حقيقة الرؤيا وتعبيرها

سؤال للسيد الإمام احمد الحسن (ع ) في كتابه المتشابهات جزء 4/ س 134
قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) فصلت .

هل يفهم من هذه الآية بأن الملائكة قِسم من تنزلها يكون في الرؤيا لتبشير للمؤمنين ؟

الجواب : نعم هذه أكيد , فالملائكة يبشرونهم بالرؤيا الصالحة بصلاح طريقهم واستقامة وحسن عاقبتهم لأنهم على ولاية الله سائرون , ولولي الله متابعون .

وفي هذه الآية : (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) 64 يونس , قال الرسول ( ص ): [ الرؤيا الصالحة ] .

وفي الحديث عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال : قال رجل لرسول الله ( ص) في قول الله عزّو جلّ : لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا , قال :
[ هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه ] .

ولو تدبّرت كلام الله قبل هذه الآية وبعدها : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) وَلَا يَحْزُنْكَ
قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) . يونس .
وفي هذه الآيات :
إن هؤلاء الذين قال عنهم تعالى : لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا , أي يرون رؤيا تبشرهم بصلاح اعتقادهم وحسن عاقبتهم وصفهم تعالى بأنهم أولياء الله المتقون في الآيات قبلها :
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . أي إنّ الذين يرون المبشرات هم أولياء الله المتقون .

إنّ هذه الرؤى المبشرة ـــ بحسن عاقبتهم ــــ التي يراها المؤمنون وصفها تعالى بأنها كلامه سبحانه وتعالى , وهي حق لا تتبدل , وهي [ من الغيب ] الذي يُطلع عليه الله أولياءه المتقين . لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .
إن الله سبحانه وتعالى بيّن أن الذين يعادون الأنبياء لا يصدقون بكلام الله في الرؤيا , وأمر سبحانه الرسول والمؤمنين أن لا يحزنوا لتكذيب هؤلاء الرؤيا , وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ , لأن هؤلاء لا يكذبون
الرسول والمؤمنين فحسب , بل هم يكذبون الله , لأنهم يجحدون آياته :

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) .الأنعام .

فالرؤيا آيات الله , و كلمات الله , وهي الميزان الحق الذي يعرف به الإنسان أنه على جادة الحق , وعلى الصراط المستقيم , والذين يجحدون بالرؤيا هم أعداء الله المكذبون للأنبياء و الأوصياء (ع) فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) الأنعام .

والقانون الإلهي من الآيات المتقدمة أن أولياء الله الذين أمنوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا , أي إنهم لا بد أن يرون أو يُرى لهم ما يبشرهم باستقامة طريقهم وعقيدتهم , فالذين لا يرون ولا يُرى لهم ما يبشرهم باستقامة طريقهم ليسوا من أولياء الله , بل ولا من الذين آمنوا , ولا من المتقين .

والآن إذا انتقلنا إلى آية أخرى تُبيّن فائدة الصيام : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) . البقرة , أي إنّ الصيام كُتب عليكم رجاء أن تكونوا متقين , والمتقي يعلم تقواه من الله
سبحانه بالميزان الإلهي الحق وهو : [ كلمات الله وآيات الله ] التي يجحد بها الظالمون , وهي الرؤيا المبشرة كما عرفنا من الآيات المتقدمة .


إذن , فالذي لا يَرى ولا يُرى له المبشرات باستقامة طريقه ليس من المتقين , بل ولا من الصائمين بحسب هذه الآية , وكم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش , وهؤلاء الذين ينكرون الرؤيا أرواحهم منكرة لوجود الله ,
فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ .انتهى كلام الإمام عليه السلام .

بشرى الرؤيا :
لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)يونس .
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)يوسف .

رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله تعالى: (لهم البشرى...) : هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه .
عنه (صلى الله عليه وآله) أيضا : هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو يرى له .
عنه (صلى الله عليه وآله) لما سأله جابر عن قول الله (لهم البشرى...) : ما سألني عنها أحد، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة .
عنه (صلى الله عليه وآله): لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة .

الإمام الرضا (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا أصبح قال لأصحابه: هل من مبشرات؟ يعني به الرؤيا .

الإمام علي (عليه السلام): الرؤيا الصالحة إحدى البشارتين.

الرؤيا والنبوة :

رسول الله (صلى الله عليه وآله): الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة .
عنه (صلى الله عليه وآله): الرؤيا الصالحة بشرى من الله وهي جزء من أجزاء النبوة .
عنه (صلى الله عليه وآله): الرؤيا الصالحة جزءا من سبعين .

جزء من النبوة :

الإمام الصادق (عليه السلام): إن المؤمن رؤياه جزء من سبعين جزء من النبوة، ومنهم من يعطى على الثلاث .
عنه (عليه السلام): رأى المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءا من أجزاء النبوة .

كثرة رؤيا النبي (صلى الله عليه وآله) :

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثير الرؤيا، ولا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح .

محمد بن كعب وعائشة: أول ما بدء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الوحي الرؤيا الصادقة، وكان يرى الرؤيا فتأتيه مثل فلق الصبح .

أقسام الرؤيا :

الإمام الصادق (عليه السلام): الرؤيا على ثلاثة وجوه:
بشارة من الله للمؤمن، وتحذير من الشيطان، وأضغاث أحلام .

رسول الله (صلى الله عليه وآله): الرؤيا ثلاثة: بشرى من الله، وتحزين من الشيطان، والذي يحدث به الإنسان نفسه فيراه في منامه .
عنه (صلى الله عليه وآله): الرؤيا على ثلاثة: تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم، ومنه الأمر يحدث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام، ومنه جزء من ستة وأربعين جزءا النبوة .
عنه (صلى الله عليه وآله): الرؤيا ثلاث: فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان .

منشأ الرؤيا :

الإمام الصادق (عليه السلام) لما سأله أبو بصير:
جعلت فداك، الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجهما من موضع واحد ؟: صدقت، أما الكاذبة [ال‍] مختلفة فإن الرجل يراها في أول ليلة في سلطان المردة الفسقة، وإنما هي شئ يخيل إلى الرجل وهي كاذبة مخالفة لا خير فيها، وأما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة وذلك قبل السحر فهي صادقة لا تخلف إن شاء الله إلا أن يكون جنبا، أو ينام على غير طهور ولم يذكر الله عز وجل حقيقة ذكره، فإنها تختلف وتبطئ على صاحبها .

الإمام علي (عليه السلام): إن الله تعالى خلق الروح وجعل لها سلطانا فسلطانها النفس، فإذا نام العبد خرج الروح وبقي سلطانه، فيمر به جيل من الملائكة وجيل من الجن فمهما كان من الرؤيا الصادقة فمن الملائكة ومهما كان من الرؤيا الكاذبة فمن الجن .
الإمام الباقر (عليه السلام): إن العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء، فما رأت الروح في السماء فهو الحق وما رأت في الهواء فهو الأضغاث .

في خبر خروج الحسين إلى كربلاء : ثم سار حتى نزل العذيب فقال فيها قائلة الظهيرة ثم انتبه من نومه باكيا فقال له ابنه: ما يبكيك يا أبة ؟
فقال: يا بني إنها ساعة لا تكذب الرؤيا فيها وإنه عرض لي في منامي عارض، فقال: تسرعون السير والمنايا تسير بكم إلى الجنة .

تفسير الرؤيا :

رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأى أحدكم الرؤيا الحسنة فليفسرها وليخبر بها وإذا رأى الرؤيا القبيحة فلا يفسرها ولا يخبر بها .
عنه (صلى الله عليه وآله): الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت ولا تقصها إلا على واد وذي رأي .
عنه (صلى الله عليه وآله): الرؤيا لا تقص إلا على مؤمن خلا من الحسد والبغي .
عنه (صلى الله عليه وآله): لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح .

ما ينبغي عمله في الرؤيا المكروهة :

الإمام الصادق (عليه السلام): إذا رأى الرجل ما يكره في منامه فليتحول عن شقه الذي كان عليه نائما وليقل إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)المجادلة . ثم ليقل:
عذت بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون، من شر ما رأيت، ومن شر الشيطان الرجيم .

الرؤيا :

رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يحزن أحدكم أن ترفع عنه الرؤيا فإنه إذا رسخ في العلم رفعت عنه الرؤيا .
الإمام الصادق (عليه السلام): إذا كان العبد على معصية الله عز وجل وأراد الله به خيرا أراه في منامه رؤيا تروعه فينزجر بها عن تلك المعصية.
رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا تقارب الزمان لم تكذب رؤيا المؤمن، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا .
عنه (صلى الله عليه وآله): الرؤيا من الله والحلم من الشيطان .
الإمام العسكري (عليه السلام): من أكثر المنام رأى الأحلام .
الإمام الصادق (عليه السلام): إن دين الله تبارك وتعالى أعز من أن يرى في النوم .
رسول الله (صلى الله عليه وآله): خياركم أولو النهى، قيل يا رسول الله، ومن أولوا النهى؟ فقال: أولو النهى، أولو الأحلام الصادقة .

كتاب ميزان الحكمة ( محمد الريشهري ) .