تذكر الروايات شخصية مهمة من شخصيات عصر الظهور تسميها اليماني، وأحياناً القحطاني، ويظهر من قراءة الروايات أن ثمة أكثر من شخصية واحدة تُطلق عليها هذه التسمية، وبعضها قد تكون منحرفة، والمرجح بقوة إن الرواة قد خلطوا بين هذه الشخصيات فجاءت رواياتهم عنها على شيء كبير من التداخل وعدم التمييز. ويتجلى هذا التداخل في الروايات السنية بصورة أكبر مما هو موجود في الروايات الشيعية.
روي نعيم بن حماد قال: ( حدثنا بقية وعبد القدوس عن صفوان عن شريح بن عبيد عن كعب قال ما المهدي إلا من قريش وما الخلافة إلا فيهم غير أن له أصلاً ونسباً في اليمن )[21].
فالمهدي بحسب هذه الرواية له أصل ونسب في اليمن، والمقصود من هذا إن أصله الذي ينتهي إلى رسول الله (ص)، وأهل بيته (ع) يعود به إلى مكة ومكة من تهامة وتهامة من اليمن.
قال النووي في شرح مسلم ... وفى رواية جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة، الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية وفى رواية أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الفقه يمان والحكمة يمانية ... فإنه يقال أن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن والثاني أن المراد مكة والمدينة فإنه يروى في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وهو بتبوك ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة فقال الإيمان يمان ونسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذ من ناحية اليمن كما قالوا الركن اليماني وهو بمكة لكونه إلى ناحية اليمن والثالث ما ذهب إليه كثير من الناس وهو أحسنها عند أبي عبيد أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانون في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره )[22].
روى ابن حماد قال : ( حدثنا الوليد بن مسلم عن جراح عن أرطاة قال أمير الغصب ليس من ذي ولا ذو ولكنهم يسمعون صوتا ما قاله إنس ولا جان بايعوا فلانا باسمه ليس من ذي ولا ذو ولكنه خليفة يماني )[23].
قال ابن منظور في لسان العرب: ( وفي صفة المهدي : قرشي يمان ليس من ذي ولا ذو أي ليس نسبه نسب أذواء اليمن ، وهم ملوك حمير ، منهم ذو يزن وذو رعين ، وقوله : قرشي يمان أي قرشي النسب يماني المنشأ )[24].
والصوت الذي ما قاله إنس ولا جان هو الصوت من السماء، فعن الزهري قال:
( يخرج المهدي [ من مكة ] بعد الخسف, في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا, عدة أهـل بدر, فيلتقي هو وصاحب جيش السفياني, وأصحاب المهدي يومئذ جنتهم البراذع, يعني تراسهم, [ كان يسمى قبل ذلك يوم البراذع ], ويقال إنه يسمع يومئذ صوت من السماء مناديا ينادي: ألا إن أولياء الله أصحاب فلان,- يعني المهدي - فتكون الدبرة على أصحاب السفياني, [ فيقتتلون ] لا يبقى منهم إلا الشريد, فيهربون إلى السفياني فيخبرونه, ويخرج المهدي إلى الشام, فيتلقى السفياني المهدي ببيعته, ويتسارع الناس إليه من كل و جه, و تملأ الأرض عدلا [ كما ملئت جورا ] )[25].
والصوت الذي ينادي في السماء وليس هو صوت الإنس ولا الجان لابد أن يكون صوت الملائكة، بل هو صوت جبرائيل (ع) كما ورد في الروايات الشيعية، وهذا الصوت ينادي باسم المهدي، وهذا المهدي تصفه الرواية السابقة عن نعيم بن حماد بالخليفة اليماني.

ومن الواضح من الرواية أعلاه أن هذا المهدي ليس هو المهدي الذي لا يهريق دماً وإنما هو المهدي الذي تجري على يديه الملاحم.
بل مر بنا فيما تقدم أن النداء أو الصيحة السماوية تسمي المهدي باسمه وهو أحمد، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال : ( إذا كان رأس الخمسين والثلاثمائة - وذكر كلمة - نادى مناد من السماء: ألا يا أيها الناس إن الله قد قطع مدة الجبارين والمنافقين وأتباعهم ، وولاكم الجابر خير أمة محمد ، إلحقوه بمكة فإنه المهدي ، واسمه أحمد بن عبد الله )[26].ولعل اليماني أو مهدي آخر الزمان هو المقصود من الروايات التالية:
روى نعيم في الفتن قال: حدثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سيكون من أهل بيتي رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ثم من بعده القحطاني والذي بعثني بالحق ما هو دونه )[27].
وروى نعيم أيضاً: (( حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لا تذهب الأيام والليالي حتى يسوق الناس رجل من قحطان . حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ثور بن زيد الدئلي عن أبي الغيث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ) ... حدثنا الوليد عن معاوية بن يحيى عن أرطاة بن المنذر عن حكيم بن عمير عن تبيع عن كعب قال على يدي ذلك اليماني تكون ملحمة عكا الصغرى وذلك إذا ملك الخامس من أهل هرقل . حدثنا الوليد عن يزيد بن سعيد عن يزيد بن أبي عطاء عن كعب قال فيظهر اليماني ويقتل قريش ببيت المقدس وعلى يديه تكون الملاحم ))[28].
وورد عن عبدالله بن عمرو العاص قال: ( يا معشر اليمن تقولون إن المنصور منكم ، والذي نفسي بيده إنه لقرشي أبوه، ولو أشاء أن أسميه إلى أقصى جد هو له لفعلت )[29].
يريد من منصور اليماني.
وما ورد من أن اليماني يلي بعد المهدي (ع)، وهو ما يبدو متناقضاً مع كونه يمهد لأبيه، فهو غير متناقض في الحقيقة، فاليماني أو المهدي ( أحمد ) ابن الإمام المهدي محمد بن الحسن (ع) يمهد لأبيه وينهض بعبء الملاحم، ثم يسلم الحكم إلى أبيه الذي تأتيه الخلافة عفواً دون أن يهريق فيها دماً بحسب تعبير الروايات، ثم إنه يحكم بعد أبيه.
وثمة روايات كثيرة من طريق الشيعة والسنة تنص على أن أبناء المهدي يلون الحكم من بعده، منها ما جاء في عيون الأخبار لابن قتيبة[30]: (( حدثني محمد بن عبيد قال: حدثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان إذا سمعهم يقولون: يكون في هذه الأمة إثنا عشر خليفة، قال: ما أحمقكم. إن بعد الاثني عشر ثلاثة منا: السفاح، والمنصور، والمهدي، يسلمها إلى الدجال " قال أبو أسامة " تأويل هذا عندنا أن ولد المهدي يكونون بعده إلى خروج الدجال )).
وقال ابن حجر: ( ... فقال أبو الحسين بن المنادي في الجزء الذي جمعه في المهدي يحتمل في معنى حديث يكون اثنا عشر خليفة ، أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان فقد وجدت في كتاب دانيال إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الأكبر ثم خمسة من ولد السبط الأصغر ، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر ، ثم يملك بعده ولده فيتم بذلك اثنا عشر ملكاً كل واحد منهم إمام مهدي... وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: المهدي اسمه محمد بن عبد الله وهو رجل ربعة مشرب بحمرة يفرج الله به عن هذه الأمة كل كرب ويصرف بعدله كل جور ، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلاً ستة من ولد الحسن وخمسة من ولد الحسين وآخر من غيرهم ، ثم يموت فيفسد الزمان)[31].
وعلى الرغم من عدم صحة توجيه ابن المنادي لمعنى حديث الإثني عشر خليفة الوارد عن رسول الله (ص) باعتبار أنه (ص) قال إنهم يكونون من بعده لا من بعد المهدي، إلا أن في الخبر نص واضح على وجود إثنا عشر يلون الحكم بعد المهدي، وإذا كان ما ورد هنا يتعارض مع ما ورد عن ابن قتيبة من كونهم من أبناء المهدي، فإن بالإمكان رفع التعارض بالقول إنهم من أبناء المهدي وهو من ذرية الحسين، وإن ما ذُكر عن بعضهم من إنه من ذرية الحسن لعل المراد منه أنهم ينتسبون له من جهة الأم والله أعلم وأحكم.

أقول روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال: ( لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه )[32].وشرح ذلك ابن حجر في كلام طويل قال فيه: (حتى يخرج رجل من قحطان: لم أقف على اسمه ولكن جوز القرطبي أن يكون جهجاه الذي وقع ذكره في مسلم من طريق أخرى عن أبي هريرة... قوله: يسوق الناس بعصاه ، هو كناية عن الملك شبهه بالراعي وشبه الناس بالغنم... روى نعيم بن حماد في الفتن من طريق أرطاة بن المنذر أحد التابعين من أهل الشام أن القحطاني يخرج بعد المهدي ويسير على سيرة المهدي. وأخرج أيضاً من طريق عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده مرفوعاً يكون بعد المهدي القحطاني والذي بعثني بالحق ما هو دونه.... فإن ثبت ذلك فهو في زمن عيسى بن مريم... واستشكل ذلك كيف يكون في زمن عيسى يسوق الناس بعصاه والأمر إنما هو لعيسى؟! ويجاب بجواز أن يقيمه عيسى نائباً عنه في أمور مهمة)[33].
أقول ما جوزه القرطبي بشأن الاسم ظن من عند نفسه ليست له قيمة علمية، وما ورد بخصوص عيسى (ع) إشكال متهافت، فعيسى (ع) ينزل وزيراً لا أميراً.
---------------------------