سؤال/ 40: ما علّة الحج، وما الغرض من الحــــج؟!!

الجواب: الحج في الإسلام باختصار هو الحضور في وقت معين من السنة في مكان معين، وهو بيت الله المحرم أو الكعبة، فلابد لنا من معرفة صفة الوقت والمكان أولاً. فالمكان: وهو الكعبة، إنما هو تجلي وظهور للبيت المعمور، وهو تجلي وظهور للضراح، والضراح في السماء السادسة وهي أعلى سماء ملكوتية مثالية، وبعدها السماء السابعة وهي سماء كلية لا مثالية. وإنما خلق الضراح بعد أن ردّ الملائكـة على الله سبحانه وتعالى لما أخبرهم بخلق آدم (ع)، فطاف عليه الملائكة ليغفر الله لهم ويتوب عليهم بعد إساءتهم واعتراضهم عليه سبحانه وتعالى (عن أبي عبد الله (ع) في حديث أنه قال: (... أما بدء هذا البيت فإن الله تبارك وتعالى قال للملائكة: " إني جاعل في الأرض خليفة " فردت الملائكة على الله عز وجل فقالت: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " فأعرض عنها فرأت أن ذلك من سخطه فلاذت بعرشه فأمر الله ملكاً من الملائكة أن يجعل له بيتاً في السماء السادسة يسمى الضراح بإزاء عرشه فصيره لأهل السماء يطوف به سبعون ألف ملك في كل يوم لا يعودون، ويستغفرون، فلما أن هبط آدم إلى السماء الدنيا أمره بمرمة هذا البيت وهو بإزاء ذلك فصيره لآدم وذريته كما صير ذلك لأهل السماء) الكافي: ج4 ص187، باب بدء البيت والطواف.).
وتجلّى الضراح في السماوات الخمس الأدنى من السماء السادسة فكان في كل سماء بيت مناسب لشأنها، يطوف عليه ملائكة تلك السماء؛ ليغفر لهم الله سبحانه وتعالى ويتوب عليهم، فكان في السماء الرابعة البيت المعمور (عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (ع)، قال: (قلت لأبي: لم صار الطواف سبعة أشواط ؟ قال: لان الله تبارك وتعالى قال للملائكة: "إني جاعل في الأرض خليفة" فردوا على الله تبارك وتعالى "وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" قال الله: "إني أعلم ما لا تعلمون" وكان لا يحجبهم عن نوره، فحجبهم عن نوره سبعة آلاف عام، فلاذوا بالعرش سبعة آلاف سنة، فرحمهم وتاب عليهم وجعل لهم البيت المعمور الذي في السماء الرابعة فجعله مثابة وأمناً ووضع البيت الحرام تحت البيت المعمور فجعله مثابة للناس وأمناً، فصار الطواف سبعة أشواط واجباً على العباد لكل ألف سنة شوطاً واحداً)
شرائع الإسلام : ج2 ص 406 – 407 باب 143 ح 1.)

وتجلى وظهر هذا البيت في الأرض فكان بيت الله الحرام أو الكعبة. فلما نزل آدم (ع) إلى الأرض طاف به فغفر له الله وأعلى مقامه وشأنه بفضله ومنه سبحانه وتعالى.
أما الوقت: فهو ذو الحجة، وأهم ما يتصف به هذا الشهر هو أنه الشهر الذي يخرج به الإمام المهدي (ع) في مكة ويرسل النفس الزكية لأهل مكة فيقتلونه بين الركن والمقام فيقوم بعد ذلك في العاشر من المحرم. إذن، فبيت الله وضع في السماوات لتطوف به الملائكة وتستغفر بعد اعتراضهم على حجة الله آدم (ع)، ووضع في الأرض ليطوف به آدم بعد تعدّيه على شجرة علم آل محمد أو شجرة الولاية.
﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ طه 115.: أي على تحمل الولاية لآل محمد (عن أبي جعفر (ع)، قال: (أخذ الله الميثاق على النبيين، وقال ألست بربكم، وأن هذا محمد رسولي وأن علياً أمير المؤمنين ؟ قالوا: بلى فثبتت لهم النبوة. ثم أخذ الميثاق على أولي العزم أني ربكم ومحمد رسولي وعلي أمير المؤمنين والأوصياء من بعده ولاة أمري وخزان علمي ، وأن المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي ، وأنتقم به من أعدائي واُعبد به طوعاً أو كرهاً. قالوا: أقررنا - يا ربنا - وشهدنا . لم يجحد آدم (ع)، ولم يقر، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي (ع)، ولم يكن لآدم عزيمة على الإقرار، وهو قول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) بصائر الدرجات : ص90 ح2.)، وهم حجة الله على آدم (ع)، فالطواف بالبيت إنما للاعتراف لحجة الله على الخلق بالولاية، والانصياع لأوامره وطاعته.
فعلة الحج هي الاستغفار عن التقصير في حق الحجة على الخلق (ع) في كل زمان، وهو في زماننا الإمام المهدي (ع). وقد ورد عنهم (ع) ما معناه: (إنما جعل الله الحج على الناس ليعرضوا علينا ولايتهم) (الكافي : ج1 ص392، باب أن الواجب على الناس بعد ما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام فيسألونه عن معالم دينهم ويعلمونهم ولايتهم ومودتهم له ، ح1 2 و 3.).
أما الغرض من الحج فهو التجمع في هذا المكان وفي هذا الزمان من كل عام ترقباً لقيام المصلح المنتظر المهدي (ع) للجهاد بين يديه، فهو صاحب الآذان في زماننا، إن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن: يأتوك أنت يا حجتي على خلقي لا يأتوني أنا، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾ (الحج : 27.).
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (الحج : 29.):
وقضاء التفث: أي التنظيف والتطهر، وهو يكون بحسب الظاهر قصّ الأظافر وحلاقة الشعر، أما بحسب اللبّ والحقيقة فالمراد منه لقاء الإمام الحجة (ع)، وحلاقة الشعر إنما تمثل التجرد من كل فكرة والتسليم للحجة (ع) والانصياع لأوامره.
وإنما سمي البيت العتيق؛ لأنّ من يطوف به يعتق من ذنب تقصيره مع الإمام المهدي (ع) الحجة على الخلق ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (الحج : 30.)،
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج : 32.)، فحرمات الله وشعائر الله هم حجج الله سبحانه وتعالى على الخلق.

-----------

أحمــــــد ألحســــــن