بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما
السلام عليكم اخوتي مرتادي هذه الصفحة ورحمة الله وبركاته

وعظم الله أجوركم بمصابنا بأبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين(ص)

دعوة اليماني(ع) مشروع لإعداد القادة وليس لإعداد السادة

قال تعالى{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(القصص/83)، جاء في الإنجيل: [مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتي من هنا.](يوحنا: 18/36)، الآية الكريمة تقول (لا يريدون) أي إرادتهم مسلوبة، وسلب الإرادة يعني أنه حتى لا يخطر في بالهم الفساد أو العلو، لأن مرور الخاطر ناقض لسلب الارادة التي بينتها الآية الكريمة، بمعنى مرور الخاطر دال على وجود الارادة وإن لم تترجم فعلا، وهذا لا ينسجم مع دلالة قوله تعالى (لا يريدون).
وقول المصلوب(ع) (لكان خدامي يجاهدون) فهل هناك خادم يمكن أن يمر بباله علوٌ أو فساد؟؟ الجواب الأكيد: لا يمكن أن يمر ببال الخادم العلو والفساد لسبب بسيط كونه خادما.

وانتبهوا إلى قول المصلوب(ع) (يجاهدون) هذا يعني أنهم في شغل عن التفكير في العلو والفساد، فالجهاد المعني هنا هو الجهاد الأكبر، فالنفس البشرية محبة للراحة والدعة وأن تكون مخدومة متنعمة، فهؤلاء الخدام يكونون مشغولين بالجهاد، وهذا يعني أن أولئك الخدام همهم أداء الخدمة للناس ويصل الحد بهم إلى درجة أنهم ينشغلون عن أنفسهم بالعمل بين يدي قائدهم (ع)، ولعل معنى (لكي لا أسلم إلى اليهود) أي لكي لا يفتح المجال من جديد أمام الطاغوتية أن تطل برأسها على الأرض فتخرب دين الله سبحانه كما كان فعلها على طول المسيرة التاريخية البشرية مع خلفاء الله(ع).

انظروا إلى الإمام أحمد الحسن(ص) ماذا يقول؟ يقول (ص) : [أرجو منكم أيها الاخوة والأخوات أنصار الإمام المهدي (ع) أن تتعاملوا بينكم بالرحمة والرأفة الصادقة النابعة من الإيمان بالله سبحانه وتعالى ، ابتعدوا عن الرياء والمماراة وحب الظهور والفخر والكذب والحرص … ، تجنبوا الأخلاق الذميمة كما تتجنبون النجاسة ، وتحلوا بالصدق والوفاء والرحمة والكرم والشجاعة والعفة … ، كما تتعطرون بالريح الطيبة . فليعامل الصغير منكم الكبير كما فرض الله على الابن أن يعامل والده وليعامل الكبير منكم الصغير كما يعامل ابنه بغاية العطف والرحمة .
(كونوا زينا لآل محمد ولا تكونوا شيناً عليهم) .].

لاحظوا : (ابتعدوا عن الرياء والمماراة وحب الظهور والفخر والكذب والحرص ...، تجنبوا الأخلاق الذميمة كما تتجنبون النجاسة).

أي ابتعدوا عن كل ما يصنع منكم سادة يبحثون عن الجاه والسمعة والجلوس في صدر الديوان، فهذه الأمور لا تنال إلا بالخداع والكذب والمماراة.

ابتعدوا عن البحث عن الخدم، كونوا كما هم قادتكم آل محمد(ص) ولذلك الإمام أحمد الحسن(ع) يكرر عبارة آبائه (كونوا زينا لآل محمد ولا تكونوا شيئا عليهم).

أي كونوا قادة معلمين للناس تعرفونهم بصراط الله المستقيم الموصل إلى الغاية التي من أجلها خلق الله سبحانه الخلق، خلقهم ليعرفوا، فكونوا معلمين حقيقيين، كما هم معلموكم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، فآل محمد(ص) معلمون بكل جوارحهم وجوانحهم، بحركاتهم وسكناتهم معلمون، ولم يكونوا معلمين بألسنتهم حسب، وإن كان ما قالوه بألسنتهم هو علم عظيم.
قال الإمام أحمد الحسن(ع) : [عرفوا الناس بالحق برحمة ، وعاملوهم كما تحبون أن تعاملوا ، اقتلوا الشيطان الذي في بواطنهم بالكلمة الطيبة ، جادلوهم بالتي هي احسن وبالحجة البالغة ولا تعاملوهم بقسوة وغلظة فتكونوا بذلك عوناً للشيطان وجهلهم عليهم . قال تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل) .] وهذا يعني أن علينا أن نتحلى بأخلاق الخادم، لأن الخادم هو من يعرف معنى الرحمة، بينما السيد من البشر ينسيه تسلطه كل معنى للرحمة فهو يرى التعامل برحمة مفسد لسلطة التسيد، بل يجد التكبر والعلو هو من يحقق له ما يرغبه من السيادة على الخلق.

عمليا آل محمد(ص) يربون أتباعهم أن يكونوا خدما ليكونوا رحماء، ليكونوا جسرا يعبر عليه الناس إلى ضفة النجاة، ولا يكونوا سوطا يجلد ظهور العباد لاستعبادهم والتسيد عليهم، ولعل من أراد أن يتبين هذا المعنى بشكل تفصيلي ليراجع عهد أمير المؤمنين(ص) لعامله مالك الأشتر حينما وجهه ليكون عاملا له على مصر، فالعهد من بدئه إلى منتهاه هو نهج تربوي يذكر عامل الخليفة أنه خادم للرعية ومعلم لهم، وليس سيدا أو سوطا سلطويا مسلطا تجلد به ظهورهم.

إذا فهمنا هذا الدرس العظيم وترجمناه عملا على ارض الواقع نكون حقا وصدقا أرسينا مبادئ دولة العدل في أنفسنا، وإذا نجحنا بذلك وبقدر إخلاصنا بهذا العمل سنجد ثماره واضحة على ارض الواقع، من دون أن يشغلنا ترقب الثمار، بل يكون شغلنا وهمنا وجدنا واجتهادنا بالعمل لترجمة ما تحقق في أنفسنا من تعاليم معلم السماء أحمد(ص).

وفقنا الله جميعا إلى أن نعقل علم المعلم عقل دراية لا عقل رواية، كي نكون كما أراد سادتنا آل محمد(ص) زين لهم على طول المسير.

والحمد لله وحده وحده وحده.

---------------
بقلم د. زكي الصبيحاوي