ورد في الإنجيل أن الروح قد حلت على مريم أثناء حملها بيسوع ، وهذا النص موافق لما بينه القران الكريم.
(فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ) ( ).
وأجاب السيد أحمد الحسن  في سؤال وجه له عن الروح الذي تمثل لمريم ومعنى قول نبي الله عيسى  أنه ابن وأنه مرسل من الأب، قال:
(إن الذي تمثل لها بشراً سوياً هو الروح الأعظم، وهو مرتبة من الروح ومقام يشمل الرسول محمد والأئمة والمهديين ، وكما قال أمير المؤمنين  الروح واحد والصور مختلفة.
عن الأصبغ بن نباته: (أن رجلاً سأل علياً  عن الروح، قال: ليس هو جبرئيل، قال علي : جبرئيل من الملائكة، والروح غير جبرئيل. وكان الرجل شاكاً فكبر ذلك عليه فقال: لقد قلت شيئاً عظيماً وما أحد من الناس يزعم أن الروح غير جبرئيل. قال علي : أنت ضال تروي عن أهل الضلال، يقول الله لنبيه: ﴿أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ  يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾( ).
فالروح غير الملائكة، وقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ  تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾( )، وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾( )، وقال لآدم وجبرئيل يومئذ مع الملائكة: ﴿إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ  فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾( ) فسجد جبرئيل مع الملائكة للروح.
وقال لمريم: ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾( )، وقال لمحمد : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى  قَلْبِكَ﴾( )، ثم قال: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ  بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ  وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾( ) والزبر الذكر، والأولين رسول الله منهم، فالروح واحدة والصور شتى. قال سعد: فلم يفهم الشاك ما قاله أمير المؤمنين  غير أنه قال الروح غير جبرئيل) ( ).
أما بالنسبة إلى سؤال هل كان يستخدم عيسى  كلمة الأب أو أبي ؟؟؟
نعم، إن نبي الله عيسى  كان يستعمل هذه الكلمة الأب أو أبي أو أبوكم، وهذه الكلمة في التوراة أيضاً موجودة، بل إن عيسى  ولد من غير أب؛ ليعرف الناس أن الأب الحقيقي والأصل الحقيقي لهم هو الله سبحانه وتعالى، وليعرفوا أن المطلوب منهم أن يتحلوا بصفات خالقهم وأبوهم، (فالخلق عيال الله) سبحانه وتعالى ليصبحوا صورة له سبحانه وتعالى "خلق الله آدم على صورته") انتهى كلام السيد .
ومعنى خلق آدم على صورته: أن الله تعالى أن تكون له صورة ويحد بحد، لذلك يجب أن تؤخذ هذه العبارة على المعنى الباطني لها، وصورة الله وتجلي الله في الخلق هو محمد ، وأن أمر الله إلى الخلق يتنزل منه سبحانه إلى محمد ثم إلى الخلق من أمور خلقية وتدبير تلك الأمور الخلقية، وورد في معنى الملائكة والروح المتنزله في ليلة القدر.
وسئل أبو عبد الله عن ما يفرق في ليلة القدر، هل هو ما يقدر سبحانه وتعالى فيها ؟ قال: (لا توصف قدرة الله تعالى سبحانه؛ لأنه يحدث ما يشاء. وأما قوله: ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يعني فاطمة، وقوله تعالى: ﴿َنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ والملائكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آل محمد، والروح روح القدس وهي فاطمة، ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ﴾ يقول: كل أمر سلمه حتى مطلع الفجر يعني حتى يقوم القائم ) ( ).
وهذا يمثل أعلى مقام للروح ومصداق لها، وهي الزهراء صلوات الله عليها بعد مقام رسول الله ، ومقام علي  بمقامها فهو كفؤ لها سلام الله عليهم أجمعين.
لكي تتضح الصورة أكثر فهماً يجب أن نبين شيئاً عن عالم الذر أو عالم الأنفس، والحقيقة أن له الأثر الأكبر في تحديد شخصية الإنسان وصفاته في هذا العالم الجسماني؛ لأن الإنسان أحياناً يكون في هذا العالم قبل ولادته، أو أنه ممكن أن يعود بعد موته، وهذه الأمور موجودة وصائرة من خلال الشواهد والآيات التي حدثت مع الأنبياء والمرسلين، ولا يمكن إنكارها لكن السبب الذي جعل الناس تستعظم هذا الأمر هو غفلتهم عن ذلك العالم، أي عالم الأنفس وأثره في وجودهم في العالم الجسماني.
قال السيد أحمد الحسن :
(عالم الذر عالم حقيقي وليس وهمياً ولا افتراضياً، وإنما نسيه الغافلون والمتغافلون ولم ينسه الأنبياء والمرسلون والأوصياء ، بل هم يتذكرونه ويعرفونه ويعرفون أولياءهم فيه ويميزونهم في هذه الحياة الدنيا، فعلي بن أبي طالب سيد الأوصياء يقول ما معناه: (إني لا أعرفك)، لمن قال له: إني من شيعتك.
فسبحان الله، الشيخ المفيد رحمه الله وأعلى الله مقامه الشريف يقول: (لو كان لما نسيناه). فها أنتم تغفلون عن المرآة إذا نظرتم إلى صورتكم فيها، سبحان الله إذا كنتم تغفلون عما بين أيديكم وأمام أبصاركم فلا ترونه فغفلتكم عن عالم الذر أولى وأحجى، ثم إن أهل البيت بالغوا في الحديث عن هذا العالم فلا أرى إنكاره إلا عن جهل داخل منكريه ويا ليتهم اعرضوا عن الحديث فيه لما اشتبه عليهم علمه، ويا ليتهم التفتوا إلى قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾( )، فإنها في عالم الذر نزلت وإياه عنت.
وحقيقة عالم الذر: أنه عالم الأنفس، وهو في هذه السماء الدنيا وتنزل منه إلى الأرض نطف بني آدم، فإذا نمت النطفة بعد أن أخذت طريقها إلى وعائها وتهيأت الصورة الجسمانية لولوج النفس إليها ولجت النفس في تلك الصورة الجسمانية وتعلقت بالنطفة التي نزلت منها، فإذا مات الإنسان خرجت منه تلك النطفة مرة أخرى من فمه أو من أي مكان آخر مع خروج نفسه من جسمه وبقيت هذه النطفة متعلقة بالنفس الإنسانية، فالنفس متعلقة بالنطفة والنطفة متعلقة بالنفس وهما من عالم واحد وهو عالم الذر أو عالم الأنفس، فإذا نزلت النطفة إلى الأرض تبعتها النفس، وإذا فارقت النفس الجسم تبعتها النطفة). انتهى كلام السيد  ( ).
إذن وصول النطف المعنوية من عالم الذر بعدما تنفصل من النفس تحتاج إلى واسطة لكي تصل إلى مستقرها (رحم إلام) في هذا العالم الجسماني وهو الزوج في الحالات الطبيعية، لكن نبي الله عيسى  كانت الواسطة هي الروح المرسلة وهو معنى النفخ المشار إليه في القرآن الكريم.
ووضح السيد أحمد الحسن  في حديثه عند إجابته على سؤال لأحد الإخوة، حيث قال:
(النفخ: هو إيصال النطفة النفسية المتعلقة بالنفس إلى رحم مريم، وهي غير النطفة المادية ولا يحتاج إيصالها إلى الزواج، بل هي نطفة لطيفة منها تتشكل صورة الإنسان، ويمكن أن تدخل من أي مكان من الفم الأنف البطن، فهي ليست مادية ليعارض ولوجها المادة.
عيسى  ولد من أم ومن غير أب، أي إنه  يختلف عن آدم  الذي خلق من غير أب وأم، فعيسى  خلقه الله في هذا العالم الجسماني من خلية كاملة أوجدها الله في رحم مريم وبالصورة الطبيعية، أي إنها بويضة وجاءت من المبيض ولكنها امتازت بأنها كاملة ولا تحتاج التلقيح، فقط تحتاج الاتصال بنطفة نفسية وقد بينتها في أكثر من موضع، والروح جاء بهذه النطفة النفسية وأوصلها إلى الاتصال بالخلية الكاملة التي خلق منها عيسى .
فالحالة الطبيعية إن النطفة المادية الجسمانية متصلة بالنطفة النفسية والنفس تلحق النطفة النفسية وتتصل بها عند الشهر الرابع من الحمل تقريباً. أما في حالة عيسى  فلم تكن هناك نطفة جسمانية ولذا جاء الروح بالنطفة النفسية ليوصلها بالبويضة المتكاملة (التي لا تحتاج التلقيح) ليتسنى بعد ذلك للنفس المتعلقة بهذه النطفة النفسية الاتصال بها وبالتالي الاتصال بهذا الجسم المخلوق الجديد. ومدة الحمل تسعة أشهر ولكن الله جعله حملاً خفيفاً فلم يكن ظاهراً بوضوح ليميزه الناس إلا في الساعات الأخيرة، ولذا خرجت من محرابها ومكان عبادتها وخلوتها بالله سبحانه ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾( )) انتهى كلام السيد  ( ).
إن المعرفة للحجة لا تكون إلا بالروح.
الشيخ صادق المحمدي / كتاب ( المسيح سر الله )
* * *