بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما كثيرا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


لاشك في أن لغة الخطاب في النهج الديمقراطي عموما وخاصة في التجربة العراقية التي لا تزال تعيش مخاضاً عسيراً بين ولادة كسيحة وهجينة لفكر لا تشكل نسبة النجاح في البيئة التي زرع فيها سوى ما يقرب من الصفر بالمائة وليس صفرا، بل هي أصغر نسبة عرفتها النسبية، أو إعادة إنتاج لديكتاتورية تختبئ خلف شعارات الديمقراطية، فالفكر الديمقراطي هو وليد الطلاق البائن بين الدين بوصفه واقعا عقائديا حاكما للخلق، وبين الإرادة البشرية التي تتوهم القدرة على صنع منظومة تشريعية قادرة على انتاج مناهج للحكم والقيادة من شأنها أن تحقق القرار والاستقرار في عالم اللا استقرار!!

ولعل التجربة العراقية المراهقة في النهج الديمقراطي تجهل كثيرا العمق التاريخي له، وما الأسباب التي دعت إليه، ويكفي أن تنتبه هذه التجربة إلى أن الديمقراطيين هم أمام خيارين لا ثالث لهما ؛ اولهما : الانسلاخ التام من منظومة الدين الإلهي، والانطلاق في فضاء الوهم وما ينتج عنه من أنظمة حكم جل ما تتمناه تحقيق الأهداف التي يعلن الدين قدرته على تحقيقها عند تسلمه قيادة المجتمعات، وهذه الأهداف التي يعد الدين بتحقيقها على ارض الواقع هي : الرحمة والعدل والصدق، أما مناهج الحكم البشري فنراها تمسكت بهدف العدالة ولكن على وفق تكييفها هي للعدالة!! وهنا المغالطة الواضحة، فالعدالة لا يمكن أبدا أن يحققها منهج هو لا يعرف من موضع تحقيقها غير كيانه المادي!!

فالفكر البشري لا يدرك من نفسه غير الوجود الأناني الذي هو فاقد للعدالة بذاته، فالبشرية همها أن تتحقق منافعها الذاتية بغض النظر إن كانت تلك المنافع ستبنى على تخريب أشياء أخرى تشاركها في الوجود، بل ربما ذهبت بعيدا في تخريب منافع لذوات بشرية أخرى تشاركها في الوجود، فالأنا البشري لا يؤمن مطلقا بالمشاركة التي هي واقع وجودي حاكم له، فترى دائما في حركة الفكر البشري هاجس الأنانية واضح على مستوى الخطاب والتنظير والعمل، ولاشك في أن هذا الهاجس المستعر هو الذي جعل البشرية على طول مسيرتها التاريخية تدفع أثمانا باهضة، بل وتخلق دمارا أجهض حضارات لم يصلنا منها غير آثار وأطلال تشير إلى وجودها ولا تحكي حقيقة عملها!

إن الدافع الأناني في الشخصية البشرية هو الموجه لحركتها عند حصول الطلاق البائن بين الذات البشرية ومنظومة الدين الإلهي الحق، وهنا ينبغي أن ننتبه ونحذر من أن عنوان الدين لا يمثله من يصطلح عليهم بـ(رجال الدين) من أصحاب المؤسسات الدينية التي اختطفت المشروع الإلهي من أصحابه لتدعي هي حمله فعاثت فيه فسادا، بل وشكلت الذريعة الأساسية التي بها اختارت البشرية هذا الطلاق البائن، ذاك أن هذه المؤسسات وخاصة في أزمان الفترات تنشط لتدعي أنها ممثلة المنهج الإلهي على الأرض فتفزع لتأكل الدنيا بالدين وتستعبد خلق الله بمبادئ الله سبحانه من دون سلطان أتاهم من الله، ويساعدهم على ذلك المزاج النفسي البشري الميال للخنوع وعبودية الآخر!!

فلا ريب في أن عزوف الناس عن الدين هو بسبب التخريب الذي مارسته تلك المؤسسات التي تدعي رعايتها لتعاليم الرب زورا وبهتانا، وهذا ما نلحظه اليوم واضحا في التجربة الديمقراطية العراقية، غير أن هذه التجربة تعاني مرارة الارتباط النفسي الوثيق للأفراد بالمنظومة الدينية، فكيف تعالج هذا المشكل في تسويق التجربة إلى مجتمع يشكل ارتباطه بالمنظومة الدينية ارتباطا لا سبيل لتفكيكه عنها، فانتهجت نهجا تعلم تماما أنه سيجعل من التجربة تعاني أشد المعاناة وذلك عندما قبلت أن تكون مدخلات التجربة ومن مكوناتها أحزابا دينية وأن كانت ظاهرا، ولكي تجد هذه الأحزاب الدينية لها حاضنة راعية تضمن لها المساندة في حركتها في الواقع راحت تنضوي تحت أجنحة المؤسسات الدينية!! لتجد التجربة الديمقراطية نفسها أمام مأزق حقيقي بين هويتها الحقيقية كونها طليقة الدين طلاقا بائنا وبين واقع يفرض عليها مغازلة الطليق بل والعمل على العيش في كنفه!!

لقد عانى صاحب التجربة الديمقراطية على ارض الرافدين ما لم يعانيه في ارض الأحلام ومهد الديمقراطية في العصر الحديث (أمريكا)، وسبب معاناته أن العينة التي اختارها لتطبيق النهج الديمقراطي عاجزة تماما عن العيش خارج جلباب أبي، ولم تفلح معها كل أنواع الإكسير الإعلامي والفكري والتربوي لجعل النفس تلك تنطق بـ(لن أعيش في جلباب أبي) بل وجد صانع الديمقراطية أن هذه التجربة عسيرة لأنها في واقع أدمن العيش في جلباب الآباء ولا يمكنه أن يخلعه لأنه بخلعه سيجد نفسه عاريا تماما وهذا ما لم ينتبه له المخطط الديمقراطي وهو يحث الخطى خلف وهم مناه بصناعة تجربة ستكون ناجحة بعد عملية محوٍ وبتر لكثير من القيم الدينية التي كانت تشكل هوية المجتمع العراقي.

نعم لم يفشل صانع التجربة تماما حيث أنه وجد في تحفيز (الأنا) البشري عاملا فاعلا في تلقفها لهذا المشروع الذي غايته بلوغ مرحلة وأد مشروع حاكمية الله في نفوس الناس ونصب راية الديمقراطية في تلك القلوب التي تاهت في هذا الزحام واللهاث الأناني للأنفس، وقد وجد صانع التجربة الديمقراطية في ذراعي الترغيب والترهيب خير وسيلة لقتل الهاجس الديني في النفوس، ولكن على الرغم من ذلك فما زالت معاناته قائمة، حتى أنه لجأ إلى تفعيل نظام الحماية لتجربته مضطرا فأعلن العمل بإكسيره السحري المدخر للأزمات وهذا الإكسير سماه بـ(الفوضى الخلاقة) فبعد أن أعيته الحيل في معالجة المأزق الذي تمر به تجربته ترك حبل التجربة على غاربها وراح يراقب من بعيد ذلك الوليد الذي بات يجهل ملامحه كيف سيكون، بعد أن راهن على أن تجربته ستنتج وليدا بمواصفات تعلن عن طلاق لأرض للسماء طلاقا بائنا لا رجعة فيه!!!

أكثر من عشر سنوات مضت وصانع التجربة يعاني، فلا العينات التي أعدها سلفا استطاعت أن تروض هذا الواقع العصي على التجربة، ولا أيتامه الذين رباهم قادرين على ترويض هذا الفرس الشموس وجعله يستجيب لتوجيهات الراكب الديمقراطي، فبعد عشر سنوات تخرج على الناس الدعايات الانتخابية مثيرة للشفقة والضحك الذي يقول بلسان فصيح أنه نتاج (شر البلية)، بعد عشر سنوات تحولت ديمقراطية العم سام إلى لعبة بيد الصبيان لا يدري إلى ماذا سيفضي هذا اللعب.


والحمد لله وحده وحده وحده


د. زكي الصبيحاوي