سؤال جوابه في غاية الأهمية حيث إنّه يرفع الكثير من التخبط والضياع الذي حصل ولا زال يحصل في الإسلام في تشخيص المراد بأولي الأمر، ويرفع عنّا الكثير من العناء والاجتهادات المختلفة بحسب الأذواق.
وفي ما تقدّم كفاية في تشخيص المراد بأولي الأمر إلا أنه على الرغم من ذلك نجد في أهم كتب الحديث السنية وهو البخاري
هذا النص. روى البخاري: حدثنا ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً. فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. وأوصى عند موته بثلاث: اخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة) (صحيح البخاري: ج4 ص31. ).
قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري: (القائل ونسيت الثالثة هو ابن عيينة بينه الإسماعيلي في روايته هنا وقد بينه البخاري بعد في الجزية، وفي مسند الحميدي أنه سليمان شيخ ابن عيينة)( مقدمة فتح الباري: ص289.).
فالنسيان ليس من ابن عباس أو سعيد بن الجبير بل من ابن عيينة أو سليمان شيخ ابن عيينة، وبهذا يكون النسيان ليس من الراوي المباشر بل من راوٍ واقع بعده.
الذي يجده الباحث المنصف أنّ الثالثة إنما نسيت لمصلحة في نسيانها تصب في صالح خلافة السقيفة، وكما نسيت في هذه الرواية قد مُنع النبي من كتابتها أمام الملأ من الحزب العمري الذي حال دون ذلك، فأخذ ينادي عمر: (حسبنا كتاب الله) !!
فسبب النسيان للثالثة إنما هو السياسة التي تقتضي النسيان والتضييع، كما اقتضت السياسة المنع من التحدّث بالسنة وحرقها لكونها تبين خلفاء النبي المنصوص عليهم بألفاظ مختلفة وفي مواضع متعددة.
والثالثة التي نُسيت بسبب مصالح معروفة ومعلومة تتعلق بمسألة الخلافة عموماً، إلا أنه من المؤكد أنها ليست الوصية التي أوصاها النبي ليلة وفاته، إذ سوف يأتينا بأنّ النبي أوصى ليلة وفاته، وهي ليلة الاثنين وكانت للخاصة فقط وليست لعامة الناس بعد أن حال دون ذلك عمر وحزبه كما هو معروف في رزية الخميس.
وهكذا نجد كل ما يرتبط بخلفاء النبي تكاد يد التحريف والتزوير كتمانه لكي تضيع الحقيقة على الأمة ويتقمص أمرها الذنابى، فلاحظ الروايات التي تبين أنّ الخلفاء بعد النبي إثني عشر كيف يقول الراوي فيها، قال : (لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم إثنا عشر خليفة، كلهم تجتمع عليه الأمة. فسمعت كلاماً من النبي صلى الله عليه وسلم لم أفهمه، قلت لأبي:ما يقول ؟ قال:كلهم من قريش) (بحار الأنوار: ج36 ص365، سنن أبي داود: ج2 ص309. ). فلاحظ كيف يقول الراوي: فسمعت كلاماً من النبي لم أفهمه ؟! فهو قد فهم كل ما قاله ابتداءً ولكن لما وصل النبي لبيان الخلفاء وأنهم من قريش خفيت عليه هذه الكلمة ؟!
عموماً؛ فالثالثة المنسية أمر مصيري بالنسبة للأمة الإسلامية فيه صلاحها وضلالها، وليس من السهل أن يتركها النبي لمصلحة فلان وفلان من حثالات الخلق، وكيف يتركها وهو قد وصفها بأنها كتاب عاصم من الضلال ؟
والعجيب أننا نجد الأذواق والاحتمالات قد لعبت دورها في بيان المراد من الثالثة التي نسيها بل تناساها الراوي، فلكل قول واجتهاد ولا يعلم القارئ ما الدليل عليه.
قال العيني في عمدة القاري: قوله: (ونسيت الثالثة)، قال ابن التين: ورد في رواية أنها القرآن، وقال المهلب: هي تجهيز جيش أسامة بن زيد، وقال ابن بطال: كان المسلمون اختلفوا في ذلك على الصديق فأعلمهم أنه صلى الله عليه وسلم عهد بذلك عند موته، وقال عياض: يحتمل أنها قوله: لا تتخذوا قبري وثناً، فقد ذكر مالك معناه مع إجلاء اليهود ( عمدة القاري: ج14 ص 299.).
وهناك إشارة في الروايات ينبغي الوقوف عندها، فقد وردت روايات عن النبي تشير إلى كون ولي الأمر بعد الرسول هو علي بن أبي طالب .
روى أحمد في مسنده: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا خلف، ثنا قيس، عن الأشعث بن سوار، عن عدى بن ثابت، عن أبي ظبيان، عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا علي، إن أنت وليت الأمر بعدي فأخرج أهل نجران من جزيرة العرب)( مسند أحمد: ج1 ص 87.). ففي هذا الحديث إشارة واضحة لكون علي بن أبي طالب ع هو ولي الأمر بعد النبي ، هذا مضافاً إلى الكثير من الأدلة التي تقدّم ذكرها.
وبعد هذا لنرجع إلى محل البحث وهو: أين هي الوصية التي كتبها النبي لولاة الأمر من بعده، وعند من أودعها النبي ، ومتى كتبها ؟
لا نجد في التراث السني ما يصلح جواباً لهذا السؤال، نعم الجواب منحصر بنص واحد روي من طرق الشيعة يبين لنا ذلك، فيبين لنا من هم أولي الأمر، ويبين زمن الوصية، ويبين عند من أودعها النبي ، وهو ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة ( غيبة الشيخ الطوسي: ص150، ).
قال الشيخ الطوسي: أخبرنا جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري، عن علي بن سنان الموصلي العدل، عن علي بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن الخليل، عن جعفر بن أحمد المصري، عن عمه الحسن بن علي، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين  قال: (قال رسول الله في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي : يا أبا الحسن، أحضر صحيفة ودواة، فأملا رسول الله وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: يا علي، إنه سيكون بعدي إثنا عشر إماماً ومن بعدهم إثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أول الإثني عشر إماماً، سماك الله تعالى في سمائه: علياً المرتضى، وأمير المؤمنين، والصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، والمأمون، والمهدي، فلا تصح هذه الأسماء لأحد غيرك.
يا علي، أنت وصيي على أهل بيتي حيهم وميتهم، وعلى نسائي فمن ثبتها لقيتني غداً، ومن طلقتها فأنا برئ منها، لم ترني ولم أرها في عرصة القيامة، وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن البر الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الثقة التقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد . فذلك إثنا عشر إماماً، ثم يكون من بعده إثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المقربين له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي واسم أبي وهو: عبد الله، وأحمد، والاسم الثالث: المهدي، هو أول المؤمنين).
فهذا هو النص الوحيد الذي يمثل وصية النبي ليلة وفاته، وبين فيه أولي الأمر من بعده، وأودعها عند وصيه وخليفته علي بن أبي طالب ، وهو النص الذي احتج به المهدي الأول الإمام أحمد الحسن  الذي بشّرت به الأديان الإلهية .
فهذه الوصية اليتيمة التي تبين أولي الأمر الذين صرّح بأسمائهم النبي ، ولقد بُحث كل ما يتعلق بها في إصدارات أنصار الإمام المهدي ع فاغتنم فراجع تلك الإصدارات المباركة.
وفي الختام أقول: الحمد لله الذي خلق النور، وأنزل النور على الطور، في كتاب مسطور، بقدر مقدور على نبي محبور، الحمد لله الذي هو بالعزّ مذكور، وبالفخر مشهور، وعلى السراء والضراء مشكور، وصلى الله على خير خلقه من الأولين والآخرين محمد وآله الطاهرين الأئمة والمهديين الميامين المباركين وسلم تسليماً دائماً كثيراً.

عبد العالي المنصوري
15/ شعبان/ 1432 هـ . ق
في يوم ولادة إمام العصر والزمان أرواحنا فداه