أنّ أصول الفقه علم ظني ونظريات ظنية مستندة إلى قواعد وضعها كفرة اليونان وقالوا إنها بديهيات منطقية لا خلاف فيها بين العقلاء، وليت شعري لو كان هؤلاء اليونانيون عقلاء لما أعرضوا عن الأنبياء: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾( )، ولو كان دين الله يصاب بعقول بني آدم الناقصة لصح استدلال كارل ماركس ومن أسس لإنكار وجود الله سبحانه وتعالى ولكانوا معذورين، فقد تبنّوا قواعد ادعوا أنها بديهيات وأسسوا عليها نظريات أنكروا بها وجود الله سبحانه وتعالى وضلوا وأضلوا بها نصف أهل الأرض.
وأصل المشكلة إن الإنسان لم يعرف نفسه فتكبر وتجبر، وظن أن ظل العقل الذي أودع فيه هو عقل تام، فتوهم أنّ عقله معصوم، أو أنه يستطيع أن يعصم عقله بعقله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى  أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾( )، فتوهم بديهية (كما ادعاها كفرة اليونان) ووضع نظرية قال إنها الحق المبين والصراط المستقيم، لا يخالفها إلا جاهل أو مجنون؛ لأن أكثر الناس قبلوها، والله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾( ).
ويقول: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾( ).
فالأنبياء والأوصياء بحسب هؤلاء جهلة ومجانين، حاشاهم من ذلك وصلوات الله عليهم، فقد عاشوا غرباء بين الناس، فليت شعري مَن المجنون ومَن العاقل، فعند أهل الأرض أنهم هم العقلاء والأنبياء مجانين، وعند أهل السماء الأنبياء الغرباء هم العقلاء، فنبي الله ذو الرس لم يصدقه ولا واحد من أهل زمانه بل كذبوه بأجمعهم، وبحسب نظرهم أنهم هم العقلاء العلماء، وهذه هي آفة بني آدم التي أردتهم في هاوية جهنم وجعلتهم يحاربون الأنبياء والأوصياء على مدى العصور ويتهمونهم بالجهل والجنون ومخالفة العقلاء كما أوهمهم الشيطان (لعنه الله) بذلك:
﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾( ).
﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾( ).
﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾( ).
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾( ).
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾( ).
والله يقول: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾( ).
فبربكم من تريدون أن نصدق، الله وسكان سماواته أم أهل الأرض ؟ لا والله، لا نختار على تصديق الله سبحانه وتعالى شيئاً، صدق الله ورسوله هذا ما وعدنا الله ورسوله، فأهل الأرض هم المجانين على كثرتهم والأنبياء الغرباء هم العقلاء على قلتهم.
والحق ولا أقول إلا الحق: إن ظل العقل الذي عند بني آدم ترد عليه أوهام الشياطين من الأنس والجن كما يرد عليه الحق من الملائكة والصالحين، فلابد للإنسان من عاصم يميز به الحق ليتبعه، فإن كان نبياً أو وصياً كان العاصم هو الله سبحانه وتعالى ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً  لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾( ).
أما غير الأنبياء والأوصياء فلا عصمة لهم إلا بالأنبياء والأوصياء ، ولا حيلة لهم إلا إتباعهم واقتفاء آثارهم، فإن أعرضوا عنهم تخبطوا العشواء وخاضوا في الجهالات والأوهام ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾( )، ويحسبون جهالاتهم وأوهامهم هي تمام العقل والعلم والكمال وهي الشيطنة والجهل والنقص، وكما عبر الإمام الصادق  عن عقولهم بأنها النكراء والشيطنة ( )؛ لأن العقل ما عُبد به الرحمن واكتسبت به الجنان، ولا تكسب الجنان ولا يعبد الرحمن إلا بإتباع واقتفاء أثر صاحب العقل الكامل المعصوم من الله، وهو حجة الله على خلقه، ولا يكون إلا نبي أو وصي، وبإتباعه واقتفاء آثاره تكمل العقول وتعصم بفضل الله وفضله .
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾( ).
فهذا ظل العقل، إن أودعه ابن آدم الجواهر من العلم والمعرفة بالله والحق من إتباع حجة الله واقتفاء أثره ارتقى به في ملكوت السماوات الست حتى يصل إلى تمام العقل في السماء السابعة الكلية فيكون من المقربين، سبحان الله إن وعد ربي كان مفعولاً.
ومع الأسف كل الناس يعملون لإطعام أجسادهم وقليلون هم الذين يطعمون أرواحهم، وأكثر الناس لا يهتمون لمعرفة الحقيقة ويهتمون للدنيا ولأنفسهم، وقليلون هم الذين يهتمون لمعرفة الحقيقة، وأقل منهم الذين يعرفون الحقيقة، وأقل الذين يعملون للوصول للحقيقة، وقليلون يصلون للحقيقة.
تعليق الامام احمد الحسن (ع) على كتاب الشيخ ناظم العقيلي / ( الافحام لمكذب رسول الامام )