عيد الربيع عند المصريين عمره آلاف السنين


عرض وتقديم/ مريم عبد المسيح

“شم النسيم” أو “عيد الربيع” الذى يحتفل به -الاثنين القادم-العالم كله على اختلاف شعوبه وأديانه وعقائده ، بمختلف مسميات العيد من عيد الربيع الى عيد النيروز فى الشرق أو الايستر فى الغرب ، هو هدية مصر مهد الحضارات ومهبط الأديان الى مختلف شعوب العالم القديم والحديث ،وجميع مايرتبط بالاحتفال بعيد الربيع من عادات وتقاليد اجتماعية أو طقوس وعقائد ،ترجع جذورها الى أعماق تاريخ مصر .

فمن أرض مصر ارتفع اول صوت فى البشرية ينادى بتوحيد الإله الواحد الأحد .

وعلى ارض مصر علت راية عقيدة التوحيد فى سماء مدينة اون قبل ظهور الرسل والانبياء بآلاف السنين وحمل كتاب التوحيد لمصر اسمها الذى احتفظت به عبر التاريخ وهو ” جب بتاه ” اى أرض الإله، وهي الأصل اللغوي الحقيقي لكلمة “قبط” والأقباط هم أهل مصر الأصليين.

كان أول اسم في عصر الأسرات أطلق على أرض سيناء إيب جب بتاه أي بوابة قلب الإله أطلق عليها عام 9500ق.م. وهو عمر سيناء الحقيقي الذي أرتبط بنزول كتاب التوحيد.

واليوم يحتفل المصريون بعيد شم النسيم، أقدم الأعياد المصرية حيث يرجع تاريخ الاحتفال به الي عام‏2700‏ قبل الميلاد، أي أواخر الأسرة الثالثة‏.‏

وقد كان احتفالهم بعيد الربيع الذي حددوا ميعاده بالانقلاب الربيعي وهو اليوم الذي يتساوي فيه الليل والنهار وقت حلول الشمس في برج الحمل‏.‏

وكانوا يتصورون كما ورد في كتابهم المقدس ان ذلك اليوم هو أول الزمان أو بدء خلق العالم‏.‏

وقد ورد فى بردياتنا المصرية المقدسة- أن ذلك اليوم هو أول الزمان أو بدء خلق الكون ،وأطلقوا عليه الكلمة الفرعونية “شمو” اى عيد الخلق أو بعث الحياة .

وقد تعرض الاسم للتغيير على مر العصور ،وأضيفت اليه كلمة “النسيم” لارتباط هذا الفصل باعتدال الجو وطيب النسيم.

**زهرة اللوتس للزوجة الحبيبة

وتعود المصرى القديم ان يبدأ صباح هذا اليوم – كما جاء فى البرديات القديمة – اهداء زوجته زهرة من اللوتس ،وكان القدماء يطلقون على هذا اليوم عيد الربيع ..وترتبط أعياد المصريين دائما بالظواهر الفلكية وعلاقتها بالطبيعة ومظاهر الحياة التى يعيشونها وأيضا الحياة الأبدية بعد الموت .

وقد حدد موعد الاحتفال بعيد الربيع باليوم الذى يتساوى فيه الليل والنهار حيث كان عيد الربيع فى التقويم الفرعونى القديم يقع فى الاعتدال الربيعى أى عندما تعبر الشمس خط الاستواء ويقابل ذلك يوم 21 مارس فى التقويم الميلادى الحديث .

**معجزة الرؤية

كانت مظاهر الاحتفال -كما وردت فى اكثر من بردية من برديات العقيدة الفرعونية – تبدأ بليلة الرؤية عند سفح الهرم الاكبر حيث يجتمع الناس فى الساعة السادسة مساء فى احتفال رسمى امام الواجهة الشمالية للهرم حيث يظهر قرص الشمس قبل الغروب خلال دقائق معدودة وكأنه يجلس فوق قمة الهرم .

تظهر معجزة الرؤية عندما يشطر ضوء الشمس واجهة الهرم الاكبر الى شطرين ايذانا بموعد عيد الخلق وبداية العام الجديد حيث يقوم الاله رع بالمرور فى سماء مصر فى سفينته المقدسة وبقرصه المجنح ثم يرسو فوق قمة الهرم الاكبر .. ثم يصعد الى السفينة مرة اخرى وقت الغروب لتكمل مسيرتها فيصطبغ الأفق باللون الاحمر رمزا لدماء الحياة التى يبثها الاله من انفاسه الى الأرض ليبعث الحياة فى مخلوقاتها وكائناتها من جديد .

وورد ذكر ليلة الرؤيا التى تعلن مولد الزمان وبعث الحياة فى أكثر من بردية من برديات العقيدة المصرية القديمة.

وهذه الظاهرة الفلكية لفتت انتباه عالم الفلك البريطانى “ركتور” الذى كان يؤكد فى دراساته الطويلة أن مختلف علوم المعرفة عند الفراعنة كانت ترتكز على علم الفلك وأسراره وأن مايطلق عليه كلمة “سحر” من خوارق ومعجزات ،ماهى الا نظريات علمية بحتة ترتبط بالظواهر الفلكية التى اتخذوا منها مفتاحا لفك كثير من أسرار المعرفة المقدسة المرتبطة بعلوم الحياة .

لذلك قام عالم الفلك البريطانى بدراسة دورة الشمس فى الافق فى يوم 21مارس وتحديد مرورها فوق قمة الهرم وقت الغروب ،وفى عام 1930 قام بالتقاط عدة صور خلال عشرين دقيقة ابتدأ من الساعة السادسة مساء يوم 21 مارس وذلك بالتحليق باحدى الطائرات فوق قمة الهرم وظهر قرص الشمس للعيان ،وكأنه يتربع فوق قمة الهرم وظهر ضوء الشمس وكأنه يشطر واجهة الهرم الى شطرين .

وفى عام 1934 قام العالم الفرنسى “اندريه بوشان” بمحاولة مماثلة باستعمال الأشعة تحت الحمراء ،حيث نجح فى التقاط عدة لقطات سريعة استغرقت ثلاث دقائق أمكن بواسطتها تسجيل تلك الظاهرة المثيرة التى فسرت حقيقة أسطورة الرؤيا وانشطار الهرم ليلة عيد الربيع ،الذى أصبح يأتى متأخرا عن موعده بضعة أيام نتيجة للتغير الحسابى الذى حدث فى السنة الشمسية خلال الآف السنين ،وهذا جعل علماء الفلك يؤكدون ان مختلف علوم المعرفة عند الفراعنة ترتكز على علم الفلك .

**من مصر إلي العالم

نقل اليهود عن المصريين عيد شم النسيم عندما خرجوا من مصر فى عهد النبى موسى عليه السلام واتفق يوم خروجهم مع موعد احتفال المصريين بعيدهم وأشارت كثير من المراجع التاريخية الى أن اليهود اختاروا ذلك اليوم بالذات للخروج من مصر وقت انشغال المصريين بأعيادهم ليتمكنوا من الهرب مع ما سلبوه من ذهب المصريين وثرواتهم .

ويذكر د.سيد كريم – استاذ التاريخ الفرعونى وصاحب العديد من الدراسات العلمية فى هذا المجال -فى دراسة له ان اليهود احتفلوا بالعيد بعد خروجهم واطلقوا عليه اسم “عيد الفصح” وافصح كلمة عبرية معناها الخروج او العبور ،كما اعتبروا ذلك اليوم “يوم بدء الخلق عند المصريين” رأسا لسنتهم الدينية العبرية تيمنا بنجاتهم او بدء حياتهم الجديدة
ثم انتقل عيد الفصح بعد ذلك الى المسيحية لموافقته مع موعد عيد القيامة – والذى يأتى دائما يوم الاحد من كل عام.

ولما دخلت المسيحية مصر اصبح عيدهم يلازم عيد المصريين القدماء “عيد الربيع” ويقع دائما يوم الاثنين اى اليوم التالى لعيد القيامة .

وفى العصر الاسلامى -خاصة فترة الحكم الفاطمى اتخذ الاحتفال شكلا اخر حيث يخرج موكب الخليفة ومعه كبار رجال الدولة ويتولى تنظيم هذا الأحتفال داعى الدعاة الفاطمى بمعاونة اثنى عشر نقيبا .

وعند دخول المسيحية مصر صادف وقت الاحتفال بعيد الربيع مع صيام المسيحيين وحتي تتاح الفرصة لجميع طوائف الشعب الاحتفال به تم الاتفاق علي ان يكون الاحتفال بعيد شم النسيم بعد الانتهاء من الصيام واحتفال المسيحيين بعيد القيامة المجيد‏.‏

ومنذ ذلك الوقت أصبح الاحتفال بعيد الربيع يأتي في اليوم التالي مباشرة لعيد القيامة الموافق دائما يوم الاثنين‏.‏

وقد أطلق قدماء المصريين علي ذلك العيد اسم عيد شمو أي بعث الحياة‏,‏ ورمز الأسم علي مر الزمن الي اسم شم واضافوا اليه كلمة النسيم نسبة الي نسمة الربيع التي تعلن وصوله‏.‏

ويضيف د‏.‏ سيد كريم قائلا وقد كان الناس يخرجون جماعات الي الحدائق والحقول ليكونوا في استقبال الشمس‏(‏ وجه الاله‏)‏ عند شروقها‏,‏ وقد اعتادوا ان يحملوا معهم طعامهم وشرابهم ويقضوا يومهم في الاحتفال بالعيد ابتداءا من شروق الشمس حتي غروبها وكانوا يحملون معهم أدوات لعبهم ومعدات لهوهم والات عزف موسيقاهم‏.‏

وتتزين الفتيات بعقود الياسمين‏(‏ زهر الربيع‏)‏ ويحمل الاطفال زعف النخيل المزين بالألوان والزهور وتقام حفلات الرقص الزوجي والجماعي والتوقيعي علي انغام الناي والمزمار ودقات الدفوف تصاحبها الاغاني والاناشيد الخاصة بعيد الربيع‏.‏ كما كانت تجري المباريات الرياضية والحفلات التمثيلية في الحدائق وساحات الميادين‏.‏

كانت صفحة النيل تمتلئ بالقوارب التي تزينها الزهور وغصون الاشجار ونقشت علي اشرعتها كلمات الترحيب والتهنئة بعيد الربيع‏.‏

مائدة شم النسيم

تشمل قائمة الاطعمة المميزة لمائدة شم النسيم‏:‏ البيض ـ الفسيخ والملوحة ـ البصل ـ الخس ـ الملانة‏.‏

بيض شم النسيم‏:‏

يعتبر البيض الملون من الاطعمة التقليدية التي فرضت نفسها علي مائدة عيد شم النسيم وجميع أعياد الربيع في العالم اجمع واصطلح الغربيون علي تسميته علي موائد اعياد الربيع باسم بيض الشرق لبدء ظهور البيض علي مائدة عيد الربيع منذ بداية احتفال قدماء المصريين بعيد شموا وعيد الخلق‏.‏

حيث كان البيض يرمز الي خلق الحياة كما ورد في متون كتاب الموتي واناشيد اخناتون الله وحده لا شريك له خلق الحياة من الجماد فأخرج الفرخ من البيضة‏,‏ كما صورت برديات منف الالة وهو يخلق الأرض ويكونها علي شكل البيضة التي شكلها من الجماد‏(‏ الطين‏)‏ ونفخ فيها الروح فدبت فيها الحياة‏,‏ وهكذا تصدر البيض مائدة شم النسيم كأحدي الشعائر المقدسة التي ترمز لعيد الخلق أو عيد الربيع‏.‏

أما فكرة نقش البيض وزخرفته فقد ارتبطت بدورها بعقيدة قديمة أيضا وهي اعتبارهم ان ليلة العيد هي ليلة القدر التي يستجيب فيها الاله لدعاء من يرجوه فكانوا ينقشون علي البيض الدعوات والامنيات ويجمعونه في سلال من زعف النخيل الاخضر ويتركونه في شرفات المنازل حتي تتلقي بركات نور الاله عند شروقه‏(‏ الشمس‏)‏ فيحقق دعواتهم‏.‏

وكانوا يبدأون العيد بتبادل التحية بدقة البيض ويعتقدون ان البيضة التي لا تنكسر هي التي استجاب الاله لدعوات صاحبها‏.‏

https://www.youtube.com/watch?v=lPSNjvK4zhw

*المصدر: كتاب لغز الحضارة – لعالم المصريات الراحل الدكتور “سيد كريم”