سوف نتناول في هذا الباب قضية مهمة جداً، وهي قضية القانون الإلهي الذي يعرف به خليفة الله سبحانه وتعالى في كل زمان، حيث إنّ هذا القانون قد أسسه الله سبحانه وتعالى في أول يوم خلق فيه آدم ، حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ  قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ  وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾( ).
وأيضاً كان الأنبياء والرسل وأتباعهم يحتجون على الناس بهذا القانون الذي حدده الله سبحانه بثلاث أمور منذ اليوم الأول الذي جعل فيه الله خليفة له في أرضه.
أولاً: (النص)، أي أنّ الله نص على آدم وأنه خليفته في أرضه بمحضر الملائكة وإبليس (لعنه الله)، حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
ثانياً: (العلم)، أي يكون أعلم الناس في زمانه في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن، وبما جاء به الأنبياء والرسل الذين سبقوه، حيث قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
ثالثاً: يدعو إلى حاكمية الله، أي رايته (البيعة لله)، وبذلك تكون طاعته واجبة أي طاعة الخليفة المنصب من الله سبحانه وتعالى، وهو الذي تكون طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله؛ لأنه هو المطبق لأحكام الله وترجمان كتبه السماوية، حيث قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾( ).
وهذه الأمور الثلاثة هي القانون الإلهي لمعرفة الحجة على الخلق، وقد سنه الله سبحانه وتعالى (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً)، وما أحوج البشرية في أيامنا هذه لمثل هذا القانون الإلهي لكثرة الفتن وادعياء المهدوية ودعوات الضلالة وكثرة من يدعي أنه حجة الله على خلقة من غير الذين نصبهم الله سبحانه وتعالى ومنذ بداية الخلق.
وهذا القانون أشار إليه رسول الله وأهل بيت النبوة برواياتهم المتواترة عندما سألوهم عن الطريق لمعرفة الإمام أو الوصي  ومن يدعي هذا الأمر، فأجابوا عن هذه التساؤلات، إذ ورد عنهم :
عن محمد العطار، عن الأشعري، عن محمد بن الوليد، عن حماد بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة النضري، قال: (قلت لأبي عبد الله : بما يعرف صاحب هذا الأمر ؟ قال: بالسكينة والوقار والعلم والوصية) ( ).
علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، قال: حدثنا حماد، عن عبد الأعلى، قال: (سألت أبا عبد الله  ..... فبما يعرفون ذلك ..... "يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره: هو أولى الناس بالذين قبله وهو وصيه، وعنده سلاح رسول الله ووصيته") ( ).
عن الأشعري، عن الخشاب، عن يزيد بن إسحاق شعر، عن الغنوي، عن عبد الأعلى، قال: (قلت لأبي عبد الله : ما الحجة على المدعي لهذا الأمر بغير حق؟ قال: ثلاثة من الحجة لم يجتمعن في رجل إلا كان صاحب هذا الأمر: أن يكون أولى الناس بمن قبله، ويكون عنده سلاح رسول الله ، ويكون صاحب الوصية الظاهرة...)( ).
حدثنا محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن حماد بن عيسى، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الله ، قلت: (إنّ الناس يتكلمون في أبي جعفر يقولون ما بالها أبطحت من ولد أبيه من له مثل قرابته ومن هو أكبر منه وقصرت عمن هو أصغر منه، وقال: يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره: هو أولى الناس بالذي قبله، وهو وصيه، وعنده سلاح رسول الله ووصيته، وذلك عندي لا أنازع فيه) ( ).
ومن كلام للإمام علي  مع أحد اليهود قال له: (... هذه الحالة - يا أخا اليهود - ثم طلبت .. حقي لكنت أولى ممن طلبه لعلم من مضى من أصحاب رسول الله ومن بحضرتك منه بأني كنت أكثر عدداً وأعز عشيرة وأمنع رجالاً وأطوع أمراً وأوضح حجة وأكثر في هذا الدين مناقب وآثاراً لسوابقي وقرابتي ووراثتي فضلاً عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها والبيعة المتقدمة في أعناقهم ممن تناولها...) ( ).
عن الإمام الباقر : (... إياك وشذاذ من آل محمد ، فإن لآل محمد وعلي راية ولغيرهم رايات، فالزم الأرض ولا تتبع منهم أحداً أبداً حتى ترى رجلاً من ولد الحسين  معه عهد نبي الله ورايته وسلاحه، فإن عهد نبي الله صار عند علي بن الحسين، ثم صار عند محمد بن علي، ويفعل الله ما يشاء، فالزم هؤلاء أبداً وإياك ومن ذكرت لك...)( ).
أولاً: وكل من يتمسك بهذه الراية يعرف صاحب الحق، أما الشذاذ في هذه الرواية فهم أصحاب الدعاوى الباطلة والذين ينسبون دعاواهم إلى آل محمد ، أي أنها رايات مشتبهة إذ يخلطون الحق بالباطل، فيحذر الإمام الباقر  من إتباع هذه الرايات. وبعدها يبين الإمام  أنّ صاحب الحق يجب أن يكون من ذرية الحسين ، يعني كل شخص نسبه لم يرجع إلى الحسين لا يتبع، وهذه الضابطة هي صمام أمان للحفاظ على الحق وأهله.
ثانياً: يجب أن يكون معه عهد من نبي الله ، والعهد هو الوصية التي يكون فيها اسمه أي منصوص عليه من رسول الله بالاسم، ولا يوجد الآن أحد يحمل وصية من رسول الله غير السيد أحمد الحسن .
ثالثاً: معه راية رسول الله ، وراية رسول الله وهي البيعة لله أي حاكمية الله لا حاكمية الناس، وهذا واضح فالجميع أيدوا سقيفة بني ساعدة في آخر الزمان وهي الشورى الصغرى إلا السيد أحمد الحسن  جاء براية رسول الله وهي الحاكمية لله.
رابعاً: وأما السلاح التي أشارت إليه الرواية فهو علم رسول الله ، وهو يعلم بالكتب السماوية وبما جاء به الأنبياء والأوصياء .
وهذه الخصال لا تجتمع إلا بصاحب الحق، فلا يوجد أحد غير السيد أحمد الحسن  تنطبق عليه هذه الخصال انطباقا تاما، فهو القائل : (أنا أعلم من أهل القرآن بقرآنهم، وأعلم أهل الإنجيل بإنجيلهم، وأعلم من أهل التوراة بتوراتهم، وأعلم مواطن التحريف فيها) ( ).
فضلاً عن معرفته بطرق السموات وهو علم لا يستطيع أحد أن يدعيه إلا من كان علمه مستمد من علم محمد وآله وما عداه فهو باطل؛ لأنه يمثل الحق كله وما بعد الحق إلا الضلال، وإنّ أمرهم وإن عمي على البعض معرفته إلا أنه أضوء من الشمس.
عن الباقر  أنه قال: (اسمه اسم نبي، ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبي الله ورايته وسلاحه ...) ( ).
عهد نبي الله: هي الوصية التي جاء فيها اسم ابن المهدي (أحمد)، وهو ابن صاحب الوصيات.
راية رسول الله : هي البيعة لله، أي حاكمية الله.
سلاح رسول الله : هو القرآن، أي العلم به ومعرفته، فالذي يحمل سلاح رسول الله لابد أن يعرف محكمه من متشابهه وناسخه من منسوخه.
أليس هذا بيانا واضحا كل الوضوح من آل محمد بخصوص صاحب الحق إذا جاء، إذن أين الاشتباه كما تزعم هذه الأمة بأنها اشتبهت عليهم، أليس هذا الأمر واضحا كوضوح الشمس في رابعة النهار.
حدثنا عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر ، عن علي بن معبد، عن جعفر بن عبد الله، عن حماد، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي عمير، عن معاوية بن وهب، قال: (استأذنت على أبي عبد الله  فأذن لي، فسمعته يقول في كلام له: يا من خصنا بالوصية، وأعطانا علم ما مضى وعلم ما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوى إلينا، وجعلنا ورثة الأنبياء) ( ).
قال الإمام علي : (لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء القالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة ...) ( ).
يمكن أن يدعي هذه الوصية الكثير فهي في متناول الأيدي منذ زمن طويل. هذا سؤال يتردد في أذهان الكثير من الناس، فكيف نميز بين الحق والباطل ؟
الجواب هو من عترة آل محمد : احتججتم بالشك كما قالها الإمام الرضا  لجاثليق النصارى ورأس الجالوت، لا يمكن أن يدعي الوصية أحد غير صاحبها كما في:
الحديث للإمام الرضا  يحتج به على جاثليق النصارى ورأس الجالوت، يقرأ الإمام ما جاء في الإنجيل من ذكر الرسول ، وهنا يقول الجاثليق: (لم يتقرر عندنا بالصحة أنه هو محمد هذا؟ فقال الرضا: احتججتم بالشك، فهل بعث الله من قبل أو من بعد من آدم إلى يومنا نبياً اسمه محمد ؟ فاحجموا عن جوابه) ( ).
وأيضاً في رواية أخرى يبين لنا الإمام الرضا  كيف التعرف على من يدعي الإمامة، ففي محاججة الإمام الرضا  في مجلس المأمون تبين هذا الأمر بوضوح لا يحتاج تدبره جهدا كبيرا.
إذ سأل أحدهم: (يا ابن رسول الله، بأي شيء تصح الإمامة لمدّعيها ؟ قال : بالنص والدليل. قال له: فدلالة الإمام فيما هي ؟ قال : في العلم واستجابة الدّعوة) ( ).
ومن خلال المسيرة للدعوة اليمانية نجد أنه لم يدعِ أحد وصية رسول الله غير السيد أحمد الحسن  رغم وجودها في بطون الكتب ولمئات السنين، وحتى من ادعى المهدوية لم يجرأ على ادعاء بأنه من أوصياء محمد ، فكانت الوصية الصخرة التي تحطمت عندها الدعوات الزائفة وعلى مر المراحل التاريخية للإسلام.
قال أبو جعفر : (إنّ السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل كان حيث ما دار التابوت فثم الملك وحيث ما دار السلاح فثم العلم) ( ).
قال الإمام الرضا : (قال: كان في التابوت ألواح موسى التي تكسرت والطست التي تغسل فيها قلوب الأنبياء) ( ).
* * *
السيد علي ابو رغيف / كتاب ( الطريق الى الدعة اليمانية )
الهوامش
-----------
- البقرة: 30 – 34.
- الحجر: 29.
- بحار الأنوار - العلامة المجلسي: ج25 ص138، بصائر الدرجات: ص640، وفي طبعة: ج2 ص428، الخصال - للصدوق: ص200، الإمامة والتبصرة - للقمي: ج1 ص138.
- الكافي - الشيخ الكليني: ج1 ص378 و ص428.
- الإمامة والتبصرة - لابن بابويه القمي: ص137.
- بصائر الدرجات - محمد بن الحسن الصفار: ص202، بحار الأنوار: ج26 ص217.
- الخصال: ص374.
- إلزام الناصب: ص296، بحار الأنوار: ج52 ص224، معجم أحاديث الإمام المهدي : ج5 ص21.
- اما سقيفة بني ساعدة هي التي حصلت بعد وفاة رسول الله (ص) وتم فيها رفض حكم الله وتنصبة وقبول حكم الناس راجع كتاب سليم بن قيس الهلال باب الحديث الرابع
- إلزام الناصب: ج2 ص96 – 97.
- بصائر الدرجات - محمد بن الحسن الصفار: ص149، بحار الأنوار: ج26 ص112، تفسير نور الثقلين - للشيخ الحويزي: ج2 ص551.
- نهج البلاغة: ج1 ص30.
- إثبات الهداة: ج1 ص196.
- عيون أخبار الرضا : ج2 ص216.
- بصائر الدرجات: ص176.
- تفسير العياشي: ج1 ص133.
-----------------