لقد أُجهد الأنبياء والأوصياء عليهم صلوات ربي في بيان حرفين من المعرفة والتوحيد ولم يقبلها منهم إلا بعض بني آدم بعد اللتيا والتي، والمطلوب اليوم والذي سيصار إليه غداً هو بيان سبعة وعشرين حرفاً من المعرفة والتوحيد.
عن أبي عبد الله (ع)، قال: (العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً) ([1]).
والمعرفة والتوحيد التي يمكن لبني آدم تحصيلها هي ثمانية وعشرون حرفاً، حرف منها اختص به آل محمد ص وهو سرهم, ما أمروا بإبلاغه للناس ولا يحتمله الناس.
عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسين، عن منصور بن العباس، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن محمد بن عبد الخالق وأبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (ع): (يا أبا محمد إن عندنا والله سراً من سر الله، وعلماً من علم الله، والله ما يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، والله ما كلف الله ذلك أحداً غيرنا ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا.
وإن عندنا سراً من سر الله وعلماً من علم الله، أمرنا الله بتبليغه، فبلغنا عن الله عز وجل ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حملة يحتملونه حتى خلق الله لذلك أقواماً، خلقوا من طينة خلق منها محمد وآله وذريته ص، ومن نور خلق الله منه محمداً وذريتـه، وصنعهم بفضل رحمته التي صنع منها محمداً وذريته، فبلغنا عن الله ما امرنا بتبليغه ، فقبلوه و احتملوا ذلك [فبلغهم ذلك عنا فقبلوه واحتملوه] وبلغهم ذكرنا، فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا، فلولا أنهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلك، لا والله ما احتملوه.
ثم قال: إن الله خلق أقواماً لجهنم والنار، فأمرنا أن نبلغهم كما بلغناهم واشمأزوا من ذلك ونفرت قلوبهم وردوه علينا ولم يحتملوه وكذبوا به وقالوا: ساحر كذاب، فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلك، ثم أطلق الله لسانهم ببعض الحق، فهم ينطقون به وقلوبهم منكرة، ليكون ذلك دفعاً عن أوليائه وأهل طاعته، ولولا ذلك ما عبد الله في أرضه، فأمرنا بالكف عنهم والستر والكتمان، فاكتموا عمن أمر الله بالكف عنه واستروا عمن أمر الله بالستر والكتمان عنه.
قال : ثم رفع يده وبكى، وقال (ع): اللهم إن هؤلاء لشرذمة قليلون فاجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم ولا تسلط عليهم عدوا لك فتفجعنا بهم، فانك إن أفجعتنا بهم لم تعبد أبداً في أرضك وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً) (2).
وعن أبي عبد الله (ع)، قال: (إنّ أمرنا سر في سر، وسر مستسر، وسر لا يفيد الا سر، وسر على سر، وسر مقنع بسر) (3).
وقال أبو جعفر (ع): (إنّ أمرنا هذا مستور مقنع بالميثاق ، من هتكه أذله الله)(4).
وقال أبو عبد الله (ع): (إنّ أمرنا هذا مستور مقنع بالميثاق ومن هتكه أذله الله)(5).
وقال أبو عبد الله (ع): (إنّ أمرنا هو الحق، وحق الحق، وهو الظاهر وباطن الباطن، وهو السر، وسر السر، وسر المستسر، وسر مقنع بالسر)(6).
وهذه الثمانية والعشرون حرفاً من العلم والمعرفة هي على عدد منازل القمر، أربعة عشر قمراً وأربعة عشر هلالاً كما هي في الشهر، وهم حجج الله وكلماته التي تفضل بها على العالمين والحج الأكبر.
الأقمار الأربعة عشر هم: (محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن ومحمد صلوات الله عليهم).
أما الأهلة فهم: (إثنا عشر مهدياً ولأولهم مقامان: مقام الرسالة ومقام الولاية، فيكونون ثلاثة عشر، ومعهم ابنة فاطمة الزهراء ع فيكونون أربعة عشر).
والأهلة منهم هم علامات الساعة والقيامة ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
واليوم الباقي من الشهر هو يوم غيبة الهلال والقمر، وهو عند الله ألف سنة وبعض الألف سنة ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
وهي موافقة لغيبة الإمام المهدي (ع) كما هو معلوم، فلابد له أن يغيب اليوم وبعض اليوم لتتم كلمة الله،
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمّىً﴾ ، وتتم أيام الله بالوصول إلى اليوم الأخير .
وهذا اليوم وبعض اليوم (يوم الغيبة) يمثل الحرف المخزون المكنون عند الله الذي لم يخرج منه إلى غيره، ولا يعلمه أحد من خلقه، وهو سر غيبة الحقيقة والكنه، وهو واو (هو). أما هاء (هو) فهي الثمانية والعشرون حرفاً التي لا يعلمها بتمامها إلا آل محمد ع، وهي سرهم كما قدمت. فالمطلوب - وهو التوحيد الحقيقي - معرفة الاسم الأعظم الاثنين وسبعين حرفاً،
وهي باطن الثمانية وعشرين حرفاً ، ليعرف بها العبد إنه عاجز عن المعرفة من دون الحرف الباقي ، فلا يبقى إلا العجز عن المعرفة، فلو عرفت م ح م من اسم محمد هل يقال إنك تعرف محمداً ؟ أم يقال إنك لا تعرف محمداً ؟ بل غاية ما تعرفه حروفاً من الاسم ولا يعرف الاسم إلا بكل حروفه.
والحمد لله الذي أنزل التوراة والإنجيل والقرآن فيها هدىً للناس وبينات من الهدى، ليحيى من يحيى عن بينة ويهلك من يهلك عن بينة ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .
والحمد لله وحده.
المذنب المقصر
أحمـد الحسـن

(من مقدمة كتاب التوحيد للامام احمد الحسن ع)
المصادر المستخدمة::
(1): بحار الأنوار : ج52 ص336.
(2): الكافي – الشيخ الكليني : ج1 ص402.
(3): بصائر الدرجات : ص 48.
(4): بصائر الدرجات : ص 48.
(5): بصائر الدرجات : ص 48.
(6): بصائر الدرجات – محمد بن الحسن الصفار : ص 48.