سؤال/ 3:
أ- من المعلوم أنّ إبليس طرد من الجنة بسبب عدم سجوده لآدم (ع)، فكيف استطاع أن يدخل إلى الجنة حتى يوسوس لآدم ويجعله يأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها، حيث إنّ كلام إبليس مع آدم يدلّ على أنه كان معه في الجنة من إشارته إلى الشجرة بـ (هذا)، ضمير المخاطبة الذي يدل على مباشرة المتكلم للمخاطب الحاضر؟!
ب- ما هي الشجرة التي أكل منها آدم (ع)؟!
ج- هل أن آدم وحواء كانت سوأتهما ظاهـرة من غير لباس، وعندما أكلا من الشجرة بدت لهما سوأتهما، فأخذوا يتسترون بورق الجنة؟! وما هو ذلك الورق الذي تستروا به؟!
-----
للإجابة على هذه الأسئلة نحتاج مقدمة، وهي: إن آدم (ع) خلق من طين، أي من هذه الأرض، ولكنه لم يبقَ على هذه الأرض فقط، وإنما رفع إلى أقصى السماء الدنيا، أي السماء الأولى، أو قل إلى باب السماء الثانية، وهي الجنة الملكوتية أو على تعبير الروايات عنهم : (وضع في باب الجنة - أي الجنة الملكوتية - تطأه الملائكة) ([1]).
وهذا الرفع لطينة آدم يلزم إشراق طينته (ع) بنور ربها ولطافتها، وبالتالي لما بثّ الله فيه الروح أول مرة كان جسمه لطيفاً، متنعماً بالجنة المادية الجسمانية، ولم يكن في هذه الجنة من الظلمة ما يستوجب خروج فضلات من جسم آدم (ع).
وأما روح آدم (ع) فقد كانت تتنعّم بالجنة الملكوتية ([2])، أو الجنان الملكوتية؛ لأنها كثيرة ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ([3])، والجنة الجسمانية والجنة الملكوتية هما اللتان ذُكرتا في سورة الرحمان ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ... ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ([4])، وهما أيضاً ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ... مُدْهَامَّتَانِ﴾ ([5]).
والرفع هو رفع تجلٍ (ظهور) وليس رفع تجافٍ (أي مكاني) ([6]) ، وبالتالي فإن آدم ليس بمعدوم في الأرض الجسمانية التي نعيش فيها بل موجود فيها، ولو كان معدوماً فيها لكان ميتاً.
وبالتالي كان آدم (ع) يعيش في هذه الحياة الدنيا بجسم لطيف في البداية، ولكنه عاد كثيفاً إلى الأرض التي رفع منها لما عصى ربه سبحانه.
جواب (ب): الشجرة التي أكل منها آدم (ع) هي: الحنطة والتفاح والتمر والتين و ... ، وهي شجرة علم آل محمد ([7]).
فهذه الفواكـه في العوالم العلوية ترمز إلى العلم، وهذه الشجرة المباركة المذكورة في القـرآن كانت تحمل العلم الخاص بمحمد وآل محمد .
جواب (ج): قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾ ([8])، اللباس الذي نزع عن آدم وحواء
هو لباس التقوى، ففي العوالم العلوية التي كانا يعيشان فيها تستر العورة بالتقوى؛ لأنها تصبح لباساً يستر جسم الإنسان في تلك العوالم، فلما عصى آدم (ع) وحواء بالأكل من الشجرة المباركة - شجرة علم آل محمد التي تصبح نقمة على من أكلها بدون إذن الله سبحانه وتعالى - فقدا لباس التقوى، فبدت لهما عوراتهما.
أما ورق الجنة الذي تستروا به فهو الدين؛ حيث الورق الأخضر في العوالم العلوية يرمـز إلى الدين وهذا الورق الذي تستر به آدم (ع) وتسترت به حواء هو الاستغفار وطلب المغفرة من الله بحق أصحاب الكساء الذين قرأ آدم (ع) أسماءهم مكتوبة على ساق العرش ([9]).
جواب (أ): الجنة التي طرد منها إبليس (لعنه الله) هي الجنة الملكوتية، وأيضاً الجنة الملكية (الدنيوية)، ولكن آدم (ع) موجود في كل العوالم الملكية (الدنيوية)، وبالتالي فإنّ وسوسة إبليس لعنه الله كانت لآدم الموجود في العوالم الدنيوية التي هي دون الجنة الملكية (الدنيوية) ([10]).
أما إشارته للشجرة وكأنها حاضرة عنده (لعنه الله)، فلأن ثمار الأشجار على هذه الأرض إنما هي ظهور وتجلي لعلم آل محمد ، فالتفاحة والحنطة والتين .. إنما هي بركات علم آل محمد (بهم ترزقون)، كما ورد في الدعاء في الرواية عنهم ([11]).
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- قصص الأنبياء للسيد نعمة الله الجزائري : ص55.
1- ولا تستغرب من ذلك، فعلي بن أبي طالب (ع) كان مجاوراً للناس ولهذا العالم الجسماني ببدنه وروحه في ملكوت السماوات، كما يتبين ذلك من كلامه قبل استشهاده (ع) : (... وإنما كنت جاراً جاوركم بدني أياماً، وستعقبون مني جثة خلاء ، ساكنة بعد حراك، وصامتة بعد نطق ...) نهج البلاغة : ج2 ص34.
[3]- البقرة : 25، وآيات أخرى في سور غيرها كثيرة .
[4]- الرحمن : 46، 48.
[5]- الرحمن : 62، 64.
5- التجافي : هو انتقال الشيء عن مكانه بعد وجوده فيه، وأما التجلي: فهو الظهور مع بقاء الحقيقة المنعكسة والمحكية على حالها، وسيأتي مزيد من التوضيح لذلك.
6- عن تفسير الإمام الحسن العسكري (ع): (... " ولا تقربا هذه الشجرة " شجرة العلم فإنها لمحمد وآله خاصة دون غيرهم، لا يتناول منها بأمر الله إلا هم، ومنها ما كان يتناوله النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين بعد إطعامهم المسكين واليتيم والأسير حتى لم يحسوا بعد بجوع ولا عطش ولا تعب ولا نصب، وهي شجرة تميزت من بين أشجار الجنة، إن سائر أشجار الجنة كان كل نوع منها يحمل نوعاً من الثمار والمأكول، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البر والعنب والتين والعناب وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة ...) بحار الأنوار : ج11 ص189.
7- الأعراف : 26.
[9]- عن المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (ع): (.. فلما أسكن الله عز وجل آدم وزوجته الجنة، قال لهما: وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يعني شجرة الحنطة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فنظرا إلى منزلة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة بعدهم فوجداها أشرف منازل الجنة. فقالا: يا ربنا، لمن هذه المنزلة؟ فقال الله جل جلاله: ارفعا رؤوسكما إلى ساق العرش، فرفعا رؤوسهما فوجدا أسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة (صلوات الله عليهم) مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الله الجبار جل جلاله ..... فلما أراد الله عز وجل أن يتوب عليهما جاءهما جبرئيل (ع)، فقال لهما: إنكما ظلمتما أنفسكما بتمني منزلة من فضل عليكما، فجزاؤكما ما قد عوقبتما به من الهبوط من جوار الله عز وجل إلى أرضه، فسلا ربكما بحق الأسماء التي رأيتماها على ساق العرش حتى يتوب عليكما. فقالا: اللهم إنا نسألك بحق الأكرمين عليك: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين، والأئمة إلا تبت علينا ورحمتنا، فتاب الله عليهما إنه هو التواب الرحيم ...) معاني الأخبار - الشيخ الصدوق : ص108 ح1.
[10]- وهنا فرق السيد أحمد الحسن (ع) بين العوالم الدنيوية والجنة أو الجنان الملكية تفرقة واضحة، فإبليس المحجوب عن (باب الجنة) وسوس لآدم (ع) في العوالم الدنيوية، لا في ملكوت الدنيا أو قل في السماء الأولى.
[11]- فقرة من دعاء للإمام الباقر (ع) رواه الكليني في الكافي : ج2 ص244. وعن أبي عبد الله (ع): (إن الله خلقنا فأحسن صورنا وجعلنا عينه في عباده ولسانه الناطق في خلقه ويده المبسوطة على عباده، بالرأفة والرحمة ووجهه الذي يؤتى منه وبابه الذي يدل عليه وخزانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار، وجرت الأنهار وبنا ينزل غيث السماء وينبت عشب الأرض وبعبادتنا عبد الله ولولا نحن ما عبد الله) الكافي : ج1 ص144.
-------------------