القائلين بعدم وجود ذرية للإمام المهدي  قولهم مفتقر إلى الدليل الشرعي والعقلي.
فأما الدليل الشرعي فلا توجد أي رواية تنفي وجود الذرية للإمام المهدي  سواء قبل القيام أم بعد القيام، سوى رواية واحدة توهم البعض إنها تنفي الذرية عن الإمام المهدي  وسوف نناقشها في الإضاءة الثانية إن شاء الله تعالى.
وإضافة إلى عدم وجود أي رواية تنفي الذرية فهناك الكثير من الروايات التي تؤكد على وجود الذرية للإمام المهدي  قبل وبعد القيام المبارك، فلا أدري لماذا كل هذا الميل لنفي الذرية عن الإمام المهدي ، والأصل في الخلق وجودها، وقد أكد الشارع على استحبابها الأكيد.
وأما من ناحية الدليل العقلي، فلا مورد عقلي ينفي أن يكون الإمام المهدي  متزوجاً وله ذرية في وقت من الأوقات أو دائماً إلا إذا كان الزواج أو الذرية يتسبب في كشف شخصه للأعداء أو خرق عنوان الغيبة التي اختارها له الله ، وبرأيي القاصر أن هذه القيود والشروط التي توضع لجواز وجود الزوجة والذرية للإمام المهدي  لا مبرر لها، وتطويل بلا طائل؛ لأنه إذا ثبت عن طريق الروايات وجود الذرية للإمام المهدي  فهو أعلم وأحكم في كيفية ستر شخصه وكتمان سره عن الأعداء والحفاظ على عنوان غيبته ، فلماذا نكلف أنفسنا ونضع القيود والحلول، فهل هذه الأمور حضرت عند عقولنا القاصرة وغابت عن الإمام المهدي  وحاشاه وهو صاحب العقل الكامل المعصوم، فمن الممكن أن يختار الإمام المهدي  زوجة صالحة تكتم سره عن الناس وحتى عن ذريته إن أراد ذلك، هذا إذا قلنا باطلاع الزوجة ومعرفتها لشخصيته الحقيقية.
وأما إذا كانت الزوجة لا تعرف شخصية الإمام الحقيقية فالأمر يكون أسهل من سابقه، حيث يكون شخص الإمام مبهماً حتى على زوجته. وقد قلت بأن الإمام  أدرى من غيره في تدبير أمره فلا داعي أن نكلف أنفسنا ما لا يخصنا ونجعل زواج الإمام المهدي  في غيبته من المستحيل !! ويحسن بنا الآن أن نعرج على الموسوعة المهدية لنطلع على رأي السيد الصدر في هذا الموضوع.
يقول السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) في الغيبة الكبرى: (وأما على الأطروحة الثانية: أطروحة خفاء العنوان فكل هذا الكلام الذي رأيناه يكون بدون موضوع. فإن المهدي  وإن كان من المتعذر عليه إيجاد الزواج بصفته الحقيقية لما قلناه من عدم وجود المرأة الخاصة المأمونة بالنحو المطلوب ولكن زواجه بصفته فرداً عادياً في المجتمع أو بشخصيته الثانية ممكن ومن أيسر الأمور بحيث لا تتطلع الزوجة على حقيقته طوال عمرها، فإن بدء التشكيك يغزو ذهن المرأة في بعض تصرفاته أو عدم ظهور الكبر عليه بمرور الزمان ... أمكن للمهدي  أن يخطط تخطيطاً بسيطاً لطلاقها وإبعادها عن نفسه وقد مرة أخرى ... وهكذا.
وإذا أمكن زواجه أمكن القول بتحققه، وإن الإمام المهدي  متزوج في غيبته الكبرى بالفعل، وذلك لأن فيه تطبيقاً للسنة المؤكدة في الإسلام والأوامر الكثيرة في الزواج والحث العظيم عليه والنهي عن تركه، والمهدي أولى أن يتبع سنة الإسلام، وخاصة إذا قلنا بأن المعصوم لا يترك المستحب ولا يفعل المكروه مهما أمكن، والتزمنا بعصمة المهدي  كما هو الصحيح. فيتعين أن يكون متزوجاً بعد أن توصلنا إلى إمكان زواجه وعدم منافاته مع احتجابه، وإذا سرنا مع هذا التصور أمكن أن نتصور له في كل جيل أو في أكثر الأجيال ذرية متجددة تتكاثر بمرور الزمن ولكنها تجهل بالمرة بأنها من نسل الإمام المهدي ؛ لأنه لا يكشف حقيقته أمام زوجته وأولاده الصلبيين فكيف بالأجيال المتأخرة من ذريته) ( ).
وللسيد الصدر (قدس سره) كلام طويل في مناقشة الروايات التي تثبت الذرية للإمام المهدي ، مرة تقويةً وأخرى تضعيفاً، وسوف أقتصر على ما يؤيد بحثي هذا، تجنباً للإطالة.
يذكر السيد الصدر (قدس سره) ثلاثة وجوه لرواية الشيخ الطوسي: (... لا يطلع على موضعه من ولده ولا غيره، إلا المولى الذي يلي أمره) الوجه الأول والثالث يضعف السيد القول بوجود الذرية للإمام المهدي ، وأما الوجه الثاني فيقول السيد الصدر: (إنه على تقدير الاعتراف بوجود كلمة الولد في الرواية فإنها لا تكاد تدل على أمر زائد على ما اقتضته القواعد على الأطروحة الثانية (خفاء العنوان)، فإنه يمكن أن يكون للإمام المهدي  ذرية لا تعرف حقيقة أبيها بمقدار لا يصل إلى انكشاف أمره وذيوع سره كما سبق أن عرفنا، أو يكون المهدي  قد حصل في بعض الأجيال على زوجة موثوقة عرفت حقيقته وصانت سره وسترته عن ذريته، أما وجود ولد أو ذرية يعاشرونه ويعرفونه فهو منفي بنص الرواية كما هو منفي بمقتضى القواعد) ( ).
وأما قصة الجزيرة الخضراء فللسيد الصدر (قدس سره) كلام طويل في تضعيفها وعدم الاستدلال بها ولكن له تعليقه تخص المقام، نذكرها للفائدة: (وبالجملة يكفي في صدق هاتين الروايتين [روايتا الجزيرة الخضراء] وقوع الزواج للمهدي  مرة واحدة خلال الأجيال وهو مما لم تنفه القواعد العامة كما هو معلوم. إذن فلم نجد من الروايات ما يصلح للاستدلال به على مضمون زائد على ما عرفناه في القواعد العامة) ( ).
والمتدبر في كلام السيد الصدر (قدس سره) يخرج بنتيجة مضمونها: (إذا كان وجود الذرية والزوجة للإمام المهدي  يشكل خطراً على كشف شخصيته وشيوع سره أمام الناس، فهذا مخالف للقواعد العامة ولا يمكن حصوله، أما إذا كان وجود الزوجة والذرية لا تشكل خطراً على الإمام  ولا يكون سبباً في كشف سره فإنه أمر سهل ويمكن الاستدلال عليه؛ لأنه غير مخالف للقواعد العامة و تؤيده الأخبار) ( ).
وقد أشرت سابقاً على أنه إذا استفدنا وجود الزوجة والذرية له  من مجموع الروايات فالإمام المهدي  هو أعلم وأحرص على مراعاة القواعد العامة وهو متمكن بقدرة الله تعالى من تدبير أموره من الزواج والذرية مع مراعاة عدم انكشاف أمره وتعرضه للخطر من الأعداء.
عن الإمام الصادق  أنه قال لأبي بصير: (كأني أرى نزول القائم  في مسجد السهلة بأهله وعياله...) ( ).
قول الإمام المهدي  في خطبته بين الركن والمقام حين قيامه المبارك: (... فقد أخفنا وظلمنا وطردنا من ديارنا وأبنائنا، وبغي علينا ودفعنا عن حقنا...) ( ).
قصة الجزيرة الخضراء: ومن أراد معرفة القائلين بصحتها من العلماء فليراجع تعليقة السيد ياسين الموسوي في النجم الثاقب الجزء الثاني ص172 في الهامش رقم3، وقصة الجزيرة الخضراء موجودة في النجم الثاقب ج2 ص172، وقد نقلها (21) عالماً من علماء الشيعة، منهم: السيد نور الله التستري في مجالس المؤمنين ج1 ص78، والشيخ علي الحائري في إلزام الناصب ج2 ص85، والمقدس الاردبيلي في حديقة الشيعة ص729، والفيض الكاشاني في نوادر الأخبار ص300، والشهيد الأول محمد بن مكي، والسيد هاشم البحراني في تبصرة الوالي في من رأى القائم المهدي ، ومنهم العلامة الميرزا الرضا الأصفهاني في تفسير الأئمة لهداية الأمة، ومنهم الحر العاملي في إثبات الهداة ج7 ص371، ومنهم المحقق الكركي، ومنهم الأستاذ الأكبر مؤسس المدرسة الأصولية الوحيد البهبهاني في بحث صلاة الجمعة ص221، وعبد الله شبّر في جلاء العيون، ومنهم السيد مهدي بحر العلوم صاحب الكرامات والمقامات في الفوائد الرجالية ج3 ص136، وغيرهم من كبار العلماء الذين ذكروا قصة الجزيرة الخضراء والتي هي مسكن لأولاد الإمام المهدي  وشيعتهم ولا يطلع عليها أحد إلا ما شاء الله تعالى.
ونقل هؤلاء العلماء الأجلاء لهذه القصة يؤيد صحتها وواقعيتها، وإذا ثبتت فإنها أكبر دليل على وجود الذرية للإمام المهدي  في عصر الغيبة الكبرى.
وغير هذا الكثير من الأدلة التي تؤكد على وجود الذرية للإمام المهدي  في عصر الغيبة الكبرى وذكرها لا يناسب هذا البحث المختصر.
* * *
الشيخ ناظم العقيلي / كتاب ( الرد الحاسم على منكري ذرية القائم )
---------
الهوامش /
------------
- الغيبة الكبرى: ص62.
- الغيبة الكبرى: ص65.
- الغيبة الكبرى: ص66.
- الغيبة الكبرى: ص66.
- النجم الثاقب: ج2 ص72.
- الغيبة للنعماني: ص290، ما بعد الظهور للسيد الصدر(قدس سره): ص222.
------