وردت هذه العبارة في دعاء السمات الوارد عن الأئمة ( .... وأسألك اللهم ....، وبمجدك الذي ظهر على طور سيناء، فكلّمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران (ع)، وبطلعتك في ساعير، وظهورك في فاران )
وطلعة الله في ساعير بعيسى (ع)، وظهور الله في فاران بمحمد (ص)
ولابد من الالتفات إلى أنّ عبارات الدعاء مرتّبة تصاعديّاً، فمن نبي (كلّمه الله) وهو موسى (ع)، إلى نبي مثّل (طلعة الله) وهو عيسى(ع)، إلى نبي مثّل (ظهور الله ) وهو محمد (ص)
والفرق بين الطلعة والظهور؛ هو أنّ الطلعة هي الإطلالة والظهور الجزئي ، أي إنّ الطلعة هي تجلّي بمرتبة أدنى من الظهور ، فكلاهما أي عيسى (ع) ومحمد (ص)مثَّلا الله سبحانه في الخلق ، ولكن عيسى (ع) بمرتبة أدنى من محمد (ص). وبَعث عيسى (ع) كان ضرورياً للتمهيد لظهور، وبَعث محمد الذي مثَّل الله في الخلق، فكان محمد (ص)خليفة الله حقّاً.
وإذا رجعنا إلى أصل وبداية الخلق وجدنا الله سبحانه وتعالى يخاطب الملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾
فإنّه وإن كان آدم خليفة الله وباقي الأنبياء والأوصياء كذلك، ولكن الهدف الذي يُراد الوصول إليه هو خليفة الله حقّاً، أي الشخص الذي يكون خليفة كامل لله سبحانه وتعالى، فيعكس اللاهوت في مرآة وجوده بشكل أكمل وأتم من كل الأنبياء والأوصياء
فالمراد الوصول إليه هو شخص يخفق بين (الأنا والإنسانية)، وبين (اللاهوت والذات الإلهية)
سأل أبو بصير أبا عبد الله (ع)، فقال: (جعلت فداك كم عرج برسول الله ؟
فقال (ع): مرتين، فأوقفه جبرائيل موقفاً فقال له: مكانك يا محمد فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي، إنّ ربك يصلي ، فقال : يا جبرائيل وكيف يصلي ؟
قال: يقول: سُبوح قدوس أنا رب الملائكة و الروح، سبقت رحمتي غضبي.
فقال : اللهم عفوك عفوك.
قال: وكان كما قال الله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾
فقال له أبو بصير: جعلت فداك ما قاب قوسين أو أدنى ؟
قال (ع): ما بين سيتها إلى رأسها ، فقال (ع): كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق، ولا أعلمه إلاّ وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة.
فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد.
قال: لبيك ربي.
قال: من لأمتك من بعدك ؟
قال: الله أعلم.
قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين.
ثم قال أبو عبد الله لأبي بصير: يا أبا محمد والله ما جاءت ولاية علي (ع) من الأرض، ولكن جاءت من السماء مشافهة.
فمحمد في الآن الذي يفنى في الذات الإلهية لا يبقى إلاّ الله الواحد القهّار، ولا يبق إلاّ نور لا ظلمة معه، وهو الله سبحانه وتعالى، فيكون هذا العبد قد كشف عنه الغطاء حتى عرف الله حق معرفته. فهو فقط الذي يمكن أن يُعرّف الخلق بالله بشكل كامل وتام، وكذلك هو فقط خليفة الله الكامل، أي الذي تجلّى فيه اللاهوت، أو الذات الإلهية بأكمل ما هو ممكن للإنسان.
ولتبيين هذا أكثر أضرب هذا المثل:
إذا كان إنسان لديه مصنع وفيه آلات وعمّال ، فإذا كان هو بنفسه يدير هذا المعمل تكون نسبة الإنتاج في المصنع هي مائة بالمائة (100 %)، ثم بَدا لهذا الإنسان أن يجعل شخصاً يخلفه في إدارة هذا المصنع، فوجد إنساناً آخر يستطيع إدارة هذا المصنع، ولكنّه إذا لم يُشرف هو بنفسه على هذا الشخص تكون نسبة الإنتاج ثمانيين بالمائة (80 %)، فلابد له من الإشراف عليه لتبقَ نسبة الإنتاج تامّة (مائة بالمائة). ثم إنّه وجد إنساناً آخر أكثر كفاءة من السابق، ولكنّه أيضاً يحتاج إلى الإشراف عليه ، وإلاّ ستكون النسبة (90 %)، فجعله خليفته في هذا المصنع، وأشرف عليه وعلى عمله لتبقى النسبة مائة بالمائة (100 %)،
ثم أخيراً وجد إنساناً مثله وكأنّه صورة له يستطيع إدارة المصنع وبدون الإشراف عليه وتكون نسبة الإنتاج مائة بالمائة (100 %)، فجعله خليفته على المصنع، وأطلق يده يفعل ما يشاء فيه؛ لأنّه لا يشاء إلاّ مشيئة صاحب المصنع، فالآن الإشراف على هذا الخليفة الكامل من صاحب المصنع سيكون عبثاً.
فالذي يسمع بالنار يعرفها بقدر ما سمع عنها، وكذا من رآها يعرفها على قدر رؤيته لها. أمّا من احترق منه شيئاً بالنار فهو يعرفها يقيناً، لكن بقدر ما احترق منه بها، أمّا من احترق كلّه بالنار حتى أصبح هو النار فإنّه يعرفها بشكل كامل وتام، حتى إنّك لا تستطيع أن تميّزه من النار؛ لأنّه أصبح منها:
﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(
الامام احمد الحسن (ع) / كتاب النبوة الخاتمة (ص 23)