بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما كثيرا


السلام عليكم ورجمة الله وبركاته ... ومبارك عليكم يوم المبعث النبوي الشريف، ونسأل الله سبحانه بحق هذه الأيام المباركة أن يعجل دولة حاكمية الله ليتحقق في ربوع المعمورة؛ العدل والصدق والرحمة ... إنه سميع مجيب.


ابتلي الإسلام بوصفه منظومة عقدية إلهية بحفنة ممن أسعفته الظروف لتعلم الكتابة والقراءة والقدرة على إعمال الفكر فيما يقرأ ليتلاعب بأوراق الأفكار ويخلط ملفات الذاكرة لتغييب حقيقة شامخة مفادها أن الدين منظومة معرفية سماوية تكلف تبليغها للناس رجل ينصبه الله سبحانه، ويستند تنصيبه إلى الدليل القطعي الذي لا يستطيع منكره إلا مشاققة الله سبحانه بالقول والقرار، فيكون لسان حاله ومقاله ينطق : قال الله ... وأقول أنا، والقول ما أقوله لا ما يقوله الله ... نستجير به سبحانه من سوء الحال والمنقلب.


إن المحاولات التزيفية للخطاب الاسلامي والعمل على سحبه إلى منزلق الديمقراطية هي من صنع أحزاب وجماعات تدعي أنها تمثل الفكر الاسلامي، وواقع الحال يصرخ وليس ينطق حسب؛ أن كل الناس ما خلا من كلفه الله سبحانه بتمثيله وتمثيل دينه هم إما موالين متبعين، أو مناوئين مبتدعين، حيث ورد عن أمير المؤمنين(ص) أنه قال لكميل بن زياد(رض) : [يا كميل لا غزو إلا مع إمام عادل ، ولا نقل إلا من إمام فاضل ، يا كميل هي نبوة ورسالة وإمامة ، ليس بعد ذلك إلا موالين متبعين أو مناوئين مبتدعين ، إنما يتقبل الله من المتقين .]( جواهر الكلام - الشيخ الجواهري - ج 40 - ص 30 - 31).


هذا النص البين المحكم من أمير المؤمنين(ص) يبين بوضوح المنظومة الإسلامية في العمل، ووظيفة كل امرئ في هذه المنظومة؛ فالحاكم إما أن يكون نبيا أو رسولا أو إماما، وهؤلاء الاصناف الثلاثة هم خلفاء الله المنصبون منه على وفق المنظومة الإسلامية التي شرعها الله سبحانه منذ آدم(ع) وإلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وما دون هذه الاصناف الثلاثة هم ينقسمون إلى صنفين؛ إما موالون متبعون، أو مناوئون مبتدعون، والموالون المتبعون هم الذين يدينون الله سبحانه في دنياهم باتباعهم لخليفته المنصب من عنده سبحانه، وتمكين ذلك المنصب من سياسة العباد وقيادة البلاد لتحقيق الغاية التي من أجلها خلق الله سبحانه الخلق المكلفين بمعرفته وطاعته وطاعة خليفته.


الآن لننظر بعلمية وبتجرد: أين الديمقراطية من الإسلام على وفق بيان أمير المؤمنين علي(ص)؟؟!! قطعا بينهما بينونة واضحة تماما، ولا سبيل لأن تلتقي الديمقراطية بالإسلام ولا حتى في الاوهام أو الأحلام، ولعل سائل يسأل ويقول: لو كان الأمر كذلك، كيف إذن استطاع أولئك أن يعقدوا صلة بين الإسلام والديمقراطية؟؟!! وهنا تكمن المفارقة، وتتبين المغالطة الصارخة، ولكي تنطلي هذه المغالطة على عامة الناس ؛ ماذا فعل أولئك المناوئون المبتدعون؟! لجأوا إلى التفاصيل في المنظومة الإسلامية وقاربوها مع شبيهاتها في منظومة الديمقراطية، بل حاولوا في بعض المقاربات أن يتعسفوا على فهمهم في جر المفاهيم الإسلامية إلى مستنقع الديمقراطية، ولكن هل نجحوا، على الرغم من أنهم سخروا لتلك اللعبة كل طاقاتهم المادية والسلطوية القهرية؟؟ الجواب: ربما استطاعوا أن يخدعوا كل الناس بعض الوقت، وربما أيضا استطاعوا أن يخدعوا بعض الناس كل الوقت، ولكنه من المحال أن يخدعوا كل الناس كل الوقت، وهاهو أمام أنظار الجميع يتداعى هذا الصرح الموهوم الذي طبلت وزمرت له الاحزاب الدينية مدعومة من المؤسسات الدينية التي تعتاش على ظهور الناس متبرقعة بقناع القدسية الزائف!!


سقط القناع اليوم عن وجه الديمقراطية القبيح، وبقي وجه الإسلام ناصعا ابيضا كما أراد له الله سبحانه أن يكون، وهذا ليس رأيا أو انحيازا لاعتقاد ما، بل ارجعوا واقرؤوا في كل الكتب السماوية الموجودة اليوم؛ التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، كلها تدعو إلى نقيض ما تدعو له الديمقراطية، فالديانات كلها تنتظر المنقذ الموعود وهذا ثابت في نصوص في الكتب، والمؤمنون بتلك الكتب يعلمون هذا الأمر جيدا، ولعل المخلصين منهم يدعون إلى ذلك ويبشرون به، بينما المنظومة الديمقراطية تدعو إلى اختيار الناس للحاكم عبر صناديق الاقتراع، على الرغم من أن هذه العملية لا يقرها العقل السليم ـ إن كان سليما ـ فلعل أحد يقول: هل تتهم صناع الديمقراطية أنهم بلا عقول؟؟!! وهنا لو شئت الجواب لأجبت بقول الإمام الصادق(ص) عندما سئل: ما العقل؟
قال: ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان.قال السائل: فالذي كان عند معاوية؟
قال الإمام(ع): تلك النكراء وتلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بعقل. (ينظر المحاسن للبرقي: 1/195).


فالذي في رؤوس صناع الديمقراطية والدعاة إليها هو النكراء والشيطنة!! رب قائل يقول هذا تحامل واضح على العقول؟! يكون القائل صادقا بقوله لو كان الواقع يصدقه، فواقع الناس يكذب هذا القول، فهدف كل حكم يقام هو إرساء مبادئ العدل ـ وبزعمهم ـ المساواة، والرفاهية!! وليس هناك على ارض الواقع عدالة حقيقية، وعندما انتبهوا إلى تلك المصيبة ماذا فعلوا؟؟ لجأوا إلى نكرائهم وشيطنتهم ليخترعوا مصطلح (العدالة النسبية) بمعنى ما تراه أنت ليس عدلا قد يكون بنظر غيرك عدلا، فالعدالة أمر نسبي، ولقد سحبوا النسبية على كل القيم والمبادئ التي تعد من الثوابت التي لا نسبية فيها بذاتها، بل النسبية ـ إن كانت موجودة ـ فهي في التعاطي معها، فهذه النسبية التي يلبسون بها على الناس مبعثها هو التعاطي مع العدالة وليس العدالة ذاتها، وهذا أمر واقعي؛ قطعا يكون التعاطي نسبيا؛ فمن يقتص العدل منه تسخط نفسه ، ومن يؤخذ له الحق تطيب نفسه ، ولكن المدار هو عمل العدالة الحقيقية؛ هل هو نسبي؟ الجواب: لا قطعا، بل إقامة العدالة الحقيقية يشيع الامن والأمان في كل مساحة يقام عليها.


إذن صناع الديمقراطية ومن يتعاطى معها كشفوا عن حقيقة ما في رؤوسهم، فليعلموا أن الله سبحانه أرحم بعباده من رحمة العباد بأنفسهم ولذلك أوضح لهم الحقائق وكشفها جلية، وها أنتم ترون بأم أعينكم في كل الديمقراطيات الممتدة على ساحة المعمورة هي ساحة خداع وصراع يصل حد إراقة الدماء وهتك المحرمات والكرامات، وليس هناك من وازع يزع الفاعلين من أن يوغلوا بذلك، ولعل ما يحصل في العراق سابقا واليوم وما سيحصل غدا لهو خير دليل على ما ذكره المقال، ولذا من باب تسمية الأشياء بأسمائها؛ ليعلم من انخدع بتلك المغالطة السفسطائية التي تعقد صلة كاذبة خداعة بين الإسلام والديمقراطية، أنه بتوهمه لتلك العلاقة فهو يسيء إلى رب الإسلام من جهة، ومن جهة أخرى يجعل صانع الديمقراطية ربا نظيرا لرب الإسلام!!! تعالى الله جل وعز عن ذلك علوا كبيرا ... فانتبهوا ايها الأخوة إلى عظيم الخطر الذي يجره وضع الإسلام والديمقراطية في سلة واحدة، على الرغم من أن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية هو تماما كالعلاقة بين الدنيا والآخرة فهما ضرتان لا تجتمعان في قلب إنسان إذا دخلت إحداهما خرجت الأخرى!! فأنى للأحزاب الإسلامية والمؤسسات الإسلامية أن تصنع هكذا علاقة شاذة بين قطبين متنافرين غاية التنافر؟؟!!


فلا ديمقراطية في الإسلام قطعا، ولا إسلام في الديمقراطية قطعا، وما يتوهمه البعض من تلاق مزعوم في بعض التفاصيل مثل حقوق الإنسان وغيرها إنما هي في شرعة الديمقراطية حبر على ورق ليس إلا!! لتحسين صورتها القبيحة، اما الواقع فلا وجود فيه لترجمة ولو جزئية لمثل ذلك القول، فهاهي الديمقراطية تنتشر بالعالم والدمار يحل معها أينما حلت، فلم يشهد العالم دمارا وتخريبا ماديا ومعنويا كما يشهده اليوم في ظل سلطة الديمقراطية، فلا قيم ولا مبادئ ولا أخلاق بل كل شيء جائز لك أن تفعله إن غلبت عليه، بينما الإسلام يحفظ للمسكين حقه فهو في أمان، ويأخذ من المتحايلين الحق فتراهم يبيتون وهم خائفون وجلون، ولعل مقالة (أفعى عدالة علي) التي روج لها أعداؤه خير دليل على أن العدالة الحقيقية يدها طائلة ولا تخشى في الله لومة لائم، وهدفها الحقيقي الظالمون والجائرون الذين انتفخت بطونهم وثقلت رؤوسهم على أكتافهم من السحت والحرام والخداع والزور، فإذا كان الإسلام الحقيقي ودولته يقومان على العدل والصدق والرحمة، فالديمقراطية ودولتها يقومان على؛ الجور والكذب والظلم، وشتان بين الاثنين.


والحمد لله وحده وحده وحده.




د. زكي الصبيحاوي