الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الأئمة والمهديين وسلم تسليماً.
عن رسول الله : (من حفظ من أمتي أربعين حديثاً مما يحتاجون إليه من أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً) ( ).
وعن أبي عبد الله  قال: (من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالماً فقيهاً) ( ).
وعن ابن عباس، عن النبي ، قال: (من حفظ من أمتي أربعين حديثاً من السنة كنت له شفيعاً يوم القيامة) ( ).
وعن الحسين بن علي ، قال: (إن رسول الله أوصى إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  وكان فيما أوصى به أن قال له: يا علي، من حفظ من أمتي أربعين حديثاً يطلب بذلك وجه الله  والدار الآخرة حشره الله يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ...) ( ).
امتثالاً لما تحث عليه هذه الأحاديث الشريفة، وطلباً لرضا الله تعالى، في جمع وحفظ أحاديث العترة الطاهرة، وخصوصاً عدد (أربعين حديثاً)، لما لهذا العدد من سر عظيم، عزمت على كتابة أربعين حديثاً، وأملي في الله  أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلها ذخراً لكاتبها الحقير في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وقد اخترت موضوع (المهديين وذرية الإمام المهدي )، لما لهذا الموضوع من أهمية عظيمة، لتعلقه بموضوع الإمامة والخلافة الإلهية على الأرض، هذه الخلافة والإمامة التي يترتب عليها رضا الله تعالى وسخطه، والجنة والنار، فقد قال الصادق : (المنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا) ( ).
ويزداد بيان هذا الموضوع أهمية وعظمة، عندما نسمع كثيراً من فقهاء آخر الزمان، وكثيراً من أتباعهم ومن ينسج على منوالهم، عندما نسمعهم يبالغون في إنكار الإمامة بعد الإمام المهدي الحجة بن الحسن ، أو حصر الإمامة في الاثني عشر إماماً فقط، متجاهلين ومتغافلين عن النصوص الشرعية المتواترة معنىً في إثبات وجود أئمة وحجج أوصياء بعد وفاة الإمام محمد بن الحسن العسكري (روحي له الفداء)، وكأنهم لم يسمعوا الأحاديث التي تشدد النكير على من ينكر إمامة إمام منصب من الله تعالى، أذكر أحدها الآن:
الشيخ الكليني بسنده عن الإمام الصادق ، أنه قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماماً من الله، ومن زعم أن لهما في الإسلام نصيباً) ( ).
فعلى الأقل ينبغي لهؤلاء أن يسلكوا طريق الورع والاحتياط، وأن لا ينكروا إمامة المهديين، وإن لم يعتقدوا بهم على نحو الجزم، كما فعل بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين، فعدم الاعتقاد لا يعني الإنكار ضرورة، فقد يكون الإنسان غير معتقد بشيء ولكنه غير منكر له، بل يَحتمل وقوعه ووجوده ويُجوِّزه، أو يُرجِع علمه إلى الله تعالى.
فتجدهم يحتاطون في دفع الضرر المحتمل في ما يرجع إلى دنياهم، ويتهورون في ما يرجع إلى آخرتهم وعاقبتهم، وهذا يرجع إلى قلة نسبة الورع ومخافة الله في نفوسهم، كالواقفة الذين باعوا آخرتهم بثمن بخس من حطام الدنيا، والآن هؤلاء الفقهاء وأتباعهم يريدون إعادة الواقفة في آخر الزمان، بإنكار إمامة عترة صاحب العصر والزمان  وأوصيائه، وإضلال الناس والضحك على ذقونهم، من أجل الجاه والمنصب والأتباع والأموال.
فلا يوجد دليل شرعي يحصر الإمامة في اثني عشر إماماً، بل الأدلة الشرعية متواترة على استمرار الإمامة بعد الإمام المهدي  في ذريته المهديين الاثني عشر، نعم توجد روايات كثيرة تنص على أن الإمام المهدي خاتم الأئمة أو الأوصياء، ولكنها لا تعني أنه خاتم مطلق الإمامة، بل خاتم الإمامة في مقام خاص وهو مقام إمامة الاثني عشر من علي بن أبي طالب، وانتهاء بمحمد بن الحسن العسكري ، كما أن علي بن أبي طالب  قد وصف بأنه خاتم الوصيين، مع أننا على يقين بأن ذريته الحجج كلهم أوصياء، ومنه نعرف أنه خاتم الأوصياء في مقام خاص أو بلحاظ معين لا مطلقاً.
ثم إن النصوص المصرِّحة بإمامة ذرية الإمام المهدي  حاكمة لا محكومة، أي إنها مفسرة وموضِّحة لبقية الروايات التي ربما يتوهم منها حصر الإمامة بالاثني عشر ؛ لأنها صريحة ونص في المطلوب وغير قابلة للتأويل المقبول، بينما ما يقابلها ليست نصاً في المطلوب، وعلى أقل تقدير قابلة للتأويل ولجمعها مع روايات المهديين.
ولا يتوهم أحد بأني أريد أن أنفي مسألة إمامة اثني عشر إماماً أبداً، فهذا العدد مؤكد عليه في روايات متواترة، ونص عليه الرسول محمد حتى في وصيته عند الموت، وهو من المسلمات عند كل متبع لأهل البيت ، ولكن الإشكال هو حصر الإمامة فقط في هؤلاء الإثني عشر ، والقول بعدم وجود إمام بعد صاحب الزمان ، فهذا القول يعتبر اجتهاداً بل عناداً في قبال النص الشرعي الصريح.
ولذلك نجد كثيراً من العلماء قال بجواز أو ثبوت استمرار الإمامة بعد الإمام المهدي الحجة بن الحسن ، ولو كانت مسألة حصر الإمامة بالأئمة الإثني عشر بديهية ومن ضروريات المذهب لما خالفها هكذا علماء.
ومن القائلين بجواز أو ثبوت إمامة بعد صاحب الزمان :
1- الشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة ص77، قال: (إن عدد الأئمة اثنا عشر والثاني عشر هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ثم يكون بعده ما يذكره من كون إمام بعده أو قيام القيامة ولسنا مستعبدين في ذلك إلا بالإقرار باثني عشر إماماً اعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر  بعده).
وكلام الشيخ الصدوق (رحمه الله) صريح في أنه لا يعتقد بانحصار الإمامة بالأئمة الإثني عشر ، بدليل قوله: (ثم يكون بعده ما يذكره من كون إمام بعده أو قيام القيامة)، أي إن الأمر عند الشيخ الصدوق بعد صاحب الزمان  مردد بين تنصيب إمام أو قيام القيامة، إذن هو يُجوِّز تعدي الإمامة عدد الإثني عشر، ولا قطع عنده على انحصار الإمامة بالإثني عشر ، وإذا لم يوجد قطع فلا توجد عقيدة بهذا الانحصار بالذات.
2- الشيخ المفيد في الإرشاد ج2 ص387، قال: (وليس بعد دولة القائم  لأحد دولة إلا ما جاءت به الرواية من قيام ولده إن شاء الله ذلك، ولم ترد به على القطع والثبات، وأكثر الروايات أنه لن يمضي مهدي هذه الأمة  إلا قبل القيامة بأربعين يوماً يكون فيها الهرج، وعلامة خروج الأموات، وقيام الساعة للحساب والجزاء، والله أعلم بما يكون، وهو ولي التوفيق للصواب، وإياه نسأل العصمة من الضلال، ونستهدي به إلى سبيل الرشاد...).
ولا يخفى أن الشيخ المفيد رحمه الله في كلامه هذا يبين أنه لا يقطع بأن الإمامة ستنتهي بموت صاحب الزمان  بل يمكن أن يقوم بالأمر ولده من بعده كما جاءت به الرواية، وكذلك لا يجزم بذلك، إذن فلا توجد عقيدة عند الشيخ المفيد بانحصار الإمامة بالإثني عشر ، لعدم وجود الجزم والقطع بذلك، والأمر مردد عنده بين أمرين؛ قيام ولد الإمام المهدي  بعده، أو قيام القيامة بعد مضي صاحب الزمان  بأربعين يوماً.
ثم إن قول الرسول : (... ولا يكون انتهاء دولته إلا قبل القيامة بأربعين يوماً) ( )، لا يعارض حكم المهديين من ذرية الإمام المهدي ، لأن الرواية قالت (انتهاء دولته)، ولم تقل انتهاء عمره أو حياته، ودولة الإمام المهدي  غير مقتصرة على حياته ، بل تستمر بقيادة ولده المهديين دهراً طويلاً، فحكم المهديين هو حكم أبيهم الإمام المهدي ، كما أن حكم الأئمة الاثني عشر هو حكم رسول الله ، فهم جميعاً يصدرون عن مشكاة واحدة، فالمراد هو أن لا تكون دولة لغير آل محمد  بعد قيام الإمام المهدي  والى يوم القيامة، ولا يخفى أن المهديين هم من آل محمد ، وهم عترة القائم ، ويدل على ذلك الحديث الآتي:
عن رسول الله : (... فإن الدنيا لم تبق لأحد قبلنا ولا تبقى لأحد بعدنا. دولتنا آخر الدول، يكون مكان كل يوم يومين ومكان كل سنة سنتين. ومنا من ولدي من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً) ( ).
فقوله : (فإن الدنيا لم تبق لأحد قبلنا ولا تبقى لأحد بعدنا دولتنا آخر الدول)، يعني أن جميع الدول التي قبل قيام القائم  ستزول وتنتهي، ثم لا يكون بعد دولة القائم دولة لغير أهل البيت ، بل دولة أهل البيت  التي يؤسسها القائم ، هي آخر الدول، وتبقى الى قيام القيامة.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: (دولتنا آخر الدول، ولن يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عز وجل: (والعاقبة للمتقين) ) ( ).
---------------
الشيخ ناظم العقيلي / كتاب ( الاربعون حديثا في المهديين (ع) - )