جاء في الروايات بأن قيام الإمام المهدي  عذاب ونقمة على الكافرين والمنحرفين الفاسقين الذين فشلوا في الغربلة والتحميص في عصر الغيبة الكبرى، وأيضاً إنه  لا يعرف الشفقة واللين والمسايسة مع أعداء الله ورسوله ، فلا يعطيهم إلا السيف والموت تحت ضل السيف، وبعض الروايات تصف قيام الإمام المهدي بالساعة والقيامة الصغرى، وسنة الله  قبل العذاب والانتقام وجود الإنذار لإقامة الحجة على العباد.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾( ).
وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾( )، وسنة الله في الأمم السابقة لا تخطأ أمة محمد .
عن الرسول محمد ما معناه: (سيكون في أمتي ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة) ( )، فلابد من الإنذار قبل وقوع يوم الحساب والعذاب والنقمة على المنحرفين، جرياً على سنة الله تعالى، وإليك أيها القارئ الأخبار التي تدل على أن قيام الإمام المهدي عذاب ونقمة ولا يستعمل الليِّن أبداً حتى يرضى الله تعالى:
ذكر القائم  عند أبي الحسن الرضا، فقال: (أنتم اليوم أرخى بالاً منكم يومئذٍ، قالوا: وكيف؟ قال: لو قد خرج قائمنا  لم يكن إلا العلق والعرق والنوم على السروج..) ( ).
عن أبي جعفر : (لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم أن لا يروه، مما يقتل من الناس، أما إنه لا يبدأ إلا بقريش، فلا يأخذ منها إلا السيف ولا يعطيها إلا السيف حتى يقول كثير من الناس ليس هذا من آل محمد، ولو كان من آل محمد لرحم)( ).
أقول: إن هذا الحديث وغيره يؤكد على أن الإمام المهدي  لا يعطي الناس إلا السيف والموت تحت ظل السيف، وهذا هو العذاب بعينه الذي لابد أن يسبق بإنذار يكون فرصة أخيرة للمنحرفين تبعاً لسنة الله تعالى.
قال أبو جعفر : (يقوم القائم بأمر جديد وقضاء جديد على العرب شديد، ليس شأنه إلا السيف ولا يستتيب أحداً، ولا تأخذه بالله لومة لائم) ( ).
عن أبي عبد الله  أنه قال: (ما تستعجلون بخروج القائم ... وما هو إلا السيف والموت تحت ظل السيف) ( ).
والروايات التي تؤكد هذا المعنى متواترة عند السنة والشيعة وعليها الاعتقاد، وبذلك يثبت أن قيام الإمام المهدي  هو العذاب الشديد على المنحرفين الفاشلين في الامتحان الإلهي في عصر الغيبة الكبرى، وهم أكثر المجتمع، فلابد من إقامة الحجة على هؤلاء بإرسال رسل مبشرين ومنذرين بقرب قيام الإمام المهدي .
قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾( ).
وقال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾( ).

الإضاءة الخامسة:
يخرج رجل قبل المهدي 
بعد ما سمعناه في الإضاءة الرابعة ننتقل إلى الاطلاع على الروايات التي تنص على مجيء ممهدين قبل قيام الإمام المهدي ، يمهدون له سلطانه، ويجمعون له النصرة، ويكونون مبشرين ومنذرين حتى لا تكون للناس حجة من بعد هؤلاء الرسل، ولكيلا يعتذون بأن لو جاءهم منذر لآمنوا ونصروه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً  يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً  قَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾( ).
نعم فلان وما أدراك ما فلان، هذا الذي يضل الناس عن إتباع الرسل، فيا يا ترى كيف يتمكن من إضلال الناس، فلا رأي لمن لا يطاع، هذا والحر تكفيه الإشارة.
وبعد هذا كله نتطرق إلى ذكر بعض الروايات التي تؤكد على مجيء ممهدين قبل قيام الإمام المهدي  والروايات وإن كانت تختلف أحياناً في المتن ولكنها تتفق على معنى واحد وهو قيام ممهد أو ممهدين قبل قيام الإمام المهدي  وهذا كاف لإثبات المطلوب.
ذكر السيد الصدر نقلاً عن الحاوي للسيوطي عن نعيم بن حماد، عن أمير المؤمنين، قال: (إذا بعث السفياني فخسف بهم في البيداء ... ويخرج رجل من قبله (أي المهدي) من أهل بيت بالمشرق ويحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر) ( ).
نقلت الحديث على حاله للأمانة العلمية وإلا ففيه تصحيف، فبدل (من أهل بيت) موجود في الأصل (من أهل بيته)، ويراجع للتأكد من ذلك كتاب الملاحم والفتن للسيد ابن طاووس (رحمه الله)، وكتاب الممهدون للكوراني ص110. وقد علق السيد الصدر (قدس سره) على هذا الحديث بقوله: (إن الخبر الذي رويناه عن السيوطي، والذي يصرح بأن رجل من قبل المهدي هو الذي يمارس القتل الكثير لا المهدي نفسه. وهذا المضمون إن فهمناه بمدلوله العام كان صحيحاً، فإن الذي يقوم بالقتل هم أصحاب الإمام وليس الإمام نفسه، وإن نسب إلى الإمام باعتباره منطلقاً عن أمره وتخطيطه كما نقول: فتح الأمير المدينة، ولا دليل على أن الإمام يقتل بيده شخصاً أصلاً. وأما إذا فهمنا هذا الخبر بمدلوله الخاص بمعنى أن رجلاً معيناً هو الذي يعينه المهدي  للقيام بهذه الحملة وليس المهدي نفسه، فهذا وإن كان محتملاً فيحتاج إلى تعيين مسؤول عن كل مهمة بعينها، فلعله يعين رجلاً يكون مسؤولاً عن قتل المنحرفين غير أن هذا المضمون لا يثبت؛ لعدم قابلية هذا الخبر وحده للإثبات التاريخي) ( ).
أقول: ربما يثبت حتى المدلول الخاص لهذا الخبر بعد ملاحظة الروايات الآتية والتمعن فيها فإنها تودي إلى معنى واحد وهو خروج رجل أو رجال قبل قيام الإمام المهدي يمارسون قتل المنحرفين؛ تمهيداً لنصرة الإمام المهدي ، وهي تعضد الخبر الذي ذكره السيد الصدر (قدس سره) مما يقوي دلالتها التاريخية.
وقد أشار السيد الشهيد الصدر (قدس سره) إلى هذا المعنى في غير موضع: (... إذ على أي حال يستطيع - أي الإمام المهدي  - القيام بالعمل المناسب عند الحاجة إما بنفسه أو بواسطة خاصته، بالشكل الذي يستطيع أن يحول بين الشر وبين وقوعه) ( ).
وأشار السيد الصدر (قدس سره) أيضاً إلى وجود عدد كبير من المخلصين يلتقون بالإمام في عصر الغيبة الكبرى، بقوله: (هناك في العالم - طبقاً للتصور الإمامي لفكرة المهدي  - عدد غير قليل من الناس يعرف المهدي بشخصه ولا يحتاج إلى إقامة المعجزة للتعرف عليه؛ لأنه رآه خلال غيبته مرة أو مرات. وهم كل الأفراد المخلصين من الدرجة الأولى وبعض الأفراد المخلصين من الدرجة الثانية ... وقد كان هؤلاء هم وسائطه إلى الناس - بشكل وآخر - خلال غيبته وسيكونوا لنا بأنفسهم رادة الحق والعدل واللسان الناطق والسيف الضارب بين يدي قائدهم المهدي .
فمن الممكن - بغض النظر عن أي شيء آخر- أن يكون هؤلاء هم الشاهد الصادق في تعريف قائدهم إلى الناس، ريثما يثبت من مجموع أعماله وأقواله صدقه وعظمة أهدافه ومعه لا حاجة إلى إقامة المعجزة) ( ).
جاء في بشارة الإسلام نقلاً عن البحار، عن أبي عبد الله : (... قال: الله أجل وأكرم وأعظم من أن يترك الأرض بلا إمام عادل. قلت له: جعلت فداك فاخبرني بما استرح له، قال: يا أبا محمد، ليس ترى أمة محمد فرحاً أبداً ما دام لولد بني فلان مُلك، حتى ينقضي ملكهم، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لآل محمد برجل منا أهل البيت يسير بالتقى، ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشا، والله أني لأعرفه باسمه واسم أبيه، ثم يأتينا ... ذو الخال والشامتين، العادل الحافظ لما استودع، يملاها عدلاً وقسطاً كما ملأها الفجار جوراً وظلماً) ( ).
عن ثوبان أنه قال: قال رسول الله : (إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبواً على الثلج فإن فيها خليفة المهدي) ( ). والمقصود من خليفة المهدي في الرواية السابقة أي وصيه الذي يمارس الحكم بعده، وهذا ينطبق على أول المهديين الذي يحكم بعد الإمام المهدي والذي أحد أسماءه أحمد كما وصفته الروايات، والله أعلم.
عن علي بن الحسين: (... ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان، فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يظهر بعد ذلك...) ( ).
ولا يخفى على القارئ الفطن أن هذا الحديث الذي أخرجه الشيخ الطوسي مخالف لما هو ثابت ومتواتر عن طريق أهل البيت من أن السفياني يخرج قبل قيام الإمام المهدي  ومدة حكمه ستة أشهر أو ثمانية أشهر ثم يقتله الإمام عند قيامه.
أما هذا الحديث فإنه يصرح بأنه عند ظهور السفياني يكون الإمام المهدي ظاهراً ثم يختفي عند ظهور السفياني ثم يظهر بعد ذلك.
والمخرج من هذا التعارض كما قدمتُ هو أن المهدي المذكور في هذه الرواية ليس هو الإمام محمد بن الحسن العسكري المهدي ، بل هو أول المهديين وأول المؤمنين المقربين كما أشارت إليه بعض الروايات الصحيحة، وبالخصوص وصية الرسول محمد لعلي  والتي أخرجها الشيخ الطوسي في الغيبة ص107، والميرزا النوري في النجم الثاقب ج2 هي رواية صحيحة السند باعتراف الميرزا النوري والسيد الشهيد الصدر (قدس سره) في تاريخ ما بعد الظهورص640-650، ولا توجد رواية واحدة تنفي وجود الذرية للإمام المهدي ، فلابد أن يكون أول المهديين هو ابن الإمام المهدي  ومولود قبل قيام الإمام  وهو الذي يمهد للإمام ، وخصوصاً إذا لاحظنا ما أشارت إليه رواية (المهديين الإثنا عشر) بأن أولهم أحد أسماءه أحمد وهو أول المؤمنين، فالأظهر أنه أول المؤمنين في تصديق الإمام المهدي  في دعوته ونصرته، وأيضاً إذا لاحظنا الروايات التي تذكر الرجل الذي يخرج قبل المهدي عندما تصفه: (أتاح الله برجل منا أهل البيت)، أو (من أهل بيت الإمام المهدي ) وكل هذا يدل على أن الرجل الذي يخرج قبل الإمام المهدي  هو من ذريته، هذا إذا أعرضنا عن التأول والتأويل لا يُصار إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة في المقام.
وإلى هذا المعنى أشار السيد الصدر (قدس سره) في تاريخ ما بعد الظهور: (نعم، أجابت بعض الأخبار على ذلك، قال أحدها: (أن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً)، والمفهوم من قوله منا إنهم من نسل أهل البيت إجمالاً، وقال الخبر الآخر: (فليسلمها إلى ابنه أول المهديين)، وهو دال على أن الولي الأول ابن المهدي  نفسه. ولم يذكر الأولياء الذين بعده، ويقول أحد الأدعية: (وولاة عهدك و الأئمة من ولدك)، فلو اعتبرنا كل هذه الأخبار قابلة للإثبات مستقلة لفهمها أن هؤلاء الأولياء هم من نسل أهل البيت ، ولا يراد بأهل البيت في لغة الأخبار إلا الأئمة المعصومين. وحيث لا يحتمل أن يكونوا من نسل إمام غير المهدي  باعتبار بعد المسافة الزمنية، إذن فهم من أولاد الإمام المهدي  نفسه، وهذا افتراض واضح تعضده بعض هذه الأخبار ولا تنفيه الأخبار الأخرى) ( ).
أخرج السيد ابن طاووس عن نعيم بن حماد: (... يملك رجل من بني هاشم فيقتل بني أمية حتى لا يبقى منهم إلا اليسير، لا يقتل غيرهم، ثم يخرج رجل من بني أمية يقتل بكل رجل اثنين حتى لا يبقى إلا النساء، ثم يخرج المهدي عليه أفضل الصلاة والسلام وعجل الله فرجه) ( ).
وأخرج السيد ابن طاووس أيضاً عن نعيم بن حماد: (... ثم يملك رجل أسمر يملئها عدلاً، ثم يسر إلى المهدي ويؤدي إليه الطاعة ويقاتل عنه) ( ).
عن أبي جعفر : (يخرج شاب من بني هاشم بكفه اليمنى خال، ويأتي من خراسان برايات سود، بين يديه شعيب بن صالح، يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم) ( ).
عن أبي جعفر : (تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان إلى الكوفة، فإذا ظهر المهدي بمكة بعثت إليه بالبيعة) ( ).
قال رسول الله : (تخرج من المشرق رايات سود لبني العباس، ثم يمكثون ما شاء الله، ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رجل من ولد أبي سفيان وأصحابه من قبل المشرق ويؤدون الطاعة للمهدي) ( ).
وغير هذه الروايات الكثير عرضنا عن ذكرها لمراعاة الاختصار، وكلها تدل وتجمع على معنى واحد وهو خروج رجل أو رجال قبل قيام الإمام المهدي  يمهدون للإمام  ويهيئون له النصرة.
وبغض النظر عن كل شيء لا يمكن تجاهل هذه الروايات والإعراض عنها فإنها تتحدث عن مصير الأمة الإسلامية، بل البشرية، وتمس تكليف كل مسلم. فيجب النظر إليها بعين الاعتبار ولو من باب دفع الضرر المحتمل على أقل تقدير.
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾( ).
* * *
الشيخ ناظم العقيلي / كتاب ( الرد الحاسم على منكري ذرية القائم )
-------------
الهوامش /
-------------
- الإسراء: 15.
- الأحزاب: 62.
- قال رسول الله : (يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة) عيون أخبار الرضا : ج1 ص218.
- غيبة النعماني: ص296.
- غيبة النعماني: ص238.
- غيبة النعماني: ص238.
- غيبة النعماني: ص239.
- النساء: 165.
- الأعراف: 63.
- الإسراء: 15.
- الفرقان: 27 – 29.
- ما بعد الظهور: ص408.
- ما بعد الظهور: ص411.
- الغيبة الكبرى: ص152.
- ما بعد الظهور: ص234.
- بشارة الإسلام: ص118.
- بشارة الإسلام: ص236.
- غيبة الطوسي: ص294.
- ما بعد الظهور: ص650.
- الملاحم والفتن: ص43.
- الملاحم والفتن: ص39.
- الملاحم والفتن: ص38.
- الملاحم والفتن: ص40.
- الملاحم والفتن: 40.
- الإسراء: 72.
-----------