سؤال/ 42: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ([1]). ما معنى إلقاء الشيطان في أمنيّة النبي؟
الجواب: ما من رسول ولا نبي - وعن أهل البيت و(لا محدث)([2])، وهم محدثون([3]) - وتمنّى - أي رجا حصول أمر من أمور الخير التي علم من الله حصولها ولو إجمالاً في بعض الأحيان، أي إنّ أمنيته متأتية من أمر الله سبحانه، لا أنها من هوى النفس ورغباتها كما يتوهم بعض الناس - ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي بعد أن يبدأ الرسول (سواء كان رسولاً أم نبياً أم محدثاً) بإظهار رجائه للناس الذين تابعوه في دعوته، يقوم الشيطان بإلقاء الباطل في صدور بعض هؤلاء الناس حول أمنية الرسول التي أظهرها لهم أو أظهر بعضها.
﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ بإرسال ملائكة يلقون في صدور بعض هؤلاء الناس الحق الذي يبين باطل ما ألقى الشيطان في صدور بعضهم.
﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يحكم الله آياته بإلقاء الطمأنينة والسكينة والوقار واليقين في قلوب الذين آمنوا، بعد أن ألقى في قلوبهم العلم منه سبحانه بأنّ الحق ليس ما ألقاه الشيطان في قلوب بعضهم، بل هو ما يدعو إليه الرسول. وإلقاء الشيطان يكون بالوسوسة في القلب، أو بالإراءة الخبيثة في اليقظة أو في النوم، وهو يلقي لأوليائه الذين هيمنت عليهم أنفسهم وحب (الأنا) والظهور والقيادة والرئاسة الباطلة واتباع الهوى. ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ([4]).
أما نسخ الله لما يلقي الشيطان فيكون بإرسال ملائكة يوحون لأولياء الله الحق، ويكلمون المؤمنين في قلوبهم، ويعرفونهم الحق، ويرونهم في المنام واليقظة ما يعلمون به الصراط المستقيم، وإنّ اتباع الرسول هو الحق المبين من الله سبحانه وتعالى، وإنّ الذين اتبعوا إلقاء الشيطان وهو فتنة لهم لم يكونوا مؤمنين في السابق، بل كانوا منافقين في قلوبهم مرض وقلوبهم قاسية، وهم في ريبهم وشكهم يترددون.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ([5]).
ويظل المنافقون والكافرون بالرسالة في شك إلى آخر لحظة ﴿حتى تأتيهم الساعة بغتة﴾: أي حتى قيام القائم (ع)، ﴿أو يأتيهم عذاب يوم عقيم﴾: أي لا مثيل له لم تلد مثله سنة من السنين السابقة وهو يوم قيام القائم (ع). وفي هذا اليوم الملك لله؛ لأن الملك الحاكم في هذا اليوم هو الإمام المهدي (ع).
---------------------------------
[1]- الحج : 52 – 53.
[2]- كما قرأها أهل البيت ، عن الحكم بن عتيبة قال: (دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام يوماً فقال: يا حكم هل تدري الآية التي كان علي بن أبي طالب (ع) يعرف قاتله بها ويعرف بها الأمور العظام التي كان يحدث بها الناس؟ قال الحكم: فقلت في نفسي قد وقعت على علم من علم علي بن الحسين ، أعلم بذلك تلك الأمور العظام ، قال : فقلت : لا والله لا أعلم، قال: ثم قلت: الآية تخبرني بها يا ابن رسول الله؟ قال: هو والله قول الله عز ذكره: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي (ولا محدث)" وكان علي بن أبي طالب (ع) محدثا. فقال له رجل يقال له عبد الله بن زيد كان أخا علي لامه: سبحان الله محدثاً ؟! كأنه ينكر ذلك ، فأقبل علينا أبو جعفر (ع) فقال: أما والله إن ابن أمك بعد قد كان يعرف ذلك، قال: فلما قال ذلك سكت الرجل، فقال: هي التي هلك فيها أبو الخطاب فلم يدر ما تأويل المحدث والنبي) الكافي : ج1 ص270 ح2.
[3]- انظر: الكافي: ج1 ص270 ح2، باب أن الأئمة محدثون مفهمون.
[4]- الشعراء : 221 – 223.
[5]- الحج : 53 – 56.