في التوراة والإنجيل (أبي أبوكم الابن الآب أبناء الله).
(....... هكذا قال رب الجنود هم يبنون وأنا أهدم ويدعونهم تخوم الشر والشعب الذي غضب عليه الرب إلى الأبد . 5 فترى أعينكم وتقولون ليتعظم الرب من عند تخم إسرائيل 6 الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده . فإن كنت أنا أبا فأين كرامتي وإن كنت سيدا فأين هيبتي قال لكم رب الجنود أيها الكهنة المحتقرون اسمي) ([1]).
(21 وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح وقال أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال. نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرة أمامك. 22 والتفت إلى تلاميذه وقال كل شيء قد دفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له. 23 والتفت إلى تلاميذه على انفراد وقال طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه. 24 لأني أقول لكم إن أنبياء كثيرين وملوكا أرادوا أن ينظروا ما أنتم تنظرون ولم ينظروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا) ([2]).
(1 قدموا للرب يا أبناء الله قدموا للرب مجدا وعزا. 2 قدموا للرب مجد اسمه. اسجدوا للرب في زينة مقدسة) ([3]).
(ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل. فلما جلس تقدم إليه تلاميذه. 2 ففتح فاه وعلمهم قائلاً. 3 طوبى للمساكين بالروح. لأن لهم ملكوت السموات. 4 طوبى للحزانى. لأنهم يتعزون. 5 طوبى للودعاء. لأنهم يرثون الأرض. 6 طوبى للجياع والعطاش إلى البر. لأنهم يشبعون. 7 طوبى للرحماء. لأنهم يرحمون. 8 طوبى للأنقياء القلب. لأنهم يعاينون الله. 9 طوبى لصانعي السلام. لأنهم أبناء الله يدعون. 10 طوبى للمطرودين من أجل البر. لأن لهم ملكوت السموات. 11 طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. 12 افرحوا وتهللوا. لأن أجركم عظيم في السموات. فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم) ([4]).
هذه الكلمات التي جاءت في التوراة أو الإنجيل واشتبهت في موارد على جاهلها وتأولها العلماء غير العاملين - ليدعوا بنوة إنسان لله سبحانه أو ليدعوا الألوهية المطلقة لإنسان - لا تعني بأي شكل من الأشكال ألوهية إنسان ألوهية مطلقة، بل هي بمجموعها تنفي البنوة الحقيقية لأي إنسان ([5])، وإذا التفت إليها الإنسان بقلب مفتوح طالباً معرفة الحقيقة كما أرادها الله سبحانه وتعالى الذي خلقه، لرأى أن عيسى (ع) يحمد الله ويثني عليه قبل أن ينطق بهذه الكلمات، ولو نظر الإنسان بعين الإنصاف لعرف أن هذه الكلمات منطبقة على كل الأنبياء والمرسلين والأوصياء الذين كانوا حجج الله على خلقه وخلفاءه في أرضه، فكل حجة من حجج الله هو أعرف أهل زمانه بالله فيصدق عليه أنه من يعرف الله دون من سواه من أهل زمانه، وأيضا يصدق أنه لا يعرف خليفة الله وحجة الله حق معرفته إلا الله الذي خلقه (وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له).
وهذا تجده في قول رسول الله محمد ص لوصيه علي بن أبي طالب (ع): (يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا) ([6]).
وأيضاً لعرف الإنسان الحقيقة وهي أن الخلق كلهم عيال الله سبحانه وتعالى فهو يرحمهم كما يرحم الأب أبناءه، بل هو أرحم بالخلق من الأم بولدها الوحيد وأكيد إن المخلصين من الأنبياء والأوصياء والأولياء أحب الخلق إلى الله سبحانه، فهم أولى بأن يكون الله سبحانه وتعالى أباهم بهذا المعنى، ولأنهم أطاعوه ولم يعصوه سبحانه كما يطيع ويبر الابن الصالح أباه فيصح أنهم أبناء الله بهذا المعنى، وهم ليسوا لاهوتاً مطلقاً بل عباد مكرمون؛ لأنهم شاكرون ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾([7]).
﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾([8]).
وقد بين القرآن أنهم ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، أي أنهم الله في الخلق، أي تجلي الله وصورة الله كما في الحديث عنهم : (أن الله خلق آدم على صورته) ([9])، (26 وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا) ([10])، وليسوا الله سبحانه وتعالى وبالتالي فإن النظر إليهم هو نظر إلى الله ومعاينتهم هي معاينة الله، وفي الإنجيل: (طوبى للأنقـياء القلب. لأنهم يعاينون الله. 9 طوبى لصانعي السـلام. لأنهم أبناء الله يدعون).
وفي القرآن تجد نفس الكلام ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ([11])، عن أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا (ع)، قال: (قال النبي : من زارني في حياتي أو بعد موتى فقد زار الله تعالى ودرجه النبي في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره في درجته في الجنة من منـزله فقد زار الله تبارك وتعالى. قال: فقلت له: يا بن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه: إن ثواب لا اله إلا الله النظر إلى وجه الله تعالى ؟ فقال (ع): يا أبا الصلت من وصف الله تعالى بوجه كالوجوه فقد كفر ولكن وجه الله تعالى أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم، هم الذين بهم يتوجه إلى الله عز وجل وإلى دينه ومعرفته، وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * َيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقال عز وجل:﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾)([12]).
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾([13]).
﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أي أن محمداً أقرب شيء إلى الله سبحانه، وأول مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى، وأول من عبد الله سبحانه وتعالى فلو كان لله سبحانه وتعالى ولد (تعالى الله عن ذلك) لكان محمداً ؛ لأنهم يقولون إن أول ما صدر منه سبحانه وتعالى الولد أو الكلمة، فمحمد الذي يقول أنا أقرب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى لم يقل أنا ابن انفصل عن الله سبحانه وتعالى، لم يقل أنا لاهوت مطلق، بل قال أنا عبد الله وابن عبد الله ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾([14]).
فمن يبحث عن الحقيقة لابد له من تحري الدقة والإخلاص في البحث ليصل إلى الحقيقة وينجي نفسه من سخط الله سبحانه وتعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾([15]).
---------------------------------------
[1]- التوراة ملاخي الاصحاح الاول – العهد القديم والجديد: ج1 – مجمع الكنائس الشرقية.
[2]- أنجيل لوقا الاصحاح العاشر – العهد القديم والجديد: ج2 – مجمع الكنائس الشرقية.
[3]- التوراة مزامير – المزمور التاسع والعشرون – العهد القديم والجديد: ج1 مجمع الكنائس الشرقية.
[4]- إنجيل متي الاصحاح الخامس – العهد القديم والجديد : ج1 – مجمع الكنائس الشرقية.
[5]- لأن بعضها تسمي جماعة بأنهم أبناء الله فهل يكونون أبناء حقيقيين لله وآلهة على مبنى من اعتبر أن ذكر عيسى في الإنجيل بأنه ابن الله يدل على ألوهيته وبنوته الحقيقية لله ؟ تعالى الله.
[6]- مختصر بصائر الدرجات : ص125.
[7]- الانبياء : 26.
[8]- الزمر : 4.
[9]- الكافي : ج1 ص134 ، التوحيد للصدوق : ص103.
[10]- التوراة سفر التكوين الاصحاح الاول.
[11]- القيامة : 22 – 23.
[12]- عيون أخبار الرضا (ع) : ج2 ص106.
[13]- الزخرف : 81.
[14]- الانبياء : 26.
[15]- مريم : 88 – 92.