#ملحديين


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الأخوة الأعزاء جميعاً


الإلحاد موقف فلسفي وليس موقفاً علمياً


لا يمكن للفلسفة أن لا تطل برأسها في كل ميدان للفكر فيه مدخلية، فهي صاحبة القرار في إبراز (الأنا) البشري في كل حين وعلى اي حال، وليس للفلسفة ند غير الدين، لأنها تعلم تماماً ان الدين هو موقف فكري من الحياة والكون، وقد اخذت منهجها منه، بمعنى انها أخذت نهج الدين لمبارزة الدين، فتراها تطل برأسها في التاريخ، فتزيف حركته باتجاه تمجيد الطغاة وتلميع صورهم على حساب الصالحين وأصحاب الأفكار الإنسانية من الانبياء والمرسلين، وتجتهد في محاربتهم من خلال اثارة الشبهات في طريقهم، والعمل على تزييف سيرهم، وتحريف مقولاتهم، ولقد أوهمت الفلسفة أتباعها بأنها منبع الحكمة، على الرغم من أن سيرورتها التاريخية تثبت أنها الابن الشرعي للسفسطة، وهو مذهب يوناني في الفكر زعمت الفلسفة انها نشأت للرد عليه وتقويضه.


بعد صراعات ومواجهات بين المقولات الفلسفية والمقولات الدينية المحرّفة، لا سيما في أوربا دخلت البشرية عصرا جديدا سمي بعصر التنوير عصر الثورة العلمية بالمعنى المادي الحسي المستند الى التجربة، والتجربة فقط، هنا ماذا حصل؟! تقهقرت الفلسفة، وراح ينحسر الدين نتيجة الانبهار بمعطيات العلم المادي، وانحسار الدين ليس بسبب قصوره، بل بسبب جهل المتصدين لتمثيله الذين نصبوا أنفسهم ناطقين باسم الرب، والرب ودينه منهم براء، وهنا الفلسفة تقهقرت بعنوانها الصريح ولكنها لم تنسحب او تنزوي تماماً، بل لبست لبوس العلم، وأعلنت عن نفسها من خلال تزعمها للمقولات العلمية، فأوهمت الناظرين أنها رائدة التنوير والحاملة للوائه!!!


إن الفكر الالحادي ليس جديدا على الفلسفة، بل هو سر نشأة الفلسفة، فالفلسفة اذا ـ جاز التعبير ـ هي عبادة (الأنا) التي تقابل الدين القائم على عبادته (هو) سبحانه، استغلت الفلسفة انشغال رجال الدين لاسيما الكنسي بمهاتراتهم، وعملت على ركوب موجة العلم، وحملت سلاحه ومشعله، وراحت توهم الناس أنها تهديهم بنور المشعل الى الصواب، ولكنها بيدها التي في الظلام كانت توسع خاصرة الدين طعنا مميتاً، ولاشك في أن الدين شارف على الموت لولا ظهور المنقذ، ذاك ان الإلحاد اكتسح الساحة الفكرية البشرية موهماً إياها أنه مستند الى معطيات العلم، يساعده وبصورة كبيرة على هذا الوهم موقف المؤسسات الدينية من مقولات العلم ومعطياته لاسيما على مستوى الأحياء التطورية، أو الفيزياء الكونية، فضلا عن السيرورة العلمية لحركة التاريخ، وكيف لعب الإلحاد على هذه الورقة الخطيرة مستفيدا من تحريف الكتب الدينية للطعن في مصداقيتها، ومصداقية المبعوثين بها، ومن ثم إنكار أن يكون هناك باعث من وراء تلك الكتب الدينية التي طالتها يد التحريف قصدا وجهلا لاستعباد الناس.


ولذلك نرى احد كبار الملحدين يعبر عن سعادته الغامرة من موقف الكنيسة وما تعلمه لأتباعها حول بطلان التطور، ليجد في جهل أولئك فرصته السانحة للقضاء على الدين قضاء مبرما، لأنه يتوهم ان الكنيسة هي من يمثل الدين، ولم ينتبه على ان الكنيسة أخذت قدسيتها من الدين، وفسادها لا يعني فساد الدين، فالدين قدسيته ذاتية فهو القدسية والقدسية هو عينها، ولذا من يلتصق به يتقدس، والكنيسة لم تلتصق به، بل زعمت انها تلتصق به من خلال ما تظهره، ولكن كشف زيف التصاقها بالدِّين موقفها من معطيات العلم المثبتة، التي تحدث عنها الدين قبل ان يكتشفها البشر، ولكن جهلها أولئك الذين يزعمون انهم رجال دين فضلوا وأَضَلُّوا.


ما أريد قوله في هذا المقال: إن الإلحاد لا علاقة له بالعلم، بل هو ركب موجة العلم ليوهم الناس أنه قائدها ورائدها، وهو لا هذا ولا ذاك، فالمعطيات العلمية بذاتها لا تختلف مع الدين، فضلا عن كونها لا تتقاطع مع مقولات الدين أبدا، بل الذين تقاطعوا مع المقولات العلمية هم رجال دين بنوا مجدهم الزائف على تجهيل الناس باسم الدين، والدين منهم بريء تماماً، كبراءة الذنب من دم يوسف عليه السلام، بل لعل من المفيد الإفصاح عن أن المؤسسات الدينية أنشئت لمحاربة الدين الحق باسم الدين، وحصل ما اسماه الدكتور الحرّ شريعتي بـ(دين ضد الدين).


ومن هنا علينا أن ننتبه على أن الفلسفة لا تفتأ تقفز أمامنا كلما فترت اعيننا عن النظر الى الدين، او ان انظارنا انصرفت عن الدين الحقيقي إلى الدين الزائف، فالدين الحقيقي هو المنظار الذي نرى به الأشياء على حقائقها، والفلسفة كذلك هي منظار ولكنه يُرينا الأشياء بحسب ما نتخيلها ونتوهمها، والفارق كبيرٌ جداً بين حقيقة الشيء وصورته في الوهم البشري، وهنا يتوضح لدينا ان هناك منظارين للنظر إلى الأشياء، ونحن ممتحنون بالاختيار بين هذين المنظارين، إما أن ننظر بعين الدين لنرى الأشياء كما هي، او ننظر بعين الفلسفة (الأنا) لنرى الأشياء كما نتوهمها نحن؟!


وعين الدين هي عين إلهية لا تزدري العلم، ولا تطعن فيما ثبت منه بالدليل العلمي، وأما افتراضات العلماء فهي تبقى افتراضات وتخيلات، ولا يعني كون قائلها عالماً فهي مقولة علمية، ولذا علينا ان نفرق بين مقولة العلم التي هي مقولة مثبتة والدليل قائم على إثباتها، وبين مقولة العالم التي هي محض افتراض لم يقم الدليل العلمي على إثباتها، ومثال ذلك، ما قيل في نظرية التطور وآلية تطور المخلوقات فتلك مقولات علمية مثبتة، ولكن ما قيل عن أصل النشأة وآلياتها فهي محض افتراضات اقرب ما تكون الى الأساطير منها الى العلم، فالكلام في أصل النشأة هو مقولات علماء لم يقم الدليل على صحتها أو حتى قربها من الصواب، وما قيل عن التطور وآلياته فهي مقولات علمية مثبتة لا سبيل الى ردها والطعن فيها، وحتى النصوص الدينية ـ على وفق الفهم الالهي الصحيح ـ قد اشارت الى ما اثبته العلم، ولم تتقاطع معه كما يحاول الملحدون الترويج لذلك!!


ولعل من يتبين له الامر يرى ان الملحدين ـ وإن تلبسوا بلباس العلم ـ فهم لا يختلفون عن رجال الدين في عدم الانصاف، فهم في ميدانهم يفرّقون بين مقولات العلم المثبتة ومقالاتهم الافتراضية، ولكن عندما ينتقدون الدين ينتقدونه على أساس ان كلام رجال المؤسسات الدينية هو قول الدين، وهم يعلمون تمام العلم ان مقولات الدين هي غير مقولات رجال الدين، تماماً كما هو الحال مع العلم ورجاله، ولذا فالمواقف الفلسفية تبنى ابتداء، ولا تُستخلص من المواقف في غالب الأحيان، فالإلحاد بوصفه موقفاً فكرياً هو ابتداء طعن بعبادة (هو)، لينتصر لعبادة (أنا)، ومن ثم راح يبحث عن مبررات تقنعه ويُقنع بها غيره لتبرير موقفه من عبادة الله الواحد الأحد!!


والحمد لله وحده وحده وحده.


الاستاذ زكي الصبيحاوي
fb.com/Alsabehaoy10313

#الحل_أحمد_الحسن
----------------