ذكر الميرزا النوري صاحب النجم الثاقب الرواية الوحيدة التي توهّم البعض أنها تعارض الروايات الكثيرة التي تؤكد على وجود الذرية للإمام المهدي  في عصر الغيبة الكبرى أو بعدها، وذكر الميرزا النوري حلاً للتعارض نسبه إلى الشيخ الطوسي، وقد وعدتُ بحل هذا التعارض حلاً لا يبقى بعده غموض بعونه تعالى، والرواية هي:
عن الحسن بن علي الخراز، قال: (دخل علي بن أبي حمزة على أبي الحسن الرضا  فقال له: أنت الإمام ؟ قال نعم. فقال له: أني سمعت جدك جعفر بن محمد يقول لا يكون الإمام إلا وله عقب. فقال: أنسيتَ يا شيخُ، أو تناسيت ؟! ليس هكذا قال جعفر، إنما قال جعفر : لا يكون الإمام إلا وله عقب، إلا الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي فإنه لا عقب له ؟ فقال له: صدقتَ جعلتُ فداك هكذا سمعتُ جدك يقول) ( ).
وقد توهم البعض أن هذه الرواية تنفي الذرية عن الإمام المهدي  لتوهمهم أن المقصود من الإمام الذي ليس له عقب المذكور في الرواية هو الإمام المهدي ، وهذا فهم سقيم وغير صائب.
فالإمام الذي ليس له عقب والذي يخرج عليه الحسين  هو آخر المهديين الذين يحكمون بعد الإمام المهدي  والذين هم من ذريته .
عن الإمام الصادق  أنه قال: (إن منا بعد القائم اثنا عشر مهدياً من ولد الحسين)( ).
عن أبي عبد الله ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين ، قال: (قال رسول الله : ... وليسلمها الحسن (أي العسكري) إلى أبنه (م ح م د) المستحفظ من آل محمد فذلك إثنى عشر إماماً، ثم يكون من بعده إثنى عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المهديين، له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي واسم أبي، وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث المهدي، وهو أول المؤمنين) ( ).
وما ورد في الدعاء للإمام المهدي : (وصل على وليك وولاة عهده والأئمة من ولده ومد في أعمارهم ...) ( ).
وهؤلاء المهديون من ذرية الإمام المهدي  يحكمون بعد موت المهدي  وآخرهم لا يكون له عقب أي ذرية؛ لأن الإمام الحسين  يخرج عليه (أي في الرجعة).
عن جابر الجعفي، قال: (سمعت أبا جعفر  يقول: والله ليملكن منا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة، يزداد تسعاً، قلت: متى يكون ذلك ؟ قال: بعد القائم، قلت: وكم يقوم القائم في عالمه ؟ قال: تسعة عشر سنة، ثم يخرج المنتصر فيطلب بدم الحسين  ودماء أصحابه فيقتل ويسبي حتى يخرج السفاح) ( ). فيمكن أن يكون الضمير في (موته) عائداً على الإمام المهدي ؛ لأنه موضوع كلام الإمام الصادق .
وفي رواية ثانية: (ثم يخرج المنتصر إلى الدنيا وهو الحسين  فيطلب بدمه ودم أصحابه فيسبي ويقتل حتى يخرج السفاح وهو أمير المؤمنين ) ( ).
ويستفاد من هاتين الروايتين أن الذي يخرج عليه الحسين  والذي يحكم ثلاثمائة وتسع سنين بعد الإمام المهدي  هو آخر المهديين من أولاد الإمام المهدي ، وهو الذي لا عقب له، ويخرج عليه الحسين بن علي في الرجعة.
فالقول بأن الإمام المهدي  هو المقصود من تلك الرواية وأنه لا عقب له غير سديد؛ لمخالفته جملة من الروايات الصحيحة، ولعدم وجود رواية تنص عليه فيضرب به عرض الجدار، وبهذا يحل التعارض ويتبين أن الاختلاف ناشئ من سوء فهم للروايات؛ لأن البعض توهم أن المقصود بالإمام الذي لا عقب له هو الإمام المهدي ، وقد تبين مما سبق خلاف ذلك وأن المقصود منه آخر المهديين الذين يحكمون بعد الإمام المهدي .
فلا تبقى أي رواية تنفي الذرية عن الإمام المهدي ، وتبقى الروايات التي تثبت الذرية بلا معارض أصلاً، وبهذا أيضاً ينحل الاختلاف الواقع بين الباحثين، فالبعض منهم يذهب إلى أن الحكم بعد المهدي  للإثني عشر المهديين من ذرية الإمام ، والبعض الآخر يذهب إلى أن الحكم بعد الإمام المهدي للأئمة المعصومين في رجعتهم إلى الحياة الدنيا في الرجعة.
والصواب ما أيدته الروايات عن أهل البيت هو أن الحكم بعد الإمام المهدي  للإثني عشر المهديين من ذرية الإمام المهدي وبعدهم تكون الرجعة، والله أعلم وأحكم، ولله الحمد وله المنة. (وهذا الكلام مستفاد من السيد أحمد الحسن).
* * *
الشيخ ناظم العقيلي / كتاب ( الرد الحاسم على منكري ذرية القائم )
-------
الهوامش /
-----------
- النجم الثاقب: ج2 ص73، غيبة الطوسي: ص224.
- بحار الأنوار: ج52 ص148، البرهان: ج3 ص310، الغيبة: ص385.
- بحار الأنوار: ج53 ص145، الغيبة للطوسي: ص150.
- الغيبة للطوسي: ص280، النجم الثاقب: ج2 ص70، بحار الأنوار: ج2 ص14.
- الغيبة للطوسي: ص478.
- الغيبة للطوسي: ص309.