بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على محمد وال محمد الائمة والمهديين وسلم تسليما
- محاولة فصل الأخلاق عن الدين
نجد أن إبعاد الأخلاق و السلوك و العلاقات العامة عن فلك الدين و قطع صلتها بالرؤيا العامة للحياة، حرمها من الإطار المرجعي الثابت و من الموضوعية المتفق عليها و صار بالتالي كل شيء في النهاية ممكنا حتى الأسس الراسخة و الثوابت الشامخة يمكن عن طريق التغييرات البطيئة و الناعمة أن تتحول إلى مسائل فرعية أو خلفيات ثقافية أو مظاهر كياسة.
و الأخطر من هذا إن "العرف" يتحور شيئا فشيئا لينسجم في النهاية مع الواقع الرديء, كما أن المجتمع الذي ينتشر فيه الانحراف الخلقي و السلوكي يفقد تدريجيا قدرته على ممارسة الضغط الأدبي على المنحرفين من أبنائه, لأن الدين يمارسون الضغط يصبحون آنذاك قلة قليلة و موقفها نفسه يصبح موضع تشكيك و خروج عن الواقع المنحرف و يتحولون من قوة نافذة إلى قوة غريبة وسط المنحرفين (فطوبى للغرباء) بل إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر نفسه يتراجع حيث تكثر الضرورات للانحراف مما ينتج عنه تضخم هذا الانحراف و يتراجع المصلحون ليقتصر دورهم على مجرد الطرح النظري على جوهر الإيمان و أصول الأخلاق عوضا عن الحديث عن السنن و المكروهات و الواجبات و المحرمات.

فصل الأخلاق عن الدين أنسى الأنسان إن الدنيا دار فناء و ليست دار بقاء, دار زرع و ليست دار حصاد, دار ابتلاء و ليست دار نعيم, و الحقيقة الملموسة أن هذه الحياة لم و لن تكون مثالية للعيش و الأمان فلا ينبغي للإنسان أن يتكدر و يجزع عندما يجد نفسه محاطا بالتحديات فهذا هو الشيء الطبيعي و يجب أن يعد الإنسان نفسه لمواجهة أحداث الحياة و برضا بقدره من خلال التحلي بمكارم الأخلاق ليرتقي روحيا و ينعم برضا النفس و السعادة. ولأن الدنيا دار امتحان كبير و ابتلاء فان الإنسان سيظل معرضا إلى هذا الاختبار طيلة حياته و ليس عليه أن يجزع بل أن يتحلى بأفضل مكارم الأخلاق و الصبر أحدها, فالأمور المادية و السطحية ستساعده على تخطي المصاعب مرة أو اثنين أو ثلاث أو أكثر لكن لن تساعده طيلة عمره و من اختار أن يبتعد عن الله فان ابتلاءه سيكون بالرخاء و السعادة و الارتياح و هذا أشد بلاء لو يعلمون.
قال الله تعالى : )وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ) (الزخرف:33).

وأصبحت النزعة الدنيوية في عصرنا الحاضر تصبغ الوجدان و الشعور و السلوك لدى معظم الناس بعد أن تجردوا من الأخلاق الإلهية التي ميزتهم عن بقية خلق الله, جعلت نظرتهم إلى الموت تصوره على أنه شيء لا معقول و لا يمكن هضمه أو استيعابه, و صار ينظر إليه على أنه مصدر تحد غير محدود و يجب على الناس أن يقاوموا أسبابه إلى آخر لحظة .
قال تعالى : (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الجمعة:6)
و هنا انقلبت موازين الوجود على هذه الأرض بالنسبة لهؤلاء الناس و أصبح سبب خلقهم و وجودهم هو الكفاح من أجل البقاء إلى الأبد ... لكن هناك يقين بأنها معركة خاسرة و أن أشكال الاحتياطات الصحية و مقاومة الأمراض لن تأتي بالخلود لكنها كثيرا ما تطيل أمد المعاناة.
قال تعالى: )قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الجمعة: 8) و هذا يبرز واضحا في سلوك من تجرد من الأخلاق فانهمك في الملذات و الشهوات و جمع المال دون قيد و أكل حقوق العباد ..... بدون التفكير بأن الموت ملاقيهم ...... و لا يؤمنون بما بعد الموت .

فغياب مكارم الأخلاق مثل الصبر و الرضا بمشيئة الله و ما قسمه للإنسان حمل كثيرا من الناس إلى الانحراف و اقتراف الكذب و الاحتيال و إراقة ماء الوجه و تحمل الجور و الهوان, و أصبح الإنسان يأكل و يشرب و يتنفس و يتكاثر و يموت و هي أقرب إلى حياة الحيوان و النبات, أما الارتقاء الروحي و العقلي و الخلقي فانه أمسى شيء خيالي و من الماضي بينما الإنسان يحتاج إلى الغذاء الروحي و هو مكارم الأخلاق لمواجهة الحياة و مادياتها فهي السلاح الوحيد للخروج من امتحان الحياة بنتائج تنفعه بشكل بسيط في حياته على الأرض و رصيد كبير للحياة الأخرى.
منقول
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الائمة والمهديين وسلم تسليما كثيرا