علماء يعِدّون نسخة صغيرة من الدماغ من خلايا جلدية

قد تساعدك ذات يوم كرات صغيرة متدحرجة من خلايا الدماغ تقفز في المختبر في الحفاظ على دماغك وغيره من الأعضاء.
تشبه هذه الكرات الخلوية الصغيرة أدمغة صغيرة وتحاكي أوجهاً عدة من الدماغ، فتشكّل بنى شبيهة بالبروتين وتطلق إشارات كهربائية على غرار العقل المفكِّر، حسبما أفاد باحثون خلال الاجتماع السنوي الأخير للجمعية الأميركية لتقدّم العلوم في واشنطن. ولا شك في أنّ هذه الأدمغة الصغيرة، التي يمكننا منحها خصائص شخصية بالاستناد إلى هوية مَن تؤخذ منهم الخلايا المستخدَمة في صنعها، قد تساعد قريباً العلماء في دراسة مجموعة أوسع من الأمراض والمشاكل الصحية، من التوحّد والباركنسون إلى التصلّب المتعدد والألزهايمر، فضلاً عن السكتة الدماغية، والصدمة الدماغية، والعدوى مثل فيروس زيكا. يذكر واين دريفيتس، باحث من شركة جنسن للأدوية لم يشارك في هذا البحث: «ثمة مجالات عدة يمكننا فيها استخدام هذه الأدمغة الصغيرة». فقد تقدّم في بعض الحالات نموذجاً عن صحة الإنسان أقل كلفة وأكثر واقعية وسمواً أخلاقياً، مقارنة بالفئران والحيوانات الأخرى، حسبما أفاد دريفيتس وباحثون آخرون في المؤتمر.



Dr.Thomas Hartung, of Johns Hopkins University Bloomberg School of Public Health


يأمل الباحثون، الذين طوروا هذه الأدمغة الصغيرة تحت إشراف توماس هارتونغ من كلية بلومبيرغ للصحة العامة في جامعة جونز هوبكنز، أن يصبح هذا الابتكار متوافراً تجارياً خلال هذه السنة.

يقر هارتونغ: {لا نُعتبر الأوائل أو الأكثر تقدماً}. فقد ابتكر باحثون آخرون أدمغة صغيرة أكثر تطوراً لها شكل يشبه الدماغ، غير كروي. ويؤكّد هارتونغ أنّ إعداد هذه الأدمغة الصغيرة والعمل بها بالغ الصعوبة. فيحتاج بعضها إلى خلايا جذعية جنينية، علماً أنّ الحصول على خلايا مماثلة أمر دقيق واستعمالها مريب من الناحية الأخلاقية. بالإضافة إلى ذلك، تستغرق زراعة عدد من هذه الأدمغة الصغيرة أشهراً، فضلاً عن أنها كبيرة نسبياً (نحو خمسة مليمترات)، ما يعني أنها تفسد بسرعة من الداخل لأنها تفتقر إلى الأوعية الدموية التي تغذي الخلايا العميقة في هذا العضو الاصطناعي.

توصل هارتونغ وزملاؤه إلى حلّ هذه المشاكل كلّها. فقد انطلق الباحثون من خلايا جلد بالغة يسهل الحصول عليها وحفزوها كيماوياً لتتحول إلى خلايا جذعية. وهكذا استغنوا عن النسخ الجنينية. وعمل الباحثون بعد ذلك على حمل الخلايا على التمايز والتحوّل إلى مجموعة من خلايا الدماغ، بما فيها خلايا عصبية مختلفة، فضلاً عن الخلايا الدبقية التي تساهم في دعم الخلايا العصبية وحمايتها.
لدفع الخلايا على تشكيل كرات دماغ صغيرة، وضعها الباحثون في حاضنة تهتز باستمرار حيث تحوّلت الخلايا فعلياً إلى كرات صغيرة قطر كل منها 350 ميكرومتراً (أي أكبر من سماكة ورقة المئة دولار بنحو ثلاثة أضعاف). ويسمح الشكل الصغير للدماغ بتفادي مشاكل التلف الداخلي من دون أن يفقد تركيبته الشبيهة بالدماغ مع تواصل الأنواع المختلفة من الخلايا العصبية ونقلها الإشارات. بالإضافة إلى ذلك، لا تستغرق هذه العملية أكثر من ثمانية أسابيع، ومن الممكن إنتاج آلاف الأدمغة الصغيرة دفعة واحدة.


طبقات عازلة

عند تفحص هذه الأدمغة عن كثب، اكتشف الباحثون أن الكثير من الخلايا العصبية فيها طوَّر طبقات عازلة كهربائياً (أغمدة من الميالين) تنتجها الخلايا الدبقية وتُعتبر بالغة الأهمية في عمل الخلايا العصبية. ويشكّل تلف طبقات الميالين هذه أحد أبرز أعراض عدد كبير من الأمراض العصبية التنكسية، مثل التصلب المتعدد. يوضح الدكتور هارتونغ: {ستشكل هذه الأدمغة على الأرجح نماذج فاعلة لدراسة التصلّب المتعدد}.

علاوة على ذلك، ولّدت الأدمغة الصغيرة النشاط الكهربائي تلقائياً، منتجةً موجات دماغية. يضيف هذا الباحث: {هذه الأدمغة تفكّر}، مع أنّها تفتقر إلى أيّ دفق معلوماتي حسيّ ولا تملك ما تفكر فيه.

ثمة احتمالات كثيرة تتيح للباحثين استخدام هذه الأدمغة للتعمق في أبحاثهم، وفق هارتونغ. فقد أخبر مجلة Ars أنّه متحمس جداً لاستخدام هذه الأدمغة الصغيرة في دراسة التوّحد، وأنه أعد أدمغة صغيرة من خلايا إنسان يعاني متلازمة داون. كذلك يأمل هذا الباحث أن تستخدمها شركات الأدوية لاختبار علاجات جديدة، ما يقدّم لها بالتالي نماذج أكثر واقعية عن كيفية تأثير الدواء في الناس من دون الحاجة إلى الاستعانة بحيوانات. ففي النهاية البشر ليسوا جرذاناً وزنه 70 كيلوغراماً، وفق هارتونغ.

لكنه يحذّر قائلاً: {أروّج لآمال}، بما أنّ الأدمغة الصغيرة ما زالت جديدة ولم تُثبَت فاعليتها بعد. رغم ذلك، أعرب باحثون كثر في المؤتمر عن حماسة مماثلة تجاه هذه الأدمغة. فبعد العرض الذي قدمه هارتونغ في المؤتمر، يخوض اليوم محادثات بهدف استخدام الأدمغة في دراسة فيروس زيكا. رُبط هذا الفيروس، الذي ينتشر بكثرة حاليّاً في أميركا الجنوبية والوسطى، بحالات عصبية (يشمل بعضها تلف الميالين) وبتشوه خلقي يُدعى صغر الرأس يولَدُ معه الطفل بدماغ صغير أو متشوّه.

في المقابل، رأى آخرون في هذه الأدمغة الصغيرة إمكان المساهمة في أبحاث النمو وعلم النفس. فقد أعرب ويلسون كومبتون، باحث متخصص في الإدمان على المخدرات من معاهد الصحة الوطنية، عن أمله أن تساهم هذه الأدمغة في الكشف عن ارتباط مناطق محدَّدة من الدماغ بالإدمان. ويَعتبر هذه الأدمغة عموماً {تطوراً واعداً}.

With a few skin cells, scientists can make mini, thinking version of your brain


Hopkins scientists develop mini-brains in promising research