بسملة التوحيد:
البسملة باب الكتاب، فلها ظاهر وباطن، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ([1])، وهذا السور أو الباب هو سور التوحيد فمن دخل من البسملة إلى الكتاب شمله باطن البسملة وهو الرحمة (الرحمن الرحيم)، ومن بقي في الخارج حيث الظلام واجهه ظاهر البسملة وهو النقمة (الواحد القهار).
فالبسملة سور باطنه (بسم الله الرحمن الرحيم) وظاهره (بسم الله الواحد القهار). وذُكر بسم الله الرحمن الرحيم في أوائل السَور ولم يذكر بسم الله الواحد القهار في أول سورة التوبة - التي هي خطاب موجه الى من اختاروا معاداة ومحاربة الرسول - ذلك أن من بين شيئاً فقد بين ضده؛ ولأنه سبحانه يواجه خلقه بالرحمة إلا من إختار الظلم والفساد والجور؛ فإنه سبحانه يواجهه بالقهر والنقمة، فالرحمة هي الأصل بالمواجهة والمواجهة بالقهر استثناء.
وبسملة كل سورة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسورة من جهة، ومرتبطة ببسملة سورة الفاتحة من جهة أخرى ([2]).
وبما أن كل بسملة تحكي جهة من جهات بسملة الفاتحة، فهذه البسملة في هذه السورة تحكي التوحيد. فالبحث في بسملة هذه السورة يدور حول التوحيد، وهنا ثلاثة أسماء: الله الرحمن الرحيم.
الله إسم الذات أو الكمالات الإلهية، والرحمن الرحيم باب الذات، وتترشح من هذا الباب أبواب هي بعدد أسمائه سبحانه وتعالى، وإنما جعل الرحمن الباب الذي تترشح منه أسماء الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يتعامل بالرحمة ولئلا تشتد المثلات بالخلق الذاكر لنفسه والغافل عن ربه.
فالتوحيد بالمرتبة الأولى: معرفة انطواء جميع هذه الأسماء في الذات الإلهية، أي أن الله رحمن رحيم والرحمة ذاته، وقادر والقدرة ذاته.
ومعرفة أن جميع هذه الأسماء مترشحة من باب الرحمة باطنه الرحيم وظاهره الرحمن.
ومعرفة إن جميع هذه الأسماء غير منفكة عن الذات بل هي الذات عينها.
ومعرفة أن جميع هذه الأسماء والصفات هي لجهة حاجة الخلق إليها، فوجودها من جهة افتقار الخلق لا من جهة متعلقة به سبحانه وتعالى، بل إنه سبحانه وتعـالى تجلى بالذات للخلق ليعرف - كان سبحانه كنـزاً فخلق الخلق ليعرف - ومعرفته سبحانه وتعالى بمعرفة الذات أو الله، وتمام معرفته تكون بمعرفة العجز عن معرفته سبحانه وتعالى عما يشركون، أي العجز عن معرفته في مرتبة الكنه أو الحقيقة ([3])، ومعرفة الذات أو الله إنما تحصل من الباب أو الرحمن الرحيم، ولتحصيل هذه المعرفة افتتحت جميع العوالم بهذه الأسماء الثلاثة: الله الرحمن الرحيم، فنجد كتاب الله سبحانه وتعالى بنسختيه المقروءة (القرآن) والكونية (الخلق) قد افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم، فالقرآن افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم، والخلق - الكون - افتتح بخلق محمد وعلي وفاطمة.
وهم تجلي الله الرحمن الرحيم، (وقد بينت في المقدمة أن منازل القمر هم آل محمد الأئمة والمهديون، وهم أبواب المعرفة)، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([4]) ، وهذا يبين لك بوضوح علة ورود الحروف المقطعة -كما يسمونها- في الكتاب المقروء - القرآن - بعد البسملة مباشرة وفي أوائل السور، فعلة تقدمها في الكتاب المقروء - القرآن - هو لعلة تقدمها في الكتاب الكوني.
والبسملة تشير إلى الوحدة، فالرحمن الرحيم متحدان في المعنى العام، وهما باب الذات الإلهية أو الله، الرحمن ظاهره والرحيم باطنه، والباب في الذات ومنه يترشح ما في الذات.
فالباب هو الذات ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّـاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَـاءُ الْحُسْنَى﴾([5])، فالبسملة تشير إلى أحدية الذات الإلهية (الله) بحسب باطن سور الكتاب، أي بسم الله الرحمن الرحيم، أما بحسب ظاهر سور الكتاب أي بسم الله الواحد القهار، فهي أيضاً تشير إلى الوحدة، فالواحد القهار باب الذات مترشح من الرحمن الرحيم ([6])، فالواحد هو باطن الباب، والقهار هو ظاهر الباب ونتيجتهما واحدة، فهما متحدان في الواقع الخارجي - كما إنّ الرحمن الرحيم متحدان بالمعنى - لامتناع تعددهما او تفرقهما في الخارج؛ لأن الواحد الحقيقي يكون قاهراً لكل ماسواه ، وأيضاً القهار الحقيقي لكل ما سواه واحد حقيقي، قال أمير المؤمنين علي (ع): (فَيا مَنْ تَوَحَّدَ بِالْعِزِّ وَالْبَقـاءِ، وَقَهَرَ عِبادَهُ بِالْمَوْتِ وَالْفَنـاءِ) دعاء الصباح للأمير (ع) ([7])، وأيضاً هذا الباب منطوي في الذات أو الله انطواء فناء.
ولعل الفائدة تتم ببيان أن محمداً أرسل ببسم الله الرحمن الرحيم، وإرسال القائم (ع) ببسم الله الواحد القهار، فمحمد ووصيه علي (ع) سارا بالجفر الأبيض، والقائم (ع) ووصيه يسيران بالجفر الأحمر، أي القتل وعدم قبول التوبة في بعض الموارد، كما ورد في الحديث عن رفيد مولى أبي هبيرة، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): جعلت فداك يابن رسول الله يسير القائم بسيرة علي بن أبي طالب في أهل السواد ؟ فقال: (لا يا رفيد، إن علي بن أبي طالب سار في أهل السواد بما في الجفر الأبيض، وإن القائم يسير في العرب بما في الجفر الأحمر. قال: فقلت له: جعلت فداك، وما الجفر الأحمر ؟ قال: فأمرَّ إصبعه إلى حلقه، فقال: هكذا، يعنى الذبح. ثم قال: يا رفيد إن لكل أهل بيت مجيباً شاهداً عليهم شافعاً لأمثالهم) ([8]).
أما الذات أو الله فهي تشير إلى الوحدة بعد ملاحظة فناء جميع الأسماء فيها، وهذا الفناء إشارة إلى الخلق، لترك ملاحظة أي كمال أو اسم من أسماء الذات والتوجه إلى التوحـيد الحقيقي، وهو التوجه إلى الحقيقة والكنه والتخلي عن أي معرفة، والإعتراف بالعجز المطلق عن أي معرفة سوى إثبات الثابت الذي تشير له الهاء في (هو)، ومعرفة العجز عن معرفته التي تشير له الواو في (هو)، وهذا التوجه هو توجه إلى الاسم الأعظم الأعظم الأعظم، وهذه هي العبادة الحقيقية وهذا هو التوحيد الحقيقي وما دونه شرك في مرتبة ما.
فالذين يعبدون الذات أو (الله) نسبة إلى هذه المرتبة مشركون من حيث لا يشعرون فضلاً عمن سواهم، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ([9])، فيجب أن تكون الذات أو الله قبلة للكنه والحقيقة فهي المقصود بالعبادة دون من سواها.
وللتوضيح أكثر أقول: البسملة ثلاثة أسماء هي: الله، الرحمن، الرحيم. فإذا قلنا أن البسملة هي باب التوحيد فهذه الأسماء هي الباب وبها يعرف التوحيد، فنحتاج على الاقل إلى تمييز إجمالي لحدود هذه الأسماء ومعانيها.
الله: وهو إسم للذات الإلهية الجامعة للصفات الكمالية، وفي الحقيقة هو صفة جامعة للصفات فمعنى الله أي الذي يؤله إليه في الحوائج، أي الذي يقصد لسد النقص من كل جهة.
الرحمن: وهو اسم للذات الإلهية وصفة من صفات الكمال، وهو منطوٍ وفانٍ في الله، والرحمن في الدنيا والآخرة ولكنه أولى بأمور الدنيا لجهة سعة الرحمة فيه.
الرحيم: وهو اسم للذات الإلهية وصفة من صفات الكمال، وهو أيضاً فانٍ في الذات الإلهية أي الله، والرحيم في الدنيا والآخرة ولكنه أولى بأمور الآخرة، لجهة شدة الرحمة فيه كما بينته في تفسير الفاتحة، فراجع.
وهذان الاسمان أو الصفتان الرحمن الرحيم: هما في الحقيقة إسم واحد وصفة واحدة، فلا افتراق حقيقي بينهما ولا تمايز حقيقي، بل هما وجهان لحقيقة واحدة هي الرحمة، فهما باب الذات: الرحمن ظاهر الباب، والرحيم باطن الباب.
هنا توحد هذان الاسمان ولم يبقَ لنا إلا توحد الرحمة مع الله أو الذات الإلهية، وهذا لا يحتاج فيه صاحب فطرة سليمة إلى العناء والبحث والتدقيق لمعرفته فالله سبحانه وتعالى، إذا كان هو الذي يؤله إليه في الحوائج، وهؤلاء الذين يتألهون إليه أو يقصدونه عصاة مقصرون، خيّرهم وأفضلهم ناظر إلى نفسه ولو من طرف خفي، فبماذا يعطيهم أ بالعدل وهو وضع الشيء في موضعه ؟ وهل من وضع الشيء في موضعه أن تعطي السلاح من يقاتلك به وهو ظالم ؟! وكيف ببقية الخلق إذا كان محمد خير خلق الله سبحانه وتعالى إحتاج في مواجهة الله سبحانه وتعالى الرحمة، فقدم له سبحانه وتعالى بقوله: (سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح سبقت رحمتي غضبي) فقال الرسول : (اللهم عفوك عفوك).
فقد سأل أبو بصير أبا عبد الله (ع)، فقال: (جعلت فداك كم عرج برسول الله ؟ فقال (ع): مرتين، فأوقفه جبرئيل موقفاً فقال له: مكانك يا محمد، فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قط ولا نبي، إن ربك يصلي، فقال: يا جبرئيل وكيف يصلي ؟ قال: يقول: سبوح قدوس أنا رب الملائكة و الروح ، سبقت رحمتي غضبي ، فقال: اللهم عفوك عفوك، قال: وكان كما قال الله " قاب قوسين أو أدنى "، فقال له أبو بصير: جعلت فداك ما قاب قوسين أو أدنى ؟ قال: ما بين سيتها إلى رأسها، فقال: كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق، ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من لأمتك من بعدك ؟ قال: الله أعلم قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، قال: ثم قال أبو عبد الله لأبي بصير: يا أبا محمد والله ما جاءت ولاية علي (ع) من الأرض ولكن جاءت من السماء مشافهة) ([10]).
ومما طلب العفو صلوات الله عليه، أمن تقصير ؟ أم أن كلامه صلوات الله عليه لغو لا طائل من ورائه ؟ حاشاه وهو النبي الكريم الحكيم خير ولد آدم صلوات الله عليه، ولما قدم الله سبحانه وتعالى الرحمة وبين أنها سبقت غضبه، ولما واجه نبيه الكريم بهذا الكلام الذي يستشعر منه أنه موجه إلى مستحق لمواجهة الغضب ولكن الله يريد أن يواجهه بالرحمة، ثم إنه سبحانه وتعالى فتح له الفتح المبين، وغفر له ذنبه الذي استحق به الغضب وهو الأنا، والذي بدونه لا يبقى إلا الله الواحد القهار، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ([11]).
فشائبة الظلمة والعدم بدونها لا يبقى للإنسان إنسانيته، ولا يبقى ألا الله الواحد القهار، ومحمد بعد الفتح أخذ يخفق بين فناء فلا يبقى إلا الله الواحد القهار، وبين عوده إلى الأنا والشخصية فهو صلوات الله عليه حجاب بين الخلق والحق ، وهو البرزخ بين الله وخلقه، فإذا كان صاحب هذه المرتبة العظيمة محتاجاً أن يواجه بالرحمة فما بالك بمن سواه، فبالنسبة للخلق الله الذي يتألهون إليه هو الرحمن الرحيم بل لابد أن يكون كذلك وإلا فسيعودون خائبين خاسرين بسبب تقصيرهم. إذن، فالله والرحمن بالنسبة لنا واحد بل هو كذلك في الحقيقة، فالباب أو الرحمن هو مدينة الكمالات الإلهية أو الله فمنه يعرف ما فيها، ويتجلى ويظهر منه الفيض الإلهي إلى الخلق، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾([12])، فإذا تبين وحدة هذه الأسماء في الذات الإلهية أو الله وفناؤها فيها عرفنا أن الوحدة الأحدية متحققة في الذات الإلهية أو الله سبحانه وتعالى، وهذه هي المرتبة الأولى المقصودة في التوحيد، وهي كما قدمت وحدة جميع الأسماء والصفات في الذات الإلهية أو الله وحدة حقيقية أي أن الله واحد أحد وجميع الأسماء والصفات عين ذاته وليست أعراضاً تتصف بها الذات، ولا جواهر تتركب منها فهو الله الرحمن القادر ........ كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾([13]).
والحقيقة أن هذه المرتبة من التوحيد لا تخلو من الشرك في مرتبة ما لجهتين:
الجهة الأولى: هي أننا لا يمكن أن نرفع كثرة الأسماء الملازمة للذات الإلهية عن أوهامنا، وإن كانت كثرة إعتبارية، فالله هو: الرحمن الرحيم القادر القاهر الجبار المتكبر العليم الحكيم ... وهذه الكثرة وإن كانت لا تخل بوحدة الذات الإلهية أو الله ولكنها كثرة، وتحمل معنى الكثرة فهي مخلة بالتوحيد في مرتبة أعلى من هذه، قال أمير المؤمنين (ع): (..... أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف) ([14]).
والجهة الثانية: هي جهة الألوهية، فكوننا نتأله في حوائجنا إلى الذات الإلهية فإن علاقتنا معه سبحانه وتعالى غير خالية - والحال هذه - من الطمع والحاجة لسد النقص من جهة معينة، إذن فالعبادة غير خالصة بل هي طلب للكمال وسد النقص في أحسن صورها على هذا الحال، وهذه المرتبة شرك، فالإخلاص الحقيقي هو قطع النظر عمن سواه سبحانه وتعالى حتى عن الأنا والشخصية، وهذا هو الأولى والأحجى بل هو أصل المطلوب، إذن فالتوحيد الحقيقي يتحقق بعد معرفة فناء جميع الأسماء والصفات في الذات الإلهية، ثم فناء الذات الإلهية في الحقيقة أي فناء الألوهية في حقيقته سبحانه، ولايتحقق هذا الامر الا بفناء الأنا وشخصية الانسان فلا يبقى إلا الشاهد الغائب سبحانه وتعالى عما يشركون ([15])، وإذا كان هناك لفظ دال عليه فيكون (هو) ضمير الغائب، والهاء لإثبات الثابت والواو لغيبة الغائب ([16])، وهذا التوجه - المتحصل من هذه المعرفة - هو التوجه الصحيح لأنه توجه إلى الحقيقة والكنه، وهذا هو التوحيد الحقيقي، توحيد الحقيقة والكنه أو الإسم الأعظم الأعظم الأعظم، أو الإسم المكنون المخزون والذي ينبع من داخل الإنسان بعد فناء الأنا وبقاء الله، وهذه هي المرتبة الأخيرة المقصودة في التوحيد واليها تشير بسملة التوحيد وسورة التوحيد أيضاً كما سيتضح.
ولأن بسملة سورة التوحيد هي مفتاح التوحيد الحقيقي وهي باب وحجاب الكنه والحقيقة، ولأن التوحيد غاية ابن آدم، فقد جرى الاهتمام العظيم بقراءة سورة التوحيد في الصلاة الواجبة والمستحبة وقبل النوم وبعد الاستيقاظ من النوم وبعد الصلاة الواجبة وفي صلاة الوصية وفي صلاة الناشئة ....... وصلاة سيد الموحدين بعد رسول الله علي (ع) تقرأ التوحيد فيها 200 مرة، فلا يمر يوم على المؤمن دون قراءة التوحيد وكأنها قرينة الفاتحة، ونعم القرين.
واعلم أن الغرض من هذه الغاية العظيمة (التوحيد) هو معرفة الله سبحانه وتعالى، وهذا الغرض خلق الله الإنسان لأجله فمن ضيع هذا الغرض فقد ضيع كل شيء ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾([17])، أي ليعرفون، وهذا الغرض وهذه المعرفة لابد لها من التوحيد لتتحقق، والتوحيد الحقيقي لايتحقق بتحصيل الألفاظ والمعاني، بل يتحقق بالعمل والإخلاص لله سبحانه حتى يصبح العبد وجه الله سبحانه في أرضه أو الله في الخلق.
لهذا قلت فيما تقدم: (التوحيد الحقيقي توحيد الحقيقة والكنه، أو الاسم الأعظم الأعظم الأعظم، أو الاسم المكنون المخزون والذي ينبع من داخل الانسان بعد فناء الأنا وبقاء الله).
------------------------------------
[1]- الحديد : 13.
[2]- في المتشابهـات : ( س/ هل تختلف بسملـة الفـاتحـة عن بسملة بقية سور القران ؟ وهل البسملة جزء من السـورة ؟!
ج/ بسملة الفاتحة هي الأصل، والبسملة في جميع السور في القرآن هي صورة لجزء من بسملة الفاتحة. فالقرآن كله في الفاتحة، والفاتحة في بسملة الفاتحة . فكل بسملة في القرآن هي في بسملة الفاتحة. والبسملة آية من آيات سورة الفاتحة، أما في بقية السور فالبسملة جزء من السورة، ولكنها ليست آية من آيات السورة. والأسماء الثلاثة: (الله الرحمن الرحيم) في اللاهوت أو الذات الإلهية هي أركان (الاسم الأعظم الأعظم الأعظم) (هو). والأسماء الثلاثة هي مدينة الكمالات الإلهية الله، بابها الظاهر والباطن: (الرحمن الرحيم). وهذه الأسماء الثلاثة في الخلق هي: (محمد وعلي وفاطمة)، أو مدينة العلم (محمد)، وبابها الظاهر والباطن (علي وفاطمة). وهذه الأسماء الثلاثة هي: أركان الاسم الأعظم الأعظم (الله الرحمن الرحيم) (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) وهذه الأسماء الثلاثة أي (محمد وعلي وفاطمة) هي الاسم الأعظم. فمحمد من الله، فهو كتاب الله، بل هو الله في الخلق. وعلي وفاطمة من رحمة الله، فهم الرحمن الرحيم: (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً). وبسملة الفاتحة حقيقة، والبسملة في جميع السور صورة غير كاملة لهذه البسملة، بل تعكس جهة من جهاتها. وكأن بسملة الفاتحة تقع في مركز تحيطه مجموعة من المرايا، كل واحدة منها تعكس صورة من جهة معينة تختلف عن الأخرى، وفي نفس الوقت تشترك جميع السور بأنها لحقيقة واحدة كما إنها تشترك مع الحقيقة، لأنها تعكسها من جهة معينة. فلو مثلت لعقلك القرآن لوجدت بسملة الفاتحة نقطة تدور حولها جميع السور القرآنية، بل والتوراة والإنجيل، وجميع ما جاء به الأنبياء والمرسلون . فبسملة الفاتحة هي الرسالة والولاية والبداية والنهاية).
[3]- سيأتي التفصيل إن شاء الله.
[4]- البقرة : 189.
[5]- الاسراء : 110.
[6]- لا تناقض بين القهر والرحمة، فالقهر عندما يكون لتحقيق العدل يكون من الرحمة حتماً وليس شيئاً آخر، ولا أظن أن هناك مؤمناً يشك أن قهره لغيره سبحانه يكون لتحقيق العدل أو لحكمة بالغة، فقهره للظالمين هو إنصاف للمظلومين وتحقيق للعدل، وهو في النتيجة يرجع إلى الرحمة وموت الانسان الذي ينسب إلى قهره سبحانه وتعالى لولاه لبقي المؤمن بعد معرفته لحقيقة هذه الدنيا وانكشافها له يتألم في هذه الدنيا، أو لبقي المؤمن الكبير في السن أو المتضرر جسدياً ضرراً كبيراً يتعرض لأذى وألم مستمر في هذه الدنيا بسبب عجزه الجسماني. إذن، فالموت من الرحمة، بل من يفهم ويتدبر كلامي يعلم أن الموت الجسماني المادي بالنسبة للمؤمن في حقيقته هو الحياة والارتقاء وبالتالي يكون الموت بالنسبة للمؤمن رحمة في كل حال وعلى كل حال.
[7]- المصدر : مفاتيح الجنان.
[8]- بصائر الدرجات – للصفار : ص81.
[9]- يوسف : 106.
[10]- الكافي : ج1 ص442.
[11]- الفتح : 1 – 2.
[12]- الإسراء : 110.
[13]- الحشر : 22 – 24.
[14]- نهج البلاغة : ج1 ص39.
[15]- وعلى هذا فطر الله الإنسان، فالإنسان هو صورة اللاهوت، فلا يضيع عبد حظه ويقول إن هذا مقام قد حجب عني، بل الحق والحق أقول لكم: هو باب مفتوح للجميع ولا يغلق حتى تقوم الساعة، والخاسر من ضيع حظه.
[16]- ضمير الغائب يشير إلى الغيبة، وبالنسبة للغائب الذي يشار له بضمير الغائب فهو ليس بمجهول مطلق، ولذا فضمير الغائب بغض النظر عن التفصيل المذكور يشير إلى غيبة الغائب وإثبات الوجود.
[17]- الذاريات : 56.