كما هو قولهم في تعيين الخليفة بعد النبي لما صوروه أنه ارتحل إلى ربه دون أن يعيّن من يخلفه ويليه في قيادة الأمة وإمامتها، فتدارك الأمر شيوخ قريش وحفظوا الإسلام بمبادرتهم إلى تنصيب أبي بكر خليفة له خوفاً من ضياع أمة فتية جديدة عهد بالإسلام، فأنقذوها بفعلهم هذا من الاندثار واستطاعوا ملء الفراغ الذي لم يحسن نبي الإسلام - وحاشاك يا حبيب الله- في وضع حل له !!
تماماً مثل جرأتهم هذه، كان هو رأيهم في القرآن الكريم، فقد مات رسول الله بنظرهم ولم يجمع للمسلمين كتاب ربهم، ولا كلّف أحداً بتلك المهمة الكبرى بشكل يغلق فيه روحي فداه على أهل الجحود والإنكار والأهواء مشاريعهم الشيطانية، بل لم يكن - بنظرهم - قد أمر مسلماً بجمعه أصلاً، فكانوا هم - أعني مثلث المشيخة - المبادرين في تدارك هذا الأمر الخطير وحفظ دستور الإسلام ووحي الله من الضياع بسعيهم لجمعه في الصحف التي اعتمدها عثمان أخيراً ووحّد المسلمين عليها إلى يوم الناس هذا.
ويا لهما من منقبتين لا يضاهيها فضل ألا وهما: تعيينهم خليفة رسول الله، وجمعهم كتاب الله، أليس كذلك يا أهل العامة، ولو على حساب اتهام الرسول الكريم بالتقصير؟!!
وما سأقوم به في هذا البحث هو إعطاء الملامح العامة للنظرية السنية في جمع القرآن، من خلال إبراز أهم النقاط المتعلقة بهذا الموضوع بشكل مختصر، واستعراض المهم من أقوال علمائهم وما رووه في أمهات مصادرهم، وعرض ذلك على طاولة البحث بغية الوصول إلى الحقيقة، خصوصاً ونحن نتكلم في مسائل تتعلق بالثقل الأكبر والحبل الممدود بين السماء والأرض.
وسيجد القارئ الكريم أنّ ما قالوه واعتقدوه في قضية جمع القرآن لا يعدو أن يكون معركة آراء متناقضة لا تكاد تنتهي كما سترون بإذن الله تعالى.

(1)
النبي (صلى الله عليه وآله) يموت والقرآن موزّع بين العظام وصدور الرجال !!
مات رسول الله والقرآن غير مجموع أصلاً بل موزع مشتت كما يزعمون، رووا عن زيد بن ثابت أنه قال: (قُبِضَ النَّبِيُّ وَلَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ جُمِعَ فِي شَيْءٍ) ( ).
لم يكن مجموعاً ومحفوظاً في شيء، بل كان فقط في صدور الرجال ومكتوباً على كل ما توفّر لدى المسلمين من أدوات الكتابة كالجلود والعظام والحجارة ونحوها، حيث كان المسلمون يكتبون القرآن على الرِّقاع ( )، والأكتاف (عظم عريض يكون في كتف الحيوان)، والعُسب (جريد النخل)، واللخاف (صفائح الحجارة البيض الرقاق)، والأضلاع (عظام الجنبين)، والأقتاب (الأخشاب التي توضع على ظهر البعير)، والألواح (صفيحة عريضة من الخشب)، وقطع الأديم (الجلد)، والكرانيف (أصل السعفة الغليظة)، وغيرها مما جعل من المغوار الذي يتكفل مهمة الجمع بعد ذلك يقاسي العناء.
قال البعض بالجمع في زمانه (صلى الله عليه وآله) واختلفوا في معناه:
وبعضهم ربما التفت إلى شنيع هذا القول النافي جمع القرآن في عهد النبي بأيّ شكل من أشكال الجمع، أو لا أقلّ تكليفه لأحد المسلمين في السعي لأداء هذه المهمة في حياته وقبل مماته، فبيّن أنّ هناك جمعاً للقرآن في حياته ، وفسّر الجمع بأنه كان في صدور الرجال، قال الزركشي: (وثبت أنّ القرآن مجموعة محفوظ كله صدور الرجال أيام حياة النبي ، مؤلفاً على هذا التأليف إلا سورة براءة) ( ).
وبعضهم فسر الجمع في حياته بالكتابة التي قام بها المسلمون حيث كانوا يكتبون ما يمليه عليهم نبيهم على العظام ونحوها.
قال المقريزي: (وأما جمع القرآن الكريم فقد وقع ثلاث مرات: الأولى: عندما أنزله الله تعالى على رسوله فكان يمليه في كتابه فيكتبون في العظام وغيرها، حتى اجتمعت سور القرآن وآياته ..) ( ).
وهم لما رووا أنّ هناك من جمع القرآن من الصحابة في حياة النبي ، فقد فسّروا جمعهم الذي قاموا به بأنه حفظ للقرآن عن ظهر قلب، ولا دليل لهم على هذا.
أما بعض الأسماء التي وردت عندهم ممن جمع القرآن في حياة النبي فهم:
1- أُبيّ ومعاذ وأبو زيد وزيد بن ثابت، روى البخاري عن أنس: (جمع القرآن على عهد رسول الله أربعة كلهم من الأنصار: أبي ومعاذ بن جبل وأبو زيد وزيد بن ثابت. قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي) ( ).
2- وذكر البخاري في نص آخر أبا الدرداء رابع الأربعة بدل أبي بن كعب ( ).
3- عبد الله بن مسعود، كما ذكره القسطلاني ( )، وغيره.
4- ويضيف ابن حنبل سابعاً وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد روى عنه قوله: (جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ ذلك رسول الله ، فقال: إني أخشى أن يطول عليك زمان أن تملّ، اقرأه في كل شهر) ( ).
5- وأخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر، قال: (جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة ، فبلغ النبي فقال: اقرأه في شهر) ( ).
6- ويضيف آخرون صحابية جمعت القرآن، قال: (عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري، وكان رسول الله يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن ..) ( ).
وهناك غيرهم أيضاً ممن جمع القرآن في حياة النبي ( ).
ولكن ما هو غير واضح تفسيرهم لجمع هؤلاء الصحابة بالحفظ، قال الشبلنجي: (وأما من جمع القرآن حفظاً على عهده فأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبو زيد الأنصاري)( )، وقوله (حفظاً) يغني عن التوضيح.
مع الزركشي وغيره في تفسيرهم الحفظ في زمنه (صلى الله عليه وآله):
يمكننا تسجيل عدة ملاحظات على قوله المتقدم:
أولاً: من أين للزركشي وغيره أن يثبتوا أنّ كلّ من قام بجمع القرآن في حياة النبي من الصحابة فقد حفظه، أو أنّ جمعه له بمعنى حفظه في صدره ؟!
وثانياً: إنهم قالوا هذا في ذات الوقت الذي يروون عن كبارهم أنهم كانوا يجمعون القرآن زمن النبي بنحو التأليف وليس الحفظ كما يدعون، فعن زيد بن ثابت قال: (كنا عند رسول الله نؤلّف القرآن من الرقاع ..) ( ).
وثالثاً: إنّ النبي وجّه المسلمين إلى كتابة القرآن، فقد أخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري أنه قال: (قال رسول الله: لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن فمن كتب عني غير القرآن فليمحه) ( )، وإذا كان الصحابة يكتبون القرآن بإملاء النبي ، فهلّا استطاع أحد منهم جمع ما يتمكن منه، خصوصاً وأنّ المكتوب هو قرآن ربهم وليس قصص تميم الداري أو كعب الأحبار ؟!!
قال الزركشي: (وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب فهم السنن: كتابة القرآن ليست محدثة فإنه كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقاً في الرقاع والأكتاف والعسب ..) ( )، ثم نقل عنه أنّ هناك مصاحف عند بعض الصحابة وهي مكتوبة وليست موزعة فقط كما قال الآن، يقول: (وأما أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل فبغير شك جمعوا القرآن والدلائل عليه متظاهرة، قال: ولهذا المعنى لم يجمعوا السنن في كتاب إذ لم يمكن ضبطها كما ضبط القرآن) يعني في كتاب.
تفسير الحفظ بالكتابة:
لهذا وغيره عدل بعضهم عن تفسير الجمع في زمانه بنحو الحفظ - لأنه مما يضحك فعلاً - إلى الكتابة، إلا أن السؤال لا يكاد ينقطع أيضاً؛ إذ:
- إننا نطالب بنسخة مكتوبة يصح الاعتماد عليها كان قد أقرّها النبي لنقول عنها أنها كتاب الله لا مجرد ثبوت كتابتها من صحابي مسلم وهو عرضة للاشتباه بنظرهم.
- على أنهم لم يقولوا بذلك أصلاً بل ادعوا أنّ الصحابة قاموا بكتابته على العظام والرقاع وما شابهها مع بقاء القرآن بآياته وسوره منثوراً لا يكاد يعرف له أول من آخر !! ومع هذا اسموا تلك الكتابة المنتثرة جمعاً، فهل يعقل هكذا جمع !!
- هل يستسيغ عاقل حكيم لديه أدنى مراتب الحكمة هكذا جمع لكتاب خطه بيمينه، فكيف تنسبوه إلى النبي الكريم مع كتاب ربه الذي أوحى آياته إليه ؟! وكيف بعد هذا تروون عنه عشرات الروايات في القرآن وحفظه وتأمله وقراءته وغير ذلك مما يرتبط به، بل كيف أوصاكم به في حديث الثقلين المتواتر نقله عند كل المسلمين، أو كيف قال قائلكم حسبنا كتاب الله ؟!
أين هو كتاب الله الذي قصده عمر في رزية الخميس ؟! فهل قصد ما هو موزع على العظام والجريد ؟! أو قصد ما هو محفوظ في صدور خمسة أو حتى خمسين من صدور فلان وفلان ؟! هل هذا هو حسبكم الذي استعضتم به عن الكتاب العاصم من الضلال كما روى ذلك البخاري وغيره في صحاحكم ( ) ؟!!
- ثم إن صح إطلاق الجمع على الكتابة، وأنّ جمع القرآن بمعنى كتابته فأيّ عمل بعد هذا قام به أبو بكر، فأنتم قد ادعيتم له منقبة جمع القرآن بمعنى لملمته في قراطيس وصحف، فإذا كان هذا حاصل في زمن الرسول كما هو قول غير واحد من علمائكم، بل قد نقلتم عن زيد قوله (كنا عند رسول الله نؤلّف القرآن من الرقاع)، فلماذا لم يعتمد أبو بكر ما ألّفه زيد بدل أن يكلفه مرة أخرى بجمع القرآن ولملمة المنثور في صحف !!
إنه - والله - تخبط العشواء وترنّح الجهلاء الذين لا نكاد نجمع لكل واحد منهم قولين، بل لا أظنه يعرف ما يقول أو يفقه ما يتكلم عنه حتى.
والخلاصة: إنهم فتقوا على أنفسهم فتقاً لا هم تركوا المجال لعاقل يخيطه لهم، ولا هم أخاطوه، ولا تقبلوا كلمة نصح من غيرهم حتى ولو كان صاحبها إمام من آل محمد ليهتدوا بهديه، فمرة يقولون إنّ القرآن جمع في زمن النبي بنحو الحفظ، وثانية يقولون جمع لا بنحو الحفظ وإنما بنحو الكتابة، وثالثة يقولون لم يجمع في زمنه أصلاً ويستدلون على ذلك، فلنرى حجتهم في هذا.
* * *
الدكتور علاء السالم / كتاب ( ماذا جرى على القران وقراءة اهل البيت (ع) - ج1)