رحلة جلجامش إلى دلمون . . أرض الأحياء

عبد الجبار محمود السامرائي


في حدود عام 2650 قبل الميلاد, كان الملك السومري (جلجامش) يحكم سلالة الوركاء الأولى . وكان ملكاً عظيماً, وبطلاً شجاعاً, وصاحب خصال ومنجزات فذة, مما حمل الشعراء القدامى على تخليد ذكراه في ملحمة فريدة عرفت باسمه : (ملحمة جلجامش) .

تتألف هذه الملحمة من اثني عشر لوحاً, مدونة باللغة البابلية؛ عثر على معظمها في مكتبة (آشور بانيبال) (669 – 626 ق.م) في (نينوى) عاصمة الإمبراطورية الأشورية, ويعود زمن استنساخ هذه الألواح الطينية الأشورية إلى القرن السابع قبل الميلاد (668 – 626 ق.م) كما عثر في مدن أخرى على ألواح تحمل أجزاء من الملحمة, أغلبها يعود إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد (العصر البابلي القديم) (2004 – 1594 ق.م) .

فحسب ؛ بل في أجزاء واسعة من الشرق القديم ؛ إذ عثر على أجزاء منها في آسيا الصغرى وفلسطين, كما ترجمت إلى لغات قديمة أخرى, كالحثية, والخورية(1) .

إن ملحمة جلجامش التي تستمد أصولها من الفكر السومري, تتناول موضوعاً إنسانياً محضاً, وتتعامل مع أشياء في عالمنا الدنيوي مثل: الإنسان, الطبيعة, الحب, المغامرة, الألفة, الصداقة, والصراع, لتكون منها جميعاً فصولاً لموضوع الملحمة الرئيسي, ألا وهو حقيقة الموت ؛ ذلك لأن الملحمة تقدم البديل(2) الخلود .

فالخلود – إذاً – مسعى وهدف, كان جلجامش يبحث عنه(3), حيث لم يعد جلجامش يتحمل موت خادمه (أنكيدو)؛ لذلك, يذهب ساعياً عن علاج ناجع شامل, ينقذ به الناس جميعاً- لا فرداً واحداً – من وطأة الكابوس الأعظم (الموت ) وإلى الأبد, فيحصل بعد عناء كبير على نبات الحياة إلا أن الحية, رمز الشر, تلعب دورها, فتسرق النبات, بذرة الحياة(4)

لقد كان هم جلجامش – إذاً – ليس التخلص من الموت فحسب, وإنما في عدم ملاقاة الموت, وفي ألا يكون موت من بعده, بل حياة خالدة, ولذلك قام برحلته إلى (أرض الأحياء), ليجد فيها مطمحه, وهو الحصول على الحياة الأبدية, أي (الخلود) . أما هذه الأرض فهي "دلمون" .



المنزلة الروحية لدلمون عند السومريين

برز اسم دلمون في النصوص السومرية على أنها أرض طاهرة, وأرض مقدسة, أشبه ما تكون بالفردوس, المذكورة في الكتب المقدسة . وتعد جنة عدن التي ذكرت في سفر التكوين من العهد القديم, أقرب شبه إليها, فهذه الفردوس تحوي أشجاراً باسقة, وأعناباً تشبه في وصفها جنة الخلد التي يذهب إليها الصالحون بعد مماتهم(5) .

وكانت "دلمون" جزيرة تتمتع بقدسية خاصة, وفيها آلهة عبدها أهل العراق القدمـــاء، وقد وصفت بكونهـــا (أرض الخلود التي لا يوجد فيها مرض أو موت أو حزن . . .), كما جاء في النص الذي نشر لأول مرة في عام 1915م, وترجمه فيما بعد عالم السومريات "كريمر" Kramer والمؤلف من 278 سطراً, والمنسق على هيئة ستة أعمدة, ويحمل عنوان (إنكي)(6) و (ننخر ساك) . يقول النص :

مقدسة هي المدينة التي منحت لكم, ومقدس بلد دلمون,

مقدس سومر, . . . ومقدس بلد دلمون,

بلد دلمون مقدس, بلد دلمون نقي,

بلد دلمون مغمور بالنور, متميز بالإشعاع,

يوم أقيم الأول في دلمون, حيث استقر إنكي مع زوجته,

أصبح المكان هذا نقياً ومشعاً بالنور .

الغراب لا يصيح في دلمون, والحجل لاتوصوص,

الأسود لا تقتل أحداً,

والذئب لا يلتهم الحمل الوديع, لم يكن الكلب يتقن إخضاع الغزلان,

ولم يكن الخنزير البري يأكل الحبوب,

لم تكن طيور السماء تأتي لتنقر شعير الأرملة وهو يجف على السطح,

ولم تكن الحمامة تحني رأسها,

ولم يكن أي مريض العينين يشكو من مرض عينيه,

ولا مريض الرأس كان يشكو من مرض رأسه,

لم تكن أي امرأة عجوز تقول : "إنني عجوز",

ولا الرجل العجوز يقول : "إنني عجوز"(7)

كما يتخلل النص كيفية تعيين الإله إنكي ابنته ؛ لتكون الإلهة الحامية لدلمون، حيث جاء في النص :

( ويجيب الأب إنكي ابنته نين – سيكيلا :

ليقم أوتو(8) (إله الشمس) المستقر في السماء,

بإحضار المياه الحلوة من الأرض,

من مصادر المياه من الأرض, دعيه يجعل دلمون تشرب من المياه بوفرة,

فلتنتج أطيانك وحقولك قمحها, لتتحول مدينتك إلى مرفأ الأرض .)

كما يذكر النص بأن " ننخر ساك"(9) قد نجحت في إنبات ثماني نبتات في أرض دلمون, وبعد أن أكل الإله "إنكي" تلك النباتات وقع مريضاً ؛ فغضبت ننخرساك وانسحبت من صحبة الآلهة, وهددت بعدم العودة حتى يموت الإله إنكي ؛ إلا أن الثعلب المكار, نجح في إقناع ننخرساك بالعودة, فوافقت على علاج الإله إنكي, وفعلت ذلك عبر إنجاب ثماني معبودات وإله ؛ قمن بعلاج أمراض الإله إنكي .

إن دراسة النص آنف الذكر ؛ تعطي مدلولات مقدسة, تؤكد أن دلمون هي الفردوس المنشود بالنسبة للسومريين ؛ فقد كان كل فرد سومري يسعى للوصول إلى أرض دلمون ؛ كي يجد ضالته المنشودة فيها(10) .



هل وصل جلجامش إلى دلمون ؟


استناداً إلى ماتم العثور عليه من آثار وشواهد مادية, مثلتها رسوم السفن الشراعية(11) على الأختام والفخار, فإن هذه السفن لابد أنها كانت مصنوعة لخوض رحلات بحرية, وليس لرحلات نهرية فقط ؛ لكون الأنهار التي تمتاز بالصغر والهدوء كانت لا تحتاج لسفن ذات أشرعة, بل إلى أبلام(12) ومشاحيف(13) تعتمد على "مردى"(14) واحد, أو عدة "مرادي", على وفق الحاجة ؛ فبإمكاننا ملاحظة أمثالها وهي تخوض مياه أنهار العراق بكل هدوء وانسيابية(15) .

لذا ؛ ليس بمستبعد قيام جلجامش برحلة من ذلك النوع إلى دلمون, ما دام هناك فعلاً, رحلات شقت طريقها عبر مياه الخليج الضحلة والعميقة, حتى بلغت مدناً وأقاليم بعيدة, امتازت بعلاقاتها التجارية والحضارية الوطيدة مع أقاليم العراق القديم . لكن, من المؤكد أن تلك الرحلات, لم تكن منتظمة, بل كان يغلب عليها طابع المغامرة والفردية, معتمدة طريقاً ساحلياً قريباً من اليابسة, ثم أخذت تنتظم بالتدريج ختى غدت حملات دائمة منتظمة, في فجر الحضارة السومرية, (حدود أوائل الألف الثالث قبل الميلاد) . ولدينا دليل على أن الملك (ميس كيا كاشر)(16) قد ارتاد البحر, واستمكن مواضعه . ولعله أفاد جلجلمش(17) مثلما أفاد غيره ؛ لأن المعلومات التي حققها ذلك الملك ؛ اعتمدها جلجامش في رحلته إلى دلمون . كما اعتمد جلجامش معلومات بعض التجار المعاصرين, لكن رحلته لم تكن تجارية, كما توحي لنا الملحمة ؛ بل كانت لأغراض معرفية بالدرجة الأولى . لكنها حققت, بالطبع, فوائد تجارية ومعلوماتية ؛ بفضل المعلومات التي وفرتها الرحلة, مثل أية رحلة أخرى . ومن الطبيعي أن المعلومات المستمدة من تلك الرحلات, كانت ثمينة ؛ لكون الرحلات التجارية كانت آنذاك سرية ومحدودة ؛ بسبب الأخطار التي تعترضها في البحار . لذا, لا غرابة في أن نجد قليلاً من الناس يقومون برحلة برغم ما تقدمه من فوائد وأرباح مادية مغرية, أما سبب غموض تلك الرحلات وخشية الناس منها فنابع من محاولة التجار تغليف تلك الرحلات بهالة من التهويل والمبالغة لغرض صرف الناس عنها ؛ فصاحبة الحانة التي تمثل أنموذجاً لطبقة التجار حاولت تضليل جلجامش وصرفه عن فكرة الرحلة رغم كلمات جلجامش المؤثرة التي حاول فيها إقناع صاحبة الحانة بغرضه المعرفي الصرف قائلاً لها :

آه لقد غدا صاحبي الذي أحببت تراباً

وأنا سأضطجع مثله فلا أقوم أبد الآبدين

فيا صاحبة الحانة وأنا أنظر لوجهك

يكون بوسعي أن لا أرى الموت

الذي أخشاه وأرهب(18)

أما رد صاحبة الحانة فقد جاء بليغاً ودبلوماسياً ؛ إذ قدمت له وللبشرية من بعده نصيحة رددتها الألسن والعقول قائلة :

إلى أين تسعى يا جلجامش ؟

إن الحياة التي تبغي لن تجد . .

فليكن كرشك مليئاً دائماً

وكن فرحا مبتهجاً نهار مساء

وأقم الأفراح وارقص والعب

واجعل ثيابك نظيفة زاهية

واغسل رأسك واستحم بالماء

دلل صغيرك وأفرح زوجتك

فهذا هو نصيب البشرية(19) .

لكن جلجامش الذي أرهبه موت خادمه (أنكيدو) تجاهل تلك النصيحة رغم ما بها من حكمة, وعقد العزم على المضي قدماً في رحلته المحفوفة بالمخاطر . لذلك كان رده على تلك النصيحة أنه طلب من صاحبة الحانة أن تدله على الطريق المؤدي إلى مكان وجود أوتو – نبشتم ومؤكداً أنه لن يتوانى عن عبور البحار من أجل تحقيق ذلك . أما إذا تعذر عليه الوصول, فإن مأساته ستكون كبيرة, ولن يجد فيما قالته صاحبة الحانة أي عزاء له, بل سيفضل السكن في الصحاري على تلك الحياة الرتيبة غير المجدية(20) .

بعد ذلك تغيرت نبرة صاحبة الحانة من النصح إلى التهويل والتخويف, ولعلها أدركت أن جلجامش, كونه ملك, يتمتع بحياة مستقرة مختلفة عن حياة الناس العاديين, سوف يعيد النظر في عزمه بعد أن يسمع منها تلك التحذيرات :

يا جلجامش لم يعبر البحر من قبلك أحد

إجل ! أن شمش القدير يعبره حقاً

ولكن, من غير شمش يستطيع عبوره ؟

إن عبوره شاق وعسير

وما عساك ستصنع حين تبلغ مياه الموت العميقة ؟(21)

هنا نجد أن صاحبة الحانة قد بالغت كثيراً في وصف المخاطر التي تنتظر جلجامش, وهذا الأمر نعزوه إلى طريقة التجار في صرف نظر الآخرين عن رحلاتهم لكن قد لا يكون هذا هو السبب الوحيد, قد يكون الراوي هو الذي وضع هذه السطور وأضفى عليها هذا التهويل . ومن الغريب أن صاحبة الحانة قد قدمت هذا الوصف لجلجامش الملك المطلع بالطبع على أسرار هذه الرحلات, بحكم عمله كراعٍ للشعب, وهذا يدعونا إلى التفكير في أمر آخر هو : أن جلجامش كان راغباً في خوض مياه البحر العميقة في وسط البحر وهو طريق لم يسلكه أحد من قبل . لذلك وجهت له صاحبة الحانة تلك التحذيرات الصريحة التي ذكر فيها خطر مياه الموت العميقة ؛ كناية عن المخاطر التي تكتنفها الأعماق .

لكن, ما الذي دفع جلجامش إلى سلوك هذا الطريق غير المسلوك قبلاً ؟ هل هي محاولة لاكتشاف طريق آخر أقصر من الطريق المعتاد ؟ أم أن جلجامش كان يبغي المغامرة ؟ إن لدينا دليلاً على أن جلجامش دُفع إلى سلوك هذا الطريق غير المأمون, لأنه هو الطريق المعتاد لملاح أوتو – نبشتم, لذلك لم يجد بداً من سلوكه .

وأمام إصرار جلجامش واندفاعه, لم تجد صاحبة الحانة بداً من إخباره بالسبيل الذي سيوصله إلى أوتو – نبشتم, ناصحة إياه بمصاحبة "أور شنابي" ملاح أوتو – نبشتم وإلا فعليه أن يعود إلى وطنه . هنا اتجه جلجامش إلى الغابة حيث يوجد أور - شنابي, ربما لأجل التأثير فيه أو مساومته . لذا, لم يجد صعوبة في إقناع أور – شنابي بمرافقته إلى مسكن أوتو – نبشتم, بعد أن قام بإعادة بناء مركبه(22) .

إن وجود أور – شنابي المتكرر في أرض سومر, يدل على وجود اتصالات تجارية مستمرة بين بلاد سومر وذلك المركز التجاري الذي يعيش فيه أوتو – نبشتم . كذلك لابد أن يكون لأوتو – نبشتم وأتباعه دور في هذه التجارة, وإلا كيف كانوا يحصلون على حاجاتهم من البضائع والمواد الغذائية ؟

لكن, أين يقع هذا المكان الذي قصده جلجامش في رحلته ؟ هل كان في حدود أرض العراق الحالية, في منطقة شط العرب مثلاً ؟ أو في إحدى الجزر القريبة من شاطئ العراق في الخليج العربي, أو أنه يقع في مكان بعيد نسبياً في وسط الخليج العربي, كالبحرين مثلاً ؟

واستناداً إلى بعض المعطيات يمكن معرفة المكان الذي قصده جلجامش في رحلته إلى دلمون وهذه المعطيات هي :

1 – عبادة الإله أيــا

: تؤكد بعض الدراسات أن هذا الإله كان معبوداً في دلمون تحت اسم (إنكي) الذي ربما انتقل إلى العراق بفضل الجالية الدلمونية, فأصبح رديفاً لإسم "أيــا" حيث تؤكد الدلائل الأثرية المكتشفة في البحرين, وجود معبدين لهذا الإله في موقعين, أحدهما يسمى (دراز), والآخر يسمى (سار), عثر فيهما على كميات من الأصداف وعظام السمك التي تمثل أهم نذور هذا الإله(23) .

وربما وصل هذا الإله إلى البحرين بفعل رحلة أوتو – نبشتم السالفة الذكر خصوصاً إذا علمنا أنه هو نفسه الإله الذي أعلم أوتو – نبشتم بخبر الطوفان, وعلمه كيفية الخلاص منه . لذا, فقد نقله أوتو – نبشتم إلى البحرين عرفاناً بفضله عليه . كذلك يمكننا تصور أن الإله "أيــا" موجود أصلاً في البحرين, وأن أوتو - نبشتم قد ساعد في نشر عبادته, بعد مساعدته القيمة له . أو أنه وصل إلى الجزيرة فوجد أنه يُعبَد من بعض سكانها فشاركهم في عبادته(24) .

2 – الاتصالات القديمة بين دلمون والعراق :

تؤكد بعض الآراء على أن السومريين استوطنوا في وقت ما أرض دلمون قبل انتقالهم إلى جنوب العراق . وتوضح لنا السطور الآتية أقدم وصف مدون لرحلة بحرية عرفها التاريخ :

ركب جلجامش وأور – شنابي في السفينة

أنزلا السفينة في الأمواج وهما على ظهرها .

وفي اليوم الثالث قطعا في سفرهما ما يعادل شهراً ونصف من السفر العادي .

وبلغ أور – شنابي مياه الموت العميقة .

ونادى جلجامش قائلاً :

هيا يا جلجامش أسرع وخذ مردياً وادفع به

وحذار أن تمس يدك مياه الموت .

أسرع وخذ مردياً ثانياً وثالثاً ورابعاً . .

وبمائة وعشرين دفعة استعمل جلجامش كل المرادي

ثم نزع ثيابه ونشرها كأنها شراع(25) .

تؤكد لنا هذه السطور أن المسافة المقطوعة في الرحلة كبيرة, حتى بالنسبة للقدرات المستنفرة, ثلاثة أيام, والتي تعادل (خمسة وأربعين) يوماً من السفر العادي, لو علمنا أن طول الخليج العربي من ساحل البصرة إلى مضيق هرمز هو (ألف) كيلومتر(26) وأن هذه المسافة يمكن قطعها فيما بين أربعة أيام إلى أسبوع فإن ثلاثة أيام تعني أن المسافة المقطوعة لابد أن تكون ما بين نصف إلى ثلاثة أرباع المسافة الكلية, أي أن الرحلة قد قطعت في سفرها ما يقارب (خمسمائة) كيلومتر طولاً, آخذين بنظر الاعتبار امتداد الخليج العربي إلى منطقة أهوار جنوب العراق . وهذه هي المسافة نفسها التي تفصل جنوب العراق عن جزيرة البحرين .

أما القسم المتعلق بخوضهما مياه الموت, فقد وصفت لنا الملحمة طريقة تلافي مخاطر هذه المياه من خلال التعليمات التي وجهها أور شنابي إلى جلجامش ونفذها الأخير بكل دقة, (وهي التعليمات التي أخذت حيزاً من النصف الثاني المذكور قبل قليل), وهو ما يجعلنا نضع تساؤلاً حول ماهية هذه المياه . هل هي إضافة من الراوي غرضها التهويل ؟ أم أنها كناية عن المياه العميقة في وسط البحر حيث تمثل هذه المياه مصدر خطر على البحارة ؟

إن تحديد المسافة التي قطعتها السفينة أثناء عبورها مياه الموت يعد أمراً في غاية الصعوبة, ولكن, من الناحية الوصفية المسلم بها, يمكن أن نعد زمن ساعتين كتقدير معقول لقطع هذه المياه برمتها, استناداً إلى تقدير يؤكد أن كل مردي يستغرق دقيقة حتى يكتمل الدفع به .

أما عند نزول جلجامش إلى بر الجزيرة "دلمون", فقد وجده مضيفه الذي لمحه من بعيد ناقماً على ملاحه الذي لم يحسن التصرف بمرافقة هذا الغريب وإيصاله إلى مقرهما السري, لكونه يعلم مقدار الصعوبات التي واجهها الغريب قبل وصوله إليه, وما سوف يحصل عليه مقابل ذلك . لكن, هل يصل الأمر إلى حد طرد ملاحه بسبب ذلك ؟ إن هناك أكثر من سبب خفي يدعوه إلى فعل ذلك, لعل منها خشيته من أن يسبب مجيء جلجامش إلى الجزيرة خطراً على مركزه وتجارته, والتحليل الأخير ينطبق على حالة أي مستفيد يخشى من مداهمة الآخرين له وتقويض استفادته .

إحدى اللوحات الإثنتي عشرة التي اكتشفت في نينوى والمكتوب عليها بالخط المسماري
بالغة الأشورية أسطورة جلجامش


لقد وجد جلجامش والحيرة تملأ وجهه أن الرجل الذي جاء لأجله لا يكاد يختلف عنه بالمرة, بعد أن تصوره قوياً متيناً كحال من يملك الخلود الجسدي, فإذا هو عكس ذلك, رجلاً ضعيفاً مضطجعاً على ظهره, مبيناً دهشته تلك لأوتو - نبشتم الذي أسرع لإيضاح الأمر كله, من خلال سرد قصة الطوفان التي مكنته من امتلاك هذا الأمر الخطير, دون أن يخل ذلك بنظام الوجود, إذ أن الجسد لا يمكن أن يكون خالداً بذاته طالما أن الضرورة لا تتيح له ذلك . وبما أن جلجامش كان مقتنعاً بإمكانية امتلاك الجسد لميزة خاصة تجعله خالداً بذاته في وسط الفناء, فإنه بعد أن رأى أوتو نبشتم وتبصر في حاله, أدرك خطأ رأيه في الحال . وهذا دليل على عمق فكر بلاد الرافدين في تلك الأزمنة . ولما عاد جلجامش من رحلته مسلماً باستحالة الخلود الجسدي, مقتنعاً بنوع آخر من الخلود, يوفره له الخلود المعنوي, حصل على حكمة ثمينة كانت هي خاتمة رحلته الشهيرة, حيث نطق بهذه الحكمة مضيفه أوتو – نبشتم قائلاً :

إن الموت قاس لا يرحم

هل بنينا بيتاً يدوم إلى الأبد ؟

هل ختمنا عقداً إلى الأبد ؟

وهل يقتسم الأخوة ميراثهم ليبقى آخر الدهر ؟

الفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها فتبصر وجه الشمس

حتى يحين أجلها

ولم يكن دوام وخلود أبداً

ما أعظم الشبه بين النائم والميت

ألا تبدو عليهما الهيئة ذاتها ؟

بعد هذه الكلمات عاد جلجامش إلى وطنه مشبعاً بالمعرفة, مقتنعاً بمصيره المحتوم .

ولذا, لم يصبه الاضطراب أو تداهمه الوساوس, حتى بعد أن فقد عشبة تجديد الحياة التي غدت من نصيب الأفعى(27) .

3 - الغوص :

إن حصول جلجامش على عشبة تجديد الحياة, جرى وفق الطريقة التقليدية المتبعة في الغوص, حيث استنشق كمية كبيرة من الهواء, وغاص بواسطة ثقل وضع في قدميه, سحبه إلى الأسفل في الحال . وعندما استقر في القاع, فك الثقل وأخذ يبحث عن العشبة, وبعد أن وجدها عاد سابحاً إلى الأعلى . وهذه بالضبط الطريقة التي يتبعها صائدو اللؤلؤ والمحار في الخليج العربي وقد تعلمها جلجامش من أوتو – نبشتم الذي يبدو أنه كان مطلعاً على أسرار هذه المهنة وربما مشتركاً فيها من خلال أتباعه في الجزيرة, وهو ما يعطينا دليلاً مهماً على قدم مهنة الغوص وأهميتها بالنسبة لسكان المنطقة في تلك الآونة, حيث يمثل الغوص من أجل البحث عن اللؤلؤ والمحار أحد أهم ركائز اقتصادهم, فضلاً عن التجارة . ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا أن هؤلاء الناس كانوا آنذاك يعيشون في مجتمع متمدن له أعرافه وقوانينه الخاصة التي تماثل قوانين المقرات التجارية من حيث تمتعها بقدر واسع من الحرية والاستقرار, مبني بدرجة كبيرة على التعاون والمصلحة المشتركة جازمين بوجود نوع من سلطة امرأة تتمتع بقدرة على فرض سيادة النظام والقانون من خلال هيئة يشترك فيها كبار التجار في الجزيرة(28) .

إذاً, فرحلة جلجامش إلى دلمون كانت تمثل جزءاً مهماً من الملحمة الشهيرة باسم(ملحمة جلجامش)(29), ولاشك في أن تلك الرحلة كانت حقيقية ؛ لأن دلمون كانت مصدر جذب, ولذلك سميت "أرض الأحياء" .



دلمون . . أرض الأحياء


تعتبر "دلمون"؛ موطن الآلهة كما يتضح ذلك من أسطورة سومرية أخرى, هي الأصل السومري لأسطورة الطوفان البابلية على الأرجح, والتي يلعب فيها دور أوتو – نبشتم(30) شخص يسمى " زيوسودار", ( وهو الناجي الوحيد من الطوفان), وكان ملكاً ورعاً مطيعاً للآلهة, وكان حاكماً على بلاد سومر من عاصمته "شروباك", وهو الذي نفذ أوامر الآلهة في بناء الفُلْك, وإنقاذ نفسه ومن معه من الطوفان, وقد منح جراء عمله هذا, "حياة مثل الآلهة" – أي الخلود – وتنفساً أبدياً, ثم (نقل إلى دلمون ؛ المكان الذي تشرق فيه الشمس) . وهكذا تعين الأسطورة فردوس السومريين بأرض دلمون(31) .

ففي أسطورة (جلجامش وأرض الأحياء) السومرية, نعرف أن جلجامش بعد أن عرف مصيره ؛ الموت عاجلاً أو آجلاً ؛ قرر السفر إلى (أرض الأحياء) . ويرى بعض الباحثين أن, وجهة جلجامش كانت نحو بلاد دلمون ؛ لأنها أرض الحياة الأبدية وموطن الآلهة, والمكان الذي سيجد فيه صديقه "أوتو - نابشتم", صانع الفلك(32) .

إن (جلجامش وأرض الأحياء) نص تم تدوينه في عصر (سلالة أور الثالثة) (2111-2003ق.م), ويعد هذا النص من روائع الأدب السومري القديم, سواء بأفكاره, أو بأسلوبه, وبنائه الفني, وإيقاعه الذي يعتمد التكرار المؤثر . ويدور الموضوع هنا, حول انشغال جلجامش بفكرة الموت التي تلاحقه, وهو يرى المنية تختطف الناس من حوله, وبحثه عن طريقة يخلد فيها اسمه بعد مماته . فإذا كان لابد من الموت, فلا أمل من فعل جليل ؛ يترك لصاحبه ذكراً باقياً على مر الأزمان . ولذلك, يزمع جلجامش القيام بحملة على غابـــة الأرز البعيدة التي يسكنها ويحميها كائن وحشي مخيف اسمه (حواوا) :

إلى أرض الأحياء تاق السيد إلى السفر,

إلى أرض الأحياء تاق جلجامش إلى السفر,

فقال لخادمه إنكيدو :

"أي إنكيدو, إن الختم(33) والأجر لم يأتيا بالمصير المحتوم بعد .

ولسوف أدخل أرض الأحياء وأخلد لنفسي هناك ذكراً .

في الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي,

وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسم الآلهة" .

فأجابه إنكيدو :

"أخبر أوتو, البطل أوتو,

فتلك الأرض في رعاية أوتو, بلِّغ أوتو ."

فرفع جلجامش بيديه جِدْياً تام البياض,

وضغط إلى صدره جِدْياً أسمر, قرباناً,

وأمسك بيده صولجان سيادته الفضي,

وتوجه بالقول إلى أوتو السماوي :

"أي أوتو, إني لداخل أرض الأحياء فكن نصيري .

إني لداخل أرض الأرز الجبلي فكن معيني" .

فأجابه أوتو :

"إنك لمقاتل نبيل حقاً . لكن ماهي بغيتك من تلك الأرض ؟" .

"أي أوتو, سأتوجه إليك بكلمة علك تصغي إلي,

وكلام أسمعك إياه علَّك تنصت إليّ :

في مدينتي يموت الرجل كسير القلب,

يقضي الرجل حزين الفؤاد .

أنظر من فوق السور

فأرى الأجداث الميتة طافية في النهر,

وأرى أني سأغدو مثلها حقاً .

فالإنسان مهما علا, لن يبلغ السماء طولاً

ومهما اتسع لن يغطي الأرض عرضاً .

ومادام الختم والآجر لم يأتيا بالمصير المحتوم بعد,

سأدخل أرض الأحياء وأخلد لنفسي هناك ذكراً .

في الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي

وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسم الآلهة" .

تقبل أوتو دموعه قرباناً

وكرجل رحيم أظهر له من رحمته

(ثم أسلمه) سبعة جبابرة, وأخوة من أم واحدة .

الأول (.. .. ..)

الثاني, الأفعى السامة التي (.. .. ..)

الثالث, التنين الذي (.. .. ..)

الرابع, النار الحارقة التي (.. .. ..)

الخامس, الحية الهائلة التي تخلع الأفئدة (.. .. ..)

السادس, الطوفان المدمر الذي يطغى (.. .. ..)

السابع, البرق الوامض لا يصده شيء .

يلي ذلك تسعة وعشرون سطراً كثيرة التشوه, لكننا نفهم منها أن جلجامش قد جمع بعد ذلك خمسين متطوعاً يذهبون إليه, واشترط على مرافقيه أن يكونوا بدون بيوت يملكونها, أو زوجات وأولاد, ثم أعطى تعليماته إلى الحدادين ليصنعوا له ولمرافقيه أجود أنواع الأسلحة . وعندما أكمل استعداداته, شرع جلجامش في حملته ؛ فقطع بجماعته ستة جبال هائلة . وعند عبور الجبل السابع, توقف الركب للراحة, وهناك وقع جلجامش في سبات عميق وطويل, وحاول خادمه "إنكيدو" إيقاظه ولكن عبثاً :

هزه فلم يتحرك

كلمه فلم يلقَ جواباً :

" أيها المضطجع, أيها المضطجع,

أي سيدي جلجامش , إلى متى ترقد ؟

أظلمت الأرض, وانتشر الليل في كل مكان,

وهاهو الشعاع الأخير عند الغسق,

وأوتو قد مال رافع الرأس إلى حضن أمه نيجال(34)

فإلى متى ترقد يا سيدي جلجامش ؟

هل تترك من رافقك من أبناء مدينتك

يقفون بانتظارك عند سفح الجبل ؟

هل تترك أمك تجرجر أذيال الخيبة في ساحة المدينة ؟

وهنا, انتبه من غفوته .

نهض وقد جلَّلته الهيبة كرداء

ضم إلى صدره عباءته التي تزن ثلاثين شاقلاً(35)

وانتصب على الأرض كثور عتي,

ثم انحنى حتى لامس فمه الأرض وبرزت أسنانه :

"أقسم بحياة أمي ننسون, وبأبي لوجال بندا

أني سأجابه ذلك الكائن, رجلاً كان أم إلهاً .

ستتوجه خطواتي قدماً نحو الأمام,

لا خلفاً نحو المدينة" .

وهنا ناشده خادمه المخلص "إنكيدو" قائلاً :

"إي سيدي, إنك لم تر ذلك الكائن,

ولم تعرف منه الخوف,

أما أنا, فقد رأيته ونال مني الهلع الشديد,

لذلك الجبار أسنان كأسنان التنين,

ووجه يشبه وجه الأسد .

انقضاضه أشبه بسيل عرم,

ومن جهته التي تلتهم القصب والشجر لا ينجو أحد .

فيا سيدي تابع رحلتك نحو تلك الأرض,

فإني عائد إلى المدينة .

سأخبر أمك بأمجادك فتهلل,

ثم أخبرها بموتك المرتقب فتذرف الدمع الغزير".



من كلام " أوتو-نبشتم " لجلجامش يخبره فيه أن كل ما يعمله الإنسان زائل لا يدوم



غير أن جلجامش, يأخذ بتشجيع إنكيدو, الذي انتابته نوبة هلع ؛ بعد أن أيقن أنهما لاحقان بـ (حواوا), مقتربان من مقره, حتى تعود الطمأنينة إلى نفسه . ويتابع الركب مسيرته إلى أطراف غابة الأرز, وهناك يشرع الرجال بقطع الأشجار حول عرين الوحش, فيخرج حواوا للانقضاض على الدخلاء, ولكن البطلين يتصديان له ويدخلان معه في معركة مميتة تنتهي بوقوعه بين أيديهما, فيأخذ في الاستعطاف من أجل الإبقاء على حياته, متوجهاً بالكلام أولاً إلى الإله أوتو, ثم إلى جلجامش بعد ذلك :

"أي أوتو, لم أعرف لي أماً ولدتني ولا أباً رباني

أنت من أوجدني في هذه الأرض ورعاني"

ثم التفت إلى جلجامش واستحلفه بالسماء والأرض والعالم الأسفل(36)

أخذه من يده وشده إليه .

فأخذت جلجامش به الشفقة,

وقال لخادمه إنكيدو :

"أي إنكيدو, لندع الطائر الحبيس يرجع إلى بيته

لندع الرجل الأسير يعود إلى حضن أمه" .

فقال إنكيدو لجلجامش :

"إن من لا حصافة عنده

سرعان ما يلتهمه نمتار (شيطان الموت) الذي لا تمييز عنده .

إذا عاد الطائر الحبيس إلى حضن أمه

فإنك لن ترى ثانية مدينة أمك التي ولدتك" .

وهنا قال حواوا لإنكيدو :

"ولقد أوغرت صدره ضدي يا إنكيدو,

أيها الأجير, لقد أوغرت صدره ضدي" .

وعندما نطق بهذا القول,

قطعا منه العنق,

وقدماه قرباناً لإنليل(37) وننليل(38) .

لقد دخل العديد من أفكار وعناصر هذا النص السومري في نسج الملحمة البابلية من خلال النص الأكادي, رغم الاختلاف الواسع بين النصين . فلدينا أولاً الدافع الذي قاد جلجامش إلى التفكير في مغامرته الجريئة هذه, وهو متشابه هنا وهناك, ويتلخص في الإحساس بالموت والرغبة في قهره عن طريق خلود الاسم والذكر .

النص السومري

"فالإنسان مهما علا لن يبلغ السماء طولاً,

ومهما اتسع لن يغطي الأرض عرضاً,

"أنظر من فوق السور

فأرى الأجداث الميتة طافية في النهر

وأرى أني سأغدو مثلها حقاً .

"ومادام الختم والآجر لم يأتيا بالمصير المحتوم بعد .

سأدخل أرض الأحياء وأخلد لنفسي هناك ذكراً .

في الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي

وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسم الآلهة .

النص الأكادي

"من ترى يا صديقي يرقى إلى السماء ؟

"الآلهة هم الخالدون في مرتع شمش أما البشر فأيامهم
معدودات وقبض الريح كل ما يفعلون .

" في الغابة هناك يعيش حواوا الرهيب هيا أنا وأنت نقتله .

"سأمضي أمامك ولينادي صوتك . تقدم . فإذا سقطت أصنع لنفسي شهرة .

"سأمد يدي وأقطع أشجار الأرز فأحفر لنفسي اسماً خالداً .

أما إنكيدو في كلا النصين فيعارض مشروع جلجامش, ويظهر مخاوفه من نتائجه, بينما يعمل جلجامش على تشجيعه وتحسين الأمر في عينيه .

النص السومري

"أي سيدي , إنك لم تر ذلك الكائن ولم تعرف منه الخوف .

أما أنا فقد رأيته ونالني منه الهلع الشديد

لذلك الجبار أسنان كأسنان التنين,

ووجهه يشبه وجه الأسد .

انقضاضه كسيل عرم,

ومن جهته التي تلتهم القصب والشجر لا ينجو أحد .

النص الأكادي

"لقد عرفت يا صديقي,

عندما كنت أطوف البراري مع القطعان,

أن غابة حواوا تمتد عشرة آلاف ساعة مضاعفة .

فمن يستطيع المضي في أعماقها وحواوا يزأر فيها كعاصفة الطوفان ؟

في فمه نار وفي أنفاسه العطب .

ولدينا في كلا النصين صورة من نوم جلجــامش في الطرق قبل الوصول إلى مقر خمبابا(39)/ حواوا . والنصان مختلفان في التفاصيل وفي طريقة التوظيف .

النص السومري

"هزه فلم يتحرك,

تحدث إليه فلم يلق جواباً :

أيها المضطجع، أيها المضطجع .

أي سيدي جلجامش إلى متى ترقد ؟

وهنا انتبه من غفوته,

نهض وقد جللته الهيبة كرداء" .

النص الأكادي

أسند جلجامش ذقنه إلى ركبته وهبط عليه النوم ؛ راحة البشر .

وعند منتصف الليل انتبه .

رفع رأسه وقال لصديقه :

هل ناديتني أيها الصديق ؟

لماذا أفقت ؟

هل لمستني ؟

لماذا أنا خائف ؟"

وبعد أن يقع حمبايا "حواوا" بين يدي البطلين, ويدرك قرب نهايته, يأخذ بالتضرع إلى جلجامش الذي تأخذه الشفقة به, ويفكر بإطلاقه, لولا تحذير إنكيدو .

النص السومري

"التفت إلى جلجامش واستحلفه بالسماء والأرض

والعالم الأسفل,

أخذه من يده وشده إليه،

فأخذت جلجامش به الشفقة, فقال إنكيدو لجلجامش :

"إن من لا حصافة عنده,

سرعان ما يلتهمه شيطان الموت الذي لا تمييز عنده .

إذا عاد الطائر الحبيس إلى بيته فلن ترى ثانية مدينة أمك التي ولدتك ."

النص الأكادي – الترجمة الحثِّية

وهكذا أعلن حواوا الاستسلام وقال لجلجامش :

"أطلقني يا جلجامش تكن لي سيداً,

وأكون لك خادماً .

والأشجار التي رعيتها سأقطعها وأصنع لك بيوتاً .

ولكن إنكيدو سارع جلجامش بالقول :

لا تعر سمعاً لقول حواوا,

فحواوا لن يبقى على قيد الحياة .





من كلام " أوتو-نبشتم " لجلجامش



ومن ناحية أخرى فإن النص السومري يختلف عن النص الأكادي بعنصرين أساسيين, أولهما, صلة جلجامش بإنكيدو التي تبدو في النص السومري على أنها صلة السيد بتابعه, بينما يغدو إنكيدو في النص الأكادي صديقاً ونداً لجلجامش . وهذه الصداقة ذات بوادر واضحة في النص السومري, لأن إنكيدو كان تابعاً من نوع خاص ومميز, والصلة بينه وبين سيده ترقى إلى مستوى الصداقة .

وفي نصوص سومرية أخرى نرى جلجامش يخاطب تابعه مستخدماً صيغة أيها الصديق . أما عنصر الاختلاف الثاني الرئيسي فهو اصطحاب جلجامش لخمسين متطوعاً من رجال أوروك في حملته على غابة الأرز, بينما نجد البطلين في الملحمة البابلية يشرعان وحدهما في تلك المغامرة(40) .



الخلاصة
نستخلص من هذه الدراسة جملة من الحقائق :

1 – منذ اكتشاف النصوص الخاصة بأرض دلمون, وحتى اليوم, وعلماء المسماريات والآثار منكبين على تحديد موقعها الجغرافي, وتبين لهم أنها تقع ما بين بلاد سومر وإقليمي "ماكان" و "ملوخا" . كما أنها كانت مركزاً لتكديس الكثير من البضائع التي كانت تصدر منها إلى بلاد وادي الرافدين أو تستورد من هذه البلاد .

لذا ؛ فإن دلمون, لابد أن تكون إبان العصر السومري القديم (2900 – 2350 ق.م) والعصر السومري الحديث (2150 – 1900 ق.م) هي جزر البحرين على الأرجح .

2 – ظهر اسم "دلمون" لأول مرة في إحدى حوليات الملك السومري "أورنانشة" عام 2250 ق.م ملك لكش في العراق القديم, وقد أشارت إحدى كتاباتها الملكية بأنه جلب الخشب من إقليم دلمون .

3 – يرجح أن رحلة البطل السومري جلجامش, سادس ملوك سلالة أوروك الأولى, في العراق القديم وهي ثاني سلالة حكمت العراق القديم بعد الطوفان, كانت إلى دلمون, التي وصفت بأنها (أرض الأحياء), سعياً إلى الخلود, لأن جميع أوصاف هذه الأرض الطيبة, تطابق الجنان التي ورد ذكرها في الكتب المقدسة .

4 – ذهب بعض الباحثين إلى أن جزر البحرين (دلمون) كانت مقابر للسومريين, باعتبارها تربة مقدسة عندهم, مما يدل على الاتصال الثقافي المتين بين دلمون والعراق القديم .

5 – أثبتت التنقيبات والدراسات الحديثة التي أجريت في جزر البحرين, عمق الاتصال الروحي والحضاري ما بين بلاد سومر ودلمون, بدليل أن معظم اللقى الأثرية التي كشف عنها في جزر البحرين, لها ما يماثلها في بلاد سومر .

6 – أن الكثير من أسماء الآلهة التي جاء ذكرها في النصوص التي عثر عليها في جزر البحرين هي في الواقع آلهة, عبدت في أرض دلمون وسومر, من قبل جاليات دلمونية, كانت تسكن بلاد سومر, وهذا دليل أكيد على مكانة دلمون الروحية لدى السومريين, ولا عجب إذا ما اعتبروها (الفردوس) أو جنة عدن, التي قام جلجامش بالسفر إليها بحثاً عن الخلود .

عبد الجبار محمود السامرائي
اتحاد المؤرخين العرب

بغداد







(الهوامش)



1 – د. عبد الإله فاضل : (أهم الشخصيات ودورها في تاريخ العراق القديـــم) ؛ ضمن كتاب : (تاريخ العراق, قديمه وحديثه), شركة الوفاق للطباعة الفنية المحدودة, بغداد, 1998, ص106 .

2 – د. جعفر عباس شويلية, والدكتور حسين أحمد ســلمان : (أهم المظاهر الحضارية), ضمن المرجع الذي سبق ذكره أعلاه, ص96 .

3 – طه باقر : (ملحمة جلجامش) ط4, بغداد, 1980, ص76 .

4 – المرجع نفسه, ص135 .

5 – د. أحمد سوسة (مفصل العرب واليهود في التاريخ), ط5, بغداد, وزارة الثقافة والإعلام, 1981, ص428 .

6 – إنكي ENKI : إله الأرض, وإله المياه الجوفية, وتأتي مرتبته بعد مرتبة الإله (إنليل) ENLIL . وللإله إنكي تسمية أخرى في اللغة الأكادية هي : (إيــا) EA, وقد عدته النصوص المسمارية إله الحكمة ؛ الذي بحوزته النواميس الإلهية . ولذلك كانت الآلهة تستشيره في المواقف الصعبة, وتطلب إليه المساعدة . وبموجب قصة الطوفـــان فإن البشرية مدينة إلى الإله (إنكي)؛ لأنه رفع عنها الوباء والقحط اللذين أنزلهما (إنليل) لعقــــاب الناس, وهو الذي كشف عن قرار الآلهة بإحداث الطوفان العظيم إلى (أوتوا - نابشتم), وأمره أن يصنع السفينة .

وفي أساطير سومرية وبابلية أخرى, يشـــيد الإلـه إنكي بدور الإله الخالق للإنسان, كما جاء في قصة الخليقة البابلية, إذ تعالت أصوات الآلهة ؛ مطالبة بخلق بديــل يحمل عنها مشقة العمل من أجل إعمار الأرض, وأن الآلهة لاذوا بإله الحكمة الذي خلق الإنسان من الطين الممزوج بدم أحد الآلهة .

ينظر بحث الدكتور محمد عباس شويلية والدكتور حسين أحمد سليمان, الموسوم (أهم المظاهر الحضارية), ضمن كتاب (تاريخ العراق, قديمه وحديثه), بغداد, الطبعــة الأولى, شركة الوفاق للطبعة الفنية المحدودة, ص89 .

7 – المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في البحرين : حضارة البحرين من دلمون إلى تايلوس), مجلة (البحرين الثقافية), المنامة, العدد التاسع, ربيع الأول – ربيع الثاني 1413هـ / أيلول (سبتمبر) 1992م, ص91 .

8 – أوتو UTU : ويسمى (شمش) . هو إله الشمس في السومرية, وشمش في البابليــة, على الرغم من أنه في جملة الآلهة الرئيسية ؛ إلا أنه يأتي في المرتبة التي تلي مرتبة إله القمر, وهو ابن إله القمر (سين) . ويظهر الإله أوتو في الصباح من الجبال الشرقيـة, ويرتفع في السماء, ثم يغرب في الجبال الغربية . ويستطيع الإله شمش أن يكشـف بضيائـــه الظلمات, وهو قـادر على رؤية كل شيء . لذلك, عُدَّ إله العدل والحق, وقالـوا عنه أنه الإله الذي لا يخفى عنه سر .

وحسب المعتقدات السومرية ؛ فإن الإله الشمس ؛ يغور ليلاً في البحر, ويظهر في الصباح من بين الجبال . أما مشهد ظهور الإله أوتو, فمصور على الأختام الأســطوانية بهيئة رجل, تخرج من ظهره أحزمة الأشعة الشمسية, وقد صور على مسلة حمـورابي وهو جالس على العرش, ويمسك بيده الصولجان والحلقة, وقد لبس تاجاً له أربعة أزواج من القرون ولحية, وتنبعث الأشعة من كتفيه .

والإله أوتو (شمش), لا يختلف عن الإله (إنكي) من حيث نياته الحسنة نحو الآلهة والبشر . ففي ملحمة جلجامش, يساعد جلجامش وخادمه (أنكيدو) في قتـل حارس غابة الأرز (خمبابا), ويجد بديلاً عن الإلهة (أنانا) (عشتار) إلى العالم السفلي .

ينظر البحث المتقدم ذكره : (أهم المظاهر الحضارية), ص90 .

9 – ننخرساك : هو الإله (أنشاغ) ؛ إله دلمون الذي عثر على اسمه منقوشاً على الحجر في البحرين .

10 – د. منير يوسف طه : (جذوة الحضارة : دلمون), مجلة (آفاق عربية), بغـــداد, العدد التاسع, أيلول (سبتمبر), 1992, ص191 .

11 – السفن الشراعية : هي إحدى الاختراعات المهمة لعصر العبيد (4100 – 3300 ق.م) .

12 – الأبلام, جمع بلم : هو القارب الصغير, قيل أنها هندية الأصـل, وهي شائعة في العراق, وقيل بربرية, من لهجات البربر في المغرب العربي . وينسب إلى الفينيقيين اختراعهم ضــرباً من السفن يكثر فيه عدد المجدفين ويقال له (بيـبيــرام) ؛ أي مزدوج التجديف . أما ابن خلدون, فذكر (البلَّمند) بتضخيم اللام, منقولاً من لغة الإفرنجة . . تنظــر (مقدمة ابن خلدون), طبعة المكتبة التجارية, ص252 .

13 – المشحوف : جمعه مشاحيف, نوع من القوارب يستعمل في جنوبي العـــراق حتى اليوم . شكله يشبه الهلال .

14 – المردي, ضرب من الرماح طويل غليظ . وعادة ما كان أهل السفن يدفعونهـــا بواسطة المردي إذا كانت تجري عكس اتجاه الريح, ولا يخلو اســتخدام المردي لدفع السفينة من عناء, لأن الملاح يضطر إلى أن يمس قاع النهر بواسطته كأنه يركزه فيها, كيما تتحرك السفينة .

15 – باسم محمد حبيب : (هل وصل جلجامش إلى دلمون ؟), مجلة (آفاق عربية), بغداد, العدد المزدوج 9 – 10, أيلول – تشرين الأول (سبتمبر – أكتوبر) 2001, ص67 .

16 – الملك ميس كيا كاشر : أول ملوك ســـلالة أوروك بحسب إثبات ملوك السومريين . حكم 222 سنة, وهو رقم مبالغ فيه . جاء في ثبت الملوك أنه (وطــد جميع البلدان ونزل البحر), وأن هذا الملك سبق جلجامش .

17 – جلجامش : هو سادس ملوك سلالة أوروك الأولى, ثاني سلالة حكمت العراق القديم بعد الطوفان, بحسبإثبات الملوك السومريين . ورد أنه حكم 125 سنة, في حدود 2650 ق.م . ينسب إليه بناء سور الوركاء الذي تم العثور على بقاياه, وهو يعود لعصر فجر السلالات (3000 – 2350 ق.م .

18 – طه باقر : (ملحمة جلجامش), بغداد, الطبعة الخامسة, وزارة الإعلام, 1986, ص135 .

19 – المرجع نفسه, ص135 .

20 – طه باقر : مرجع سبق ذكره, ص138 .

21 – المرجع نفسه, ص138 .

22 – المرجع نفسه, ص139 .

23 – د. منير يوسف طه : (جذور الحضارة : حضارات الجزيرة العربيــة وعلاقاتها بالدول المجاورة) مجلة (آفاق عربية), بغداد, العدد الثالث, 1992, ص39 .

24 – طه باقر, مرجع سبق ذكره, ص143 .

25 - المرجع نفسه .

26 – تقدر مساحة الخليج العربي بـ 226 ألف كيلومتر مربع, وطوله زهاء 1000 كيلومتر, وعرضه زهاء 340 كيلومتراً في منطقة الوسط, و60 كيلومتراً في مضيق هرمز .

ينظر بحث الدكتور حسين حميد كريم : (مراجعة لتكوينية الخليج العربي), مجلة (الخليج العربي), جامعة البصرة, مركز دراسات الخليج العربي, العدد المزدوج 3 – 4 / 1986 .

27 – طه باقر : مرجع سبق ذكره, ص144-165.

28 – باسم محمد حبيب : مرجع سبق ذكره, ص70 .

29 – ملحمة جلجامش : تعد من أشهر وأقدم الملاحم الشعرية في تاريخ آداب الشعوب القديمة المدونة باللغة البابلية .

30 – أوتو – نبشتم : هو بطل الطوفان في المأثورات البابلية . ذكر أيضاً بهيئة (زيو-سيدار), في المأثورات السومرية .

31 – Pritchard, J : Ancient Near Eastern Texts (ANET) Princeton, 1969, p. 34 .

32 – د. رضا جواد الهاشمي : (المدخل لآثار الخليج العربي), منشورات مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة, 1980, ص25 .

33 – لا تتضح هنا علاقة الختم والآجر بالمصير المحتوم لكل إنسان وهو الموت . فالختم يطبع على طين طري ويترك ليجف أو يشوى في الفرن متحولاً إلى فخار عليه صورة الختم . وربما كان المقصود أن لكل إنسان ساعة موت معلومة مطبوعة في لوح القدر . فنحن نعرف من نصوص سومرية وبابلية أخرى عن وجود ألواح تدعى بألواح الأقدار ؛ يحتفظ بها عادة كبير الآلهة .

34 – نيجال : هي آلهة سومرية تمثل الأرض – الأم . والمعنى هنا أن الشمس قد آوت إلى حضن الأرض عند الغروب .

35 – الشيقل Gin : وحدة للوزن استخدمت في العهد السومري – الأكدي, تقابلها لفظة (شيقل) Siqlu باللغة الأكدية . وهي تعادل في أوزانها الحالية 8.4 جرام تقريباً, أو ما يعادل 60 شيقلاً صغيراً gin-tur أو 180 حبة Se من أوزان ذلك الزمن وتعادل الحبة نحو 46.75 ملليجرام من أوزاننا الحالية .

ينظر : حسن النجفي : (معجم المصطلحات والأعلام في العراق القديم), بغداد, دار واسط, 1982, ص84 .

36 – العالم الأسفل : هو عالم اللاعودة لدى سكان وادي الرافدين, حيث لم تتكون عندهم فكرة واضحة معينة عن الحياة بعد الموت (الحياة الأخرى), ولم يتصوروا عالماً آخر سوى العالم السفلي .

وتعد أسطورة نزول (إنانا) (عشتار) إلى العالم الأسفل من أهم الوثائق المسمارية عن معتقدات سكان بلاد وادي الرافدين الدينية, بخصوص عالم الأموات .

إن الموت في عقيدة العراقيين القدماء, لم يكن مطلقاً, وإنما كان مجرد انفصال الروح عن الجسد, حيث اعتقدوا بأنه ما إن يستقر الجسد في القبــر ؛ حتى تنزل الروح إلى عالم سفلي هو عالم الأموات, حيث تبقى إلى أبد الدهر . وبتعبير آخر : أن سكان وادي الرافدين لم يعتقدوا بوجود قيامة أو رجعة, كما كان يعتقد سكان وادي النيل القدماء, كما أنهم – أي العراقيين القدماء - أكدوا بقاء الصلة الوثيقة بين روح الميت في العالم السفلي وجسده في القبر .

كما أكد العراقيون القدماء ضرورة الاعتناء بدفن جثة الميت, وضرورة تقديــم القــــرابين, وإقامة الشعائر على روحه, وبعكسه, فإن الروح سوف لن تشعر بالراحة واعتقــدوا أن روح الميت تبقى على صلة بعالم الأحياء, فتسمع ما يجري فيه لسبعـة أيـــام بعد الموت, وأكدوا أن مكانة الروح في العالم السفلي, تحددها المكانة التي يحتلها الإنسان وهو حي .

ينظر للتوسع بحث الدكتــور جعفر عباس شويليــة والدكتور حسين أحمد سلمان : مرجع سبق ذكره, ص98 وما بعدها .

37 – إنليل Enlil : من أبرز الآلهة في بلاد وادي الرافدين, يتكون اسمه من مقطعين EN بمعنى (السيد) و lil بمعنى (الهواء) ؛ فيكون معنى اسمه (سيد الفضــــاء) أو (سيد الهواء) . يأتي هذا الإله بعد مرتبة الإله (آنــو) ؛ إله السماء ؛ لأنه أحد أبنائـــه . تذكر الملاحم الخاصة بخلق الكون, أن الإله (إنليل) هو الذي قــام بفصل السماء عن الأرض, وهو الذي خلق الفأس؛ أداة للعمل, والمحراث لتعليم الإنسان فنون الزراعــة . وكان مركز عبادته مدينة (نفَّر), (قرب مدينة عفك في محافظة القادسية بالعراق حالياً .

أما زوجة الإله (إنليل) فهي (ننليل) وله ابن هو إله القمر (سين) . أمــا تلقيب الإله إنليل بالجبل العظيم, فربما يرجع إلى قدرة الهواء على جلب العواصــــف الترابية الكبيرة أو الغيــوم الكثيفة التي تشبه الجبال العالية . وللإله إنليـــل مواقف سلبية تجاه البشــر والآلهة, فهو الذي قرر الطوفان العظيم الذي أباد كل البشر, باستثناء من أنقذهم (أوتو – نبشتم) في سفينته .

38 – S.N. Kramer, Sumarian Myths and Epic Tales (in : James Pritchard. Edit. Ancient Near Eastern Texts, Princeton, New York 1969 .

39 – خمبابا Humbaba : هو الإله الذي يحرس غابة أشجار الأرز . وقد استطاع جلجامش في ملحمته أن يقتل هذا الإله ويحصل بذلك على أخشــاب الأرز . وذكر (خمبابا) أو (همبابا) باسم (خواوا) أو (حواوا) أيضاً .

ينظر حسن النجفي : مرجع سبق ذكره, ص95 .

40 – فراس السواح : جلجامش, ملحمة الرافدين الخالدة), منشورات دار علاء الدين, الطبعة الأولى, دمشق, 1996, ص41-50 .