأهل الأرض، فلا يمكن أنْ تخلو الأرض منهم:-

قال النبي محمد (ص): [النجوم أمان لأهل السماء، وإن أهل بيتي أمان لأمتي].

هذا الحديث الشريف ينص على أنَّ الأمان والهدى مشروط بأهل البيت (ع)، وأحد ألفاظ الحديث ينص على أنَّهم أمان من الاختلاف، فعندما تختلف الأمة وتفترق، فأهل الحق هم أهل البيت (ع) ومن اتبعهم وتبرأ ممن خالفهم ونصب لهم الحرب، وهو نفس معنى حديث (الثقلين) الذين أوجب الرسول على الأمة اتباعهما والتمسك بهما.

عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: -

(إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ; أحدهما أعظم من الآخر ; كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما).

وعن جابر بن عبد الله قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول :

(يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي).

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اني قد تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي الا وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض).

وبعد أنْ عَرَّفَنا النبيُ محمدٌ (ص) بأول مصداق من مصاديق الحجج الهداة من العترة المباركة، وهو علي بن أبي طالب (ع)، نعرف منه (ص) بأنَّ الهداة لا يمكن أنْ تخلو منهم الأرض ما دام التكليف فيها، فلو كان على الأرض شخصان لكان أحدهما الحجة، كما نطقت به الأخبار، وهذا بيَن صريح من حديث الثقلين القائل بأنَّ الثقلين؛ القرآن والسنة لا يفترقان الى يوم القيامة؛ (وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض)، أي ما دام القرآن موجوداً، فلابد من وجود ممثل للعترة المطهرة، وإلا لزم تكذيب الصادق الأمين – وحاشاه – وهو المُنَّزه من ربِّ العزة بقوله: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).

وقد تنبه لذلك بعض علماء السُّنة فصرحوا بعدم انقطاع متأهل من العترة في كل زمان:

قال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة:

(والحاصل أن الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة).

وقال أيضاً:

(وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة كما أن الكتاب العزيز كذلك ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي ويشهد لذلك الخبر السابق في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي إلى آخره ثم أحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لما قدمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته ومن ثم قال أبو بكر رضي الله عنه علي عترة رسول الله).

وقال المناوي في فيض القدير: (قال الشريف: هذا الخبر يفهم وجود من يكون أهلا للتمسك به من أهل البيت والعترة الطاهرة في كل زمن إلى قيام الساعة حتى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به كما أن الكتاب كذلك فلذلك كانوا أمانا لأهل الأرض فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض).

وقال التفتازاني في شرح المقاصد: (... ألا ترى أنه (ص) قرنهم بكتاب الله في كون التمسك بهما منقذاً من الضلالة ولا معنى للتمسك بالكتاب ألا الأخذ بما فيه من العلم والهداية فكذا العترة).
فمن قول الله تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)، ومن حديث: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، ومن حديث الثقلين، وحديث السفينة، والأمان، نعلم يقيناً بوجود هاد وإمام من العترة المطهرة في كل زمان الى قيام الساعة.

والحمد لله رب العالمين.

- الشيخ ناظم العقيلي

---------------