إلى المهدي يا مسلمين

لا أظن منصفاً، مطلعاً على تجارب الحكم التي شكلت حركة التاريخ – لاسيما في العصر الحديث، الذي شهد صداعاً ايديولوجياً لم تشهد له مثيلاً فترات التاريخ السابقة، بطولها وعرضها –، لا أظنه يشك في أن كل الصيغ، وجميع الطروحات قد ثَبُت فشلها الذريع، وبما لا يقبل لبساً، أو نقاشاً، وأن الإنسانية – التي لم تترك طريقاً، ولا منعطفاً، ولا زاغوراً، ولا حتى خرم إبرة، لم تتسكع في زواياها، وأرصفتها، أو تحشر رأسها في براميل قمامتها، وعلب سردينها حشراً – قد آن لها أن تلقي عصاها، ويستقر بها النوى، وتثوب أخيراً إلى رشدها.

لا الشيوعية أفلحت في تحقيق يوتوبياها التي سفحت على مذبحها أنهار الدم، ونثرت الأشلاء في كل مكان، ولا الرأسمالية، التي امتصت دماء الشعوب، وعمّدت العالم بالنار، والحروب، والفساد، قدمت الرخاء الذي وعدت الإنسانية به، وها هي، أخيراً، التجربة الإسلامية، أو المشروع الإسلامي المزعوم الذي يقوده، ويحمل لواءه الجهلة، والأغرار، وسفاكو الدم، وآكلو قلوب البشر، يتوعد العالم بطوفان من الفساد، والدماء، والموت الرخيص، غير المشرف.

المؤلم، إن المسلمين يتوقعون هذه النتائج، ويعلمون سلفاً أنها نتيجة حتمية أخبرتهم عنها النصوص التي يُفترض أن يكونوا مؤمنين بها، إلا أنهم، مع ذلك، لم يفكروا، ولو مرة، في تجريب الطريق الذي رسمته لهم السماء، وظلوا يسلسون قيادهم لمن هب ودب، غير متعظين بدرس، ولا متعبرين بتجربة، ولا زالت إلى اليوم، وربما غداً، تتخطفهم الذئاب، وتطمع بهم الضباع، ويركب ظهورهم الانتهازيون، وشذاذ الآفاق.

هناك، بطبيعة الحال، الكثير من العلل التي يمكن أن تُساق لتفسير – ولا أقول تبرير – غفلة المسلمين، بل استهتارهم بالحلول الربانية الحقيقية التي ينطوي عليها تراثهم الديني، لا أريد الخوض في تفاصيلها، وإنما أكتفي بالعنوان الذي يختصرها، وهو إن المسلمين، ربما لم يعودوا يحملون إسلامهم كهوية حقيقية، بقدر ما يحملونه بوصفه هوية موروثة وُلدوا عليها، لا أكثر. فالمسلمون، على المستوى الواقعي العملي، وحتى النظري في كثير من الأحيان، قد يكونون ليبراليين، أو شيوعيين، أو قوميين، أو غيرها من الأفكار، والعقائد المستوردة، وإن كانوا مسلمين حين يتعلق الأمر بالفروض العبادية، والشعارات، وما إلى ذلك.

إن أول خطوة على المسلمين، بجميع طوائفهم، وفرقهم، أن يخطوها هي أن يعودوا إلى دينهم، وما افترض عليهم من مبادئ، لا تتعلق بالتعاليم، والأسس التي ينبغي أن تحكم الواقع، والحياة حسب، وإنما، وبدرجة لا تقل أهمية، تتعلق بالأشخاص الذين يجب أن يمسكوا بدفة القيادة الربانية، وينبغي أن لا ينخدعوا بقول بعض المغرضين بأن الإسلام قد جُرب، وثبت فشله، فالإسلام الحقيقي لم يُجرب، وهؤلاء الذين يزعمون أنهم ممثلوه لا يمتون له بصلة، كما تشهدون بأم أعينكم.


عبدالرزاق هاشم الديراوي