تفسير أهل البيت (عليهم السلام)

قوله تعالى: {وإذ قالوا اللّهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم * وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم وما كان اللّه معذبهم وهم يستغفرون}(1).
إنها نزلت لما قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لقريش: " إن اللّه بعثني أن أقتل جميع ملوك الدنيا وأجري الملك اليكم، فأجيبوني لما دعوتكم اليه.

تملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وتكونوا ملوكاً في الجنة ".
فقال أبو جهل: اللّهم إن كان هذا الذي يقول محمد هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، حسداً لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ثم قل: كنا وبنو هاشم كَفَرَسي رهان نحمل إذا حملوا، ونطعن اذا طعنوا، ونوقد اذا أوقدو، فلما استوى بنا وبهم الركب، قال قائل منهم: أنابني.
لا نرضى أن يكون في بني هاشم، ولا يكون في بني مخزوم.
ثم قال: غُفرانك اللّهم، فأنزل اللّه في ذلك: (وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم وما كان اللّه معذبهم وهم يستغفرون)، حين قال: غفرانك اللّهم.
فلما همّوا بقتل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وأخرجوه من مكة، قال اللّه: (وما لهم ألا يعذبهم اللّه وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه) يعني قريشاً ما كانوا أولياء مكة (أن أولياؤه إلا المتقون)(2) أنت وأصحابك ـ يا محمد ـ فعذّبهم اللّه بالسيف يوم بدر فقُتِلوا(3)

هامش:
1- الانفال، الآية: 32 ـ 33.
2- الأنفال، الآية: 34.

المصدر: تفسير القمي/ ج1 ص276.

محمد بن يعقوب: عن عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله (عليه السلام)[7]:
«قال بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا ، إذ أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن فيك شبها من عيسى بن مريم ، لو لا أن تقول فيك طوائف من امتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم ، لقلت فيك قولا لا تمر بملإ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك ، يلتمسون بذلك البركة. قال: فغضب الأعرابيان و المغيرة بن شعبة وعدة من قريش ، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلا إلى عيسى بن مريم فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله) ، فقال: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَإِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ يعني من بني هاشم مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ).
قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهري ، فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أن بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل فأمطر علينا حجارة من السماء ، أوائتنا بعذاب أليم فأنزل الله عليه مقالة الحارث ، ونزلت عليه هذه الآية: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[8] ، ثم قال له: يا ابن عمرو ، إما تبت ، وإما رحلت. فقال: يا محمد بل تجعل لسائر قريش شيئا مما في يدك ، فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ليس ذلك إلي ، ذلك إلى الله تبارك وتعالى ، فقال: يا محمد ، قلبي ما يتابعني على التوبة ، ولكن أرحل عنك فدعا براحلته فركبها ، فلما صار بظهر المدينة ، أتته جندلة فرضت[9] هامته ، ثم أتى الوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ) بولاية علي (لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ)[10] ».
قال: قلت له: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا ، فقال: «هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) ، وهكذا والله مثبت في مصحف فاطمة (عليها السلام). فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن حوله من المنافقين انطلقوا إلى‏ صاحبكم ، فقد أتاه ما استفتح به قال الله عز وجل: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)[11]»».
[12]

هامش:
[7] -(عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) ليس في «ج» و المصدر.
[8] - الأنفال 8: 33.
[9] - ؤ في المصدر: فرضخت.
[10] - المعارج 70: 1- 3.
[11] - إبراهيم 14: 15.
[12] - الكافي 8: 57/ 18.

المصدر: كتاب البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني/ ج16.


تفسير قائم آل محمد (عليه السلام) :


السؤال: ما معنى قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ([134]) ؟

الجواب:
سنة الله سبحانه وتعالى أن تستبطن المعجزة المادية العذاب، فبمجرد التكذيب بها ينزل العذاب، بل إنّ سنة الله سبحانه وتعالى أن ينزل العذاب بالأمم التي تُكذب الرسل، بعد أن يستفرغ الرسول كل وسائل التبليغ والهداية معهم، كما هو حال نوح وهود (ع)، فلم تكن معجزتهم إلا العذاب الذي أهلك الأمم التي كذبتهم. ولكن هناك سبيلان لدفع هذا العذاب:
الأول: وهو دعاء الرسول وطلبه من الله سبحانه وتعالى أن يرفع العذاب عن الأمة التي كُلِف بتبليغها وهدايتها، وهذا الأمر يكلف الرسول مشقة وعناءً عظيماً؛ لأنه يعني تحمل المزيد من التكذيب والسخرية والإمتهان التي يلاقيها عادة الرسول من أمته المكذبة له، وهذا الدعاء الذي يرفع العذاب عن الأمة المتمردة لم يحصل إلا من رسول الله محمد (ص)، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، أي وأنت تدعو لرفع العذاب عنهم.
أما الأمر الثاني الذي يرفع العذاب فهو: التوبة والاستغفار من قبل الأمة، وهذا الأمر أيضاً لم يحصل إلا من قوم يونس حيث تابوا واستغفروا الله بعد أن أظلهم العذاب، ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ([135])، ورفع عنهم العذاب بعد أن ضجوا بالتوبة والاستغفار إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ([136]).

هامش:
[134]- الأنفال : 33.
[135]- يونس : 98.
[136]- الأنفال : 33.


المصدر: كتاب المتشابهات للإمام أحمد الحسن (ع) / ج3 س 85.