«الأدمغة الاصطناعية».. هل يمكن للعلماء محاكاة دماغ الإنسان؟

«كانت لحظة لا تصدق» قالها هنري ماركرام Henry Markram في عام 2006؛ وهو أستاذ علم الأعصاب ومدير مشروعي «Blue Brain» و«Human Brain»، عندما قلب الموازين بنجاحه في بث الحياة بشبكة معقدة من 10 آلاف خلية عصبية افتراضية. عندها علم أنه قد نجح في محاكاة بعض ما يجري داخل أنسجة المخ الحقيقية!

جرى ذلك في هدوء بقبو المعهد السويسري الفيدرالي للتقانة في لوزان (EPFL)
«École Polytechnique Fédérale de Lausanne». حيث يقبع بلو جين «Blue Gene» حاسوب IBM العملاق، وأربعة صناديق سوداء بحجم آلات البيع الآلية تدور بهدوء تعالج مجموعة من البيانات.

الأدمغة الاصطناعية


رسم توضيحي 1 حاسوب بلو جين «Blue Gene»


تضم هذه الصناديق الآلاف من الرقاقات الإلكترونية الدقيقة، جرى برمجة كل منها كي تتصرف مثل خلايا الدماغ. ترسل ملايين الإشارات من رقاقة إلى أخرى، والتي تنتقل عبر الكابلات؛ لتحاكي عمل الموجات الكهربية في الدماغ الحقيقي.

لم يدم هذا الهدوء طويلًا؛ في عام 2013 منحت المفوضية الأوروبية هنري ماركرام 1.3 مليار دولار لمتابعة هدفه الطموح في بناء نسخة دقيقة للدماغ البشري، وهم رقم لم يُسمع به من قبل أن مُنح لأحد من علماء الأعصاب.

من 11 مليارًا إلى عشر سنوات!

الأدمغة الاصطناعية


كان لتشخيص (كاي) ابن هنري ماركرام بمتلازمة أسبرجر «Asperger’s»؛ أحد اضطرابات التوحد، أبلغ الأثر عليه لإطلاق المشروع «كي أكون قادرًا على محاكاة ما يحدث داخل دماغ ابني ورؤية العالم كما يراه» حسبما يقول ماركرام.

لذا سعى في بناء نموذج حاسوبي يحاكي الدماغ البشري. وبعدما نجح بالفعل في إثبات صحة فكرته بمحاكاة جزء من دماغ القوارض، انطلق بعدها لتوسيع نطاق المشروع. وما يبحث عنه ماركرام هو استكشاف ما إذا كان الدماغ الذي استغرق في التطور 11 مليار سنة يمكن هندسته اصطناعيًا؛ لكن في عشر سنوات فقط؟

لا نعلم كيف يعمل الدماغ لكننا سنصنع مثله!




رسم توضيحي 3 هنري ماركرام يتحدث عن مستقبل الحواسيب المستقبلية القائمة على الرقاقات الدماغية
ينشر الباحثون من جميع أنحاء العالم قرابة 100 ألف ورقة بحثية في علم الأعصاب كل عام. ومع ذلك، لا يبدو أن فهمنا عن وظائف المخ الأساسية أو قدرتنا على علاج اضطرابات الدماغ تتقدم كثيرًا. كذلك ليس لدينا فهم متكامل لما يحدث على مستوى الجينات، والبروتينات، والسيالات العصبية التي تحدث في الدماغ والمسئولة عن السلوك والإدراك.

فمن الضروري بالنسبة لنا أن نفهم أدمغتنا؛ فالعلماء لا يعرفون على وجه الدقة كيف يعمل الدماغ. إحدى النظريات تقول إن الدماغ يبني صورته الخاصة عن الكون، ليعكس هذه الصورة من حولنا. فـ99% من الأحجام والأشكال وطبيعة الأشياء نستدل عليها عن طريق الدماغ.

على الجانب الآخر، هناك مليارا شخص يعانون من الاضطرابات العقلية؛ وما زالت الأدوية المستخدمة لعلاجهم تجريبية. إلا أنه لا يمكن أن نستمر في إجراء التجارب على الحيوانات؛ لذا فإن فهمنا لهذه الاضطرابات على نحو أكبر، سيمكننا من تطوير حلول أفضل.

المهمة المستحيلة أضحت ممكنة




رسم توضيحي 4 يحتوي الدماغ قرابة 86 بليون خلية عصبية، تنتظم في وصلات تضم 100 تريليون تشابك عصبي
يشير ماركرام إلى أن هذا ليس بالأمر الهين؛ فلمعرفة عمل الدماغ باستخدام الأساليب التقليدية؛ يستلزم إجراء 20 ألف تجربة في رسم خرائط للدوائر العصبية.

وعلاوة على ذلك، لكي نفهم بصورة كاملة كيفية تفاعلات كل تشابك عصبي مع الخلايا العصبية يحتاج العلماء إلى تتبع اتصالات كل الـ100 تريليون تشابك، والتي تنطلق إشاراتها خلال جزء من الثانية نتيجة عمل جزيئات بيولوجية معقدة تتغير باستمرار. وهو أمر من المستحيل القيام به.

لكن إذا أمكننا استخلاص بعض المبادئ الأساسية التي تنظم تشكلها وبناءها، بدلًا من محاولة تعيين وظائف هذه المكونات العصبية جزءًا فجزءًا؛ لأمكننا توقع الطريقة التي تتفاعل بها الخلايا العصبية. ومن ثم مقارنة النماذج الناتجة مع بيانات بيولوجية حقيقية، واستخدامها عن طريق الهندسة العكسية لمحاكاة الدماغ البشري. وذلك باستخدام الحاسوب العملاق لإجراء الآلاف من عمليات المحاكاة الإحصائية.

انتهاء عهد التجارب الطبية

قدم ماركرام لأول مرة رؤيته للعامة على منصة تيد ««TED عام 2009عن إجراء محاكاة لخلايا الدماغ بواسطة حاسوب عملاق. مشيرًا إلى أن هذه التكنولوجيا الحاسوبية ستمكننا من الإجابة على أسئلة كبيرة، وستحقق اكتشافات جذرية مثل: إجراء الأبحاث على خلايا المخ افتراضيًا، واكتشاف عقاقير جديدة
باستخدام نماذج حاسوبية، واستبدال أنواع معينة من التجارب على الحيوانات، وفهم أفضل للاضطرابات مثل: مرض ألزهايمر.


بالإضافة لانتهاء عهد التجارب التي لا تعطي سوى مزيد من البيانات عن الأمراض العقلية. وإنما وضع جميع الأمراض على الطاولة، وتحليل البيانات الطبية رياضيًا، واستنتاج كيفية ارتباط بعضها ببعض.

ومن ثم استخدام نظام التصنيف البيولوجي الجديد لاستحداث وسيلة أكثر موضوعية لتصنيف أمراض الدماغ، وتطوير أدوات جديدة للتشخيص، واقتراح إستراتيجيات لتطوير أدوية وعلاجات أكثر فعالية. بل إن ماركرام يقول إن هذا المخ الافتراضي من الممكن أن يكون قادرًا على الوعي أيضًا.

انتقال المشروعات من الفردية للعالمية

يسعى المشروع لإنشاء شبكة عالمية تجمع مبادرات الأدمغة الاصطناعية ومشروعاتها بمشاركة مختلف البلدان، مثل: المبادرة اليابانية والصينية ومشروع Human Connectome.





د.فرانسيس كولينز مدير معاهد الصحة القومية، والرئيس الأمريكي باراك أوباما يعلنان «مبادرة الدماغ»

فمن المتوقع أن تضع العديد من البلدان الأولوية لأبحاث المخ استجابة للمبادرة الأوروبية، ومبادرة إدارة أوباما_تحت اسم برنامج «DARPA SyNAPSE»، والتي تمده IBM بتمويل يصل إلى ثلاثة مليارات دولار على مدار أكثر من عشر سنوات؛ وذلك لتطوير تقنيات تتبع للنشاط الكهربائي من كل الخلايا العصبية في الدماغ.

وهذا من شأنه تسهيل التعاون بين العلماء. إلى جانب إرساء سياسة البيانات المفتوحة؛ بمشاركة البيانات التي يجمعها العلماء في جميع أنحاء العالم مع الجميع. ليكون مصدرًا يصب إليه ويتشارك فيه المجتمع الدولي، أسوة بمبادرة الولايات المتحدة في جعل البيانات مفتوحة.

فجميع البيانات التي يستخرجها حاسوب بلو جين يُجرى تحميلها تلقائيًا على channelpedia وهو موقع على شبكة الإنترنت يتيح للمستخدم تحرير البيانات وجمعها من الأبحاث المنشورة في نشرات PubMed الطبية. فهذا الموقع يشكل نموذجًا للبيانات مفتوحة المصدر والمتاحة للمشاركة؛ والتي يطمح ماركرام أن تصبح معيارًا متبعًا في أبحاث علم الأعصاب.

المشروع على حافة الانهيار


وصف بعض العلماء المشروع بأنه مستحيل مثل إطلاق «طلقة إلى القمر»
بعد أقل من عامين على منح تمويل المفوضية للمشروع، أصبح مشروع الدماغ البشري في حالة من الفوضى، ومثارًا للجدل وحتى السخرية في المجتمع العلمي والإعلامي. فقد وصفته بعض الصحف العلمية بعبارات مثل «الدماغ الضبابي» و«الدماغ المحطم».

فيما وصف العديد من العلماء الذين يعرفون ماركرام شخصيًّا بأنه عبقريّ «شذ عن مساره»، و«مصاب بجنون العظمة». فقد خسر منصبه في القيادة التنفيذية للمشروع، ومنعته إدارته من التحدث إلى الصحافة.

الدماغ البشري ليس «طبيعيًّا»


النمذجة الحاسوبية يمكن أن تحل محل البحوث التجريبية العملية

فيما احتج آخرون بأن ليس هناك شيء يدعى الدماغ «الطبيعي» كما يقال. فكل دماغ نتج عن التطور والتجربة الشخصية لذا هو مختلف. وعلاوة على ذلك، لا تختلف الدوائر العصبية من فرد إلى آخر فقط، بل تتغير من ساعة إلى ساعة ويومًا بعد يوم.

كذلك يتشكك العديد من النقاد في أن ماركرام يمتلك القدرة الحاسوبية الكافية لإجراء محاكاة كاملة لدماغ واحد. وحتى إن تحقق ذلك؛ فلا يوجد سبب للاعتقاد بأن هذا النموذج سيكون مكافئًا للتفاعلات البيولوجية داخل الدماغ الحقيقي. فيما ينتقد بشدة آخرون فكرة أن النمذجة الحاسوبية في مشروع الدماغ البشري يمكن أن تحل محل البحوث التجريبية العملية.

إلا أن لهذه المبادرة فرصة جيدة للنجاح؛ فقط إذا تمكن هذا المشروع العلمي الكبير من أن يشكل نموذجًا للابتكار المشترك مع مبادرات أخرى، مثل: مبادرة الولايات المتحدة المعلن عنها عام 2013 والتي تبدو أكثر منطقية وتنظيمًا. وذلك من خلال مظلة تمويل مركزية، وقواعد تشجع التعاون والعمل المشترك بين العلماء.