بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فإذا خرج اليماني فانهض اليه

لعل من النافع إعادة قراءة هذه العبارة من رواية الإمام الباقر(ص) عن اليماني(ع)، بعد أن حاول المرجفون استغلال جهل الناس بالمعاني اللغوية فراحوا يقولون للناس أن نصرة اليماني والنهوض إليه متعلق بخروجه العسكري!! متغافلين عن ان معنى الخروج هو البعث والإعلان بعد الخفاء، فيكون معنى خرج اي أعلن ليعلم الناس بأمره، وربما يعد ربط الخروج بالحركة العسكرية لليماني جاء من جهة كون ارتباط الخروج بحرمة بيع السلاح اي وقوع المباينة، وكذلك للسياق العام الذي حكم جو الرواية كونها تتحدث عن تسابق خيل اليماني والسفياني نحو الكوفة، ولذا صنع أرباب الفتن والمعطلة من الفعل (خرج) في الرواية الشريفة مثار فتنة وإشكال ذرّوا رماده في أعين أولئك الذين يرغبون بجعل الشبهات عاذرا لسقطاتهم!! وأنى لهم ذلك.

على الرغم من ان هذا الفعل يستعمله الناس بلا أدنى تردد عندما يريدون الخروج لأي أمر، فهو فعل يقابل فعل الدخول، ولا انحصار لهذا الفعل بالجانب العسكري، او لا اختصاص له به، ولكن ما يدعو الى اعادة قراءة هذه الرواية من جديد هو هذا الصمت الغريب لكل الوسائل الإعلامية سواء المنبرية او غيرها حيال ما يحصل اليوم في واقع الناس من مصائب لا سبيل الى تغطيتها بغربال، ولعل الوقت قد صار حرجا، واليوم ناقوس الخطر صوته صار واضحا حتى لمن وصفهم القران بشر الدواب، فهذا الولوغ في الدماء، وهذا القتل هرجا، وهذه الاستباحة للحرمات، كلها دلائل واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ان ما أعلنه اليماني احمد الحسن(ع) منذ ما ينيف على العشر سنوات صار اليوم واقعا حيا يعيشه الناس، وهذا دليل قطعي على صدق دعواه، فليس هناك احد على وجه الارض منذ أن أعلن للناس دعوته أن هذا زمن الظهور المقدس قد بدأ، وأنه اليماني علامة بدء الظهور، وانه جاء للناس بأمر الإمام المهدي(ص) لإعدادهم وتهيئتهم لنصرة الامام المهدي(ص) فقد حان وقت ظهوره بعد ان ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس وملئت ظلما وجورا، وقد ظهر على الأرض أشر وأفسد الخلق على البسيطة وهم الأمريكان، ولا أظن ان بشرا يناقش او يماري في هذه الحقيقة.

لو ينظر الناس الى ما فعله اليماني(ع) طوال السنوات الماضية من تنبيه لهم وإنذار من قرب حلول كارثة لا نجاة لأحد منها، وإرشادهم الى سبيل النجاة والخلاص، وذلك من خلال دعوة الناس الى العودة الجادة والحقيقية لقراءة تراث اهل البيت(ص) الذي تحدث عن زمن الظهور المقدس، وهدايتهم الى الكيفية التي تجنبهم المآسي والويلات التي ستحدث، وكان لبيانهم سبيل الخلاص بجهتين؛ الاولى : ببيان جهة الخلاص التبشيرية من خلال التعريف بعلامة الظهور الهادية المهدية وهي اليماني(ع) الذي وصفته رواياتهم الشريفة من كل جهة من جهاته حتى اذا إذن زمانه و(خرج) اي أعلن لا يكون أمره ملتبسا على الناس، نعم الناس لا تعرفه قبل ان يستعلن وان كان يعيش بين ظهرانيهم، لان هذا الامر هو وعد الهي كشف عنه
الإمام الباقر(ص) لمالك الجهني، عندما قال مالك للإمام: يا مولاي انا لنصف صاحب هذا الامر بالصفة التي ليس بها احد من الناس، أجابه الامام(ع) قائلا: لا والله لا يكون ذلك أبدا حتى يكون هو الذي يحتج به عليكم ويدعوكم اليه.

وحقا وصدقا وقع الامر كما تحدث الامام الباقر(ص) تماماً، نعم هو موصوف بالصفة التي ليس بها احد من الناس، ولكن هل استطاع احد ان يتعرف عليه قبل ان يحتج هو ويدعو الناس اليه؟ بل على العكس هو الذي حصل، حيث ارتد اكثر الناس على أدبارهم القهقرى كأنهم لم يقرؤوا ما قاله الطاهرون(ص) بشأن علامة الظهور المميزة والواضحة والبينة، فهذا الامام الصادق(ص) يقول للناس ما معناه بوضوح: اعرفوا العلامة فان من عرف العلامة لا يضره تقدم هذا الامر او تأخر، فعن اي علامة يتحدث الامام(ع) التي يكون فيها الغناء والاستغناء عن انتظار وقوع الأمر؟ وكأن الرواية تشير بوضوح لا لبس فيه ان اقتران العلامة بالأمر ليس الغاية منه إلفات النظر الى الأمر، بل العكس هو الصحيح، ان الأمر إنما اقترن بالعلامة لإبراز أهميتها وخطورتها، وهم (ص) يعلمون ان هذا الاقتران بين الأمر والعلامة سيجعل الناس مشغولة بانتظار وقوع الأمر وبقدر انشغالهم ستكون غفلتهم عن العلامة حتى يكون ما أراده الله سبحانه؛ وهو ان العلامة هي التي تخرج وتحتج،
قال تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ}( النمل/82 )

لاحظ الآية الكريمة تتحدث عن (وقوع القول) أي الأمر، وتتحدث عن علامة (
اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم)، والآية الكريمة واضحة في تركيزها على العلامة وليس على الأمر، وما تلك الآيات التي لا يوقن بها الناس؟! فالفعل دال على الاستمرارية في الزمان على الرغم من اختلاف الأمكنة والناس؟! صار واضحا ان هذه الآيات هي ما رواه الطاهرون(ص) فما يخرج من الآية فهو أية، والآية هي علامة الهدى، فكل علامة هدى هي أية، وليس كل علامة هي أية، لذلك كانت راية اليماني هي أية، لماذا؟ لأنها ببساطة شديدة موصوفة بأنها راية هدى، فيكون بذلك اليماني(ع) كآبائه الكرام اية من الآيات، وما يصدر عنه فهو اية كذلك، ولذلك قام الإمام احمد الحسن(ع) بنفسه ببيان علامة اليماني بيانا لم يسبقه اليه سابق، وعلى منواله نسج الأخوة الأنصار في البيان ليتضح الأمر للناس كافة.

وعود على بدء،
فقول الامام الباقر(ص): اذا خرج اليماني فانهض إليه، فان رايته راية هدى، فيكون معنى الخروج هو الإعلان وليس الخروج العسكري حسب كما يظن الكثيرون، والآن صار واضحا؛ لماذا عند الإعلان على الناس ان تنهض اليه؟ الجواب: لان نهوض الناس دال على انهم كانوا في غفلة، فلا يكون النهوض إلا من غفلة، ولذا فكلمة الامام الباقر(ص) اية من آيات الهدى المعرِّفة بواقع الناس وحالهم عند ظهور اليماني(ع)، فالناس عند ظهوره رهينة الغفلة المهلكة، وهذا واقع حال يعيشه سواد الناس، بل لعله حتى خواصهم الذين يدعون انهم منتظرون للإمام المهدي(ص)، قال تعالى{وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}(النساء/83)!!

وبالمقابل في ساحة الإنذار، أنذر محمد وآله(ص) الناس من فتنة الفقهاء، ووصفهم رسول الله(ص) بأنهم شر فقهاء تحت ظل السماء!! لماذا هذا الوصف الخطير؟ يجيب الرسول(ص): منهم خرجت الفتنة واليهم تعود، وهذه العبارة احسبها خطيرة جداً، ولعل الاستغراق بالغفلة ابتلعها، منهم خرجت الفتنة! ما الفتنة التي خرجت منهم؟ بماذا فتن الفقهاء الناس؟! والفتنة أشد من القتل، انتبهوا قائل هذا الكلام هو الله سبحانه!! هل هناك فتنة في واقع الناس جميعا بلا استثناء من كل الملل والنحل اعظم من فتنة تقليد غير المعصوم؟؟؟ الجواب الأكيد: لا.

إذن كيف ستعود اليهم؟! القران الكريم يجيب على ذلك بوضوح {
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(سبأ/33)، وما مكر الليل والنهار؟ ها انتم ترون وتقرؤون بآم اعينكم وبآذانكم تسمعون مفردات وأوصاف مثل (اية الله العظمى، اية الله، الإمام، حجة الاسلام والمسلمين، شيخ الإسلام، قدس سره الشريف ... الخ، الخ) والقائمة تطول، مع الانتباه الى ان هذه الأوصاف بدأت تظهر الى العلن وبصورة صارخة عند قرب زمن ظهور العلامة، ففتنة التقليد عمرها الزمني لا يتجاوز القرن من الزمان، ولما بدا الامر كان التقليد مقتصرا على ما أسموه بالفروع، وحرّموا التقليد في العقائد، ولكن اليوم عمليا ابتلعت فتوى تحريم التقليد في العقائد، فصار التقليد شاملا الأصول والفروع على حد سواء، بل إن احد الفقهاء صرح بذلك جهارا نهارا؛ حيث قال: ان الاجتهاد ليس في الفروع حسب بل لابد من الاجتهاد في الأصول، وعندما بدأت الفتنة بالفروع تركت للإمام المهدي(ص) مساحة الأصول ولكن مع استمراء الناس لتلك الفتنة وصلوا بها الى غايتها عمليا وسلبوا الامام المهدي(ص) إمامة الدين بعد ان سلبت منه إمامة الدنيا، وهنا نتذكر حديث رسول الله(ص) الذي صدقه الواقع تماماً.

قال رسول الله(ص): الويل الويل لأمتي من الشورى الكبرى والصغرى!! فسئل عنهما؟ فقال: اما الكبرى فتعقد في بلدتي لغصب خلافة اخي وغصب حق ابنتي، وأما الصغرى فتعقد في الزوراء لتغيير سنتي وتبديل أحكامي.

فالكبرى سلبت اهل البيت(ص) إمامتهم الدنيوية التي يكون الدين هو شعارها ودثارها، والصغرى سلبتهم إمامتهم الدينية فصارت السنن والأحكام لا تؤخذ منهم (ص)، بل تؤخذ من الفقهاء، فرواياتهم تتقاذفها أهواء الرجال فتذروها ذرو الريح للهشيم، وليت شعري كيف حولوا رواياتهم وحكمتهم وتراثهم العظيم الى هشيم تذروه رياح أهوائهم؟؟!!

فليس في واقع الناس الثقافي اليوم؛ قال محمد(ص)، أو قال علي(ص)، او قال الأئمة(ص)، بل واقع الناس اليوم يتحرك برأي الفقيه فلان، ومبنى الفقيه فلان، بل بالغوا في الأمر كثيرا عندما اصدروا احكام إعدام مجانية على روايات الطاهرين(ص) بدعوى انها ضعيفة على مبنى البهبودي وعلى مبنى فلان وفلان، ولذلك لما جاءت العلامة تحتج بروايات الطاهرين(ص) واجهت عاصفة من التكذيب والاستهزاء والسخرية، مع ان العلامة لم تتجاوز مطلقا حدود ما أمر به الله سبحانه وأمر به رسوله(ص)؛ من ان النجاة بالتمسك بالقران والعترة الطاهرة، ومن شاء الضلال فهو يعدوهما الى غيرهما، ولذا نجد من الواجب علينا إسداء النصح للناس بعد ان منّ الله سبحانه علينا بالتمسك بالثقلين حسب، وما عداهما فهو خلق الشيطان، وندعو الناس للخروج من هذه الفتنة التي لا تبقي ولا تذر؛ ان يعودوا الى الثقلين والى تراث آل محمد(ص) العظيم الذي فيه العلاج الشافي والزاد الكافي لأوجاع هذه الأمة وأسقامها.

إذن فخروج اليماني يعني الإعلان عن دعوته، فبإعلانه عن دعوته يكون استيقاظ الناس من الغفلة المهلكة، وهذا الاستيقاظ ينبغي ان يعقبه نهوض وتزود من زاد ال محمد(ص)، استعدادا لإقامة دولة الحق والعدل الإلهي، وتصديقا لقوله تعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}(الرعد/11)، ولذا فإن وجود العلامة المعلم بيننا هو فرصة إلهية عظيمة لتغيير عوالق الظلمة والجور بأنفسنا واستبدالها بعوالق النور والعدل، فما لم تمتلئ النفوس نورا وعدلا، لا يكون على الارض قسطا وعدلا، والنفوس حتى تطهّر وعاءها تحتاج الى منهاج تربوي تثقيفي، وهذا لا يكون بين ليلة وضحاها، بل هو يتوقف على همة الناهضين وجديتهم وتصديقهم لأمر الله سبحانه، والعمل بين يدي قائم ال محمد(ص)، جعلني الله وإياكم ممن يستمعون النصيحة وينصفون ال محمد(ص) في تراثهم التربوي والثقافي العظيم، ويجعلنا جميعا مصداقا لقوله سبحانه{وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}(الزمر/17-18).


والحمد لله وحده وحده وحده.

----------------------

بقلم الدكتور زكي الصبيحاوي