بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مظلومية الكتاب العاصم

مع كل فاجعة تفجع بها الأمة نفسها بوصي من أوصياء محمد(ص) يُنكأ جرح الرزية، ويعود كيومه الذي وقع فيه، وكأن كل جيل من أجيال هذه الأمة لابد أن يسجل موقفا مع وصية محمد(ص)، فإما أن يكون من أتباع (حسبنا كتاب الله) المطرودين من حضرة النبي(ص)، أو من أتباع الشاهدين على كتابة ذلك الكتاب العاصم من الضلال، فليست مصادفة، ولا توارد أحداث أن يكون سبيل أوصياء آل محمد(ص) القتل سما أو بالسيف، فالأمة الرادة على رسول الله(ص) والحائلة بينه بين كتابه العاصم من الضلال كأنها تستنسخ نفسها، ولعل من رحمة الله أن يكون هناك ثلة من كل أمة هم الذين يجلون ويكشفون موقف الثلة المؤمنة التي تشرفت بالشهادة على كتابة الكتاب العاصم من الضلال.

ونحن نعيش أيام المصاب بالإمام الصادق(ص)، فرزية يوم الخميس يفتح جرحها بمصابه (ص)، فلو كانت الأمة أمضت وصية نبيها(ص) لمضت في قبول أوصيائه(ع)، ولكنها لما أبى سوادها واستكبر على الكتاب العاصم من الضلال، راح يترجم هذا الاستكبار والعناد لرسول الله(ص) مع كل وصي من أوصيائه(ص) لتبدأ مسيرة الالام والأحزان وطريق ذات الشوكة، ولعمري في كل مرحلة تاريخية يترجم سواد الأمة عن ذلك الموقف الذي وصمه ابن عباس بالرزية كل الرزية، وهنا علينا ونحن نعيش إعادة القراءة بتجدد زمن المصاب أن ننتبه إلى عبارة ابن عباس التي اوردها البخاري في صحيحه في (باب كتب المرضى)، وهي قوله: (الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله(ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم)!! وكأن القوم لم يقرؤوا قوله تعالى{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}(النساء/65)، فها هو القرآن يضع قانونا للحكم بالنزاع بين الناس؛ أن الحكم الفصل بينهم قول النبي(ص) أو حجته في كل زمان، فما بالك والقوم قد جعلوا النبي(ص) هو أحد طرفي الخصومة، وقد حالوا بينه وبين إمضاء حكم الله في إشهاد الأمة على كتابة الكتاب العاصم؟؟!!

حقا وصدقا هي رزية وأي رزية، لقد أثمرت تلك الشجرة الخبيثة كل خبيث، وقد سقاها رعاتها بدماء الطاهرين(ص) ظلما وعدوانا، ولذا يتجدد الحزن والألم بها مع كل مصاب يمر على الأمة وفاجعة بوصي من أوصياء محمد(ص)، وكأن الأمة المجمعة على شهادة؛ أن محمداً(ص) رسول الله!! بلسانها تقوم بترجمة هذه الشهادة بالواقع ترجمة منكوسة معكوسة فتقلبها رأسا على عقب، فلو كانت الأمة مؤمنة بأن؛ محمداً(ص) رسول الله كيف جاز لها الحيلولة بينه وبين كتابة الكتاب، وكيف جاز لها أن تنفذ جريمة قتل الكتاب العاصم من خلال قتل كل وصي وارد اسمه فيه؟؟!!

وهل انتهى الأمر مثلا عند الإمام الصادق(ص) وانتبهت الأمة إلى شنيع فعلها مع وصية رسول الله(ص)؟؟ لا لم تنتبه وذهبت بها عريضة كما يقال حتى صرنا نألف سماع القول الممجوج: إن رسول الله(ص) مات ولم يوصِ، وحمى هذا القول المنكر وصلت إلى أولئك الذين يدعون أنهم موالون لآل محمد(ص)، وليت شعري بأي دليل كانت تلك الولاية إن لم تكن بالتمسك بالكتاب العاصم من الضلال؟؟!! ولذلك لو تدبر القوم قول الله تعالى {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}(العنكبوت/2)، لعلموا تمام العلم بأنهم في كل زمان يفتنون بوصي من أوصياء محمد(ص)، ليعود امتحان الرزية مرة أخرى وهذا من باب العدالة الإلهية، فالعدالة تقتضي أن الأجيال كلها تخوض الامتحان ذاته لكي لا يرتفع صوت محتج عند تبدل الامتحان لو امتحنا كما امتحن من سبقنا لكنا أهدى منهم، فالامتحان نفسه هو هو، الكتاب العاصم من الضلال في كل زمان؛ من قبله فقد قبل رسول الله(ص) وشهد له قولا وفعلا، ومن لم يقبله لم يقبل رسول الله(ص) وإن بُحّ صوته بشهادة (أن محمدا رسول الله) لأنها شهادة باللسان لا واقع لها على الأرض ولا ترجمة لها في العمل، والله سبحانه ناظر إلى الأعمال لا إلى الأقوال، بل إن الأعمال كاشفة عن صدق الأقوال وكذبها، فمن طابق قوله عمله كان صادق القول، ومن خالف قوله عمله كان منافقا، وما أكثرهم!!!

إذن فرحيل الإمام الصادق(ص) عن هذا العالم هو إمضاء جديد لوصي من أوصياء محمد(ص)، وشهادة جديدة على أن هذه الأمة لا تريد التمسك بالكتاب العاصم، وهي بذلك مكذبة برسالة النبي(ص)، فرسالة النبي(ص) كلها في الكتاب العاصم، فمتى ما أقيم الكتاب العاصم وتمسك به الناس أقيم دين الله الذي هو دين محمد(ص) الحق، ومادام الناس إلى يومنا هذا لم ينتبهوا إلى أهمية هذا الكتاب وخطورته، تاركين للطواغيت اللعب بهم والعبث في دمائهم وأموالهم، فهم يجددون في كل زمان تلك الرزية العظيمة، الرزية التي أثمرت قتل الأوصياء وصيا بعد وصي والأمة تغط في نوم عميق وفراشها دماء الطاهرين(ص)، فراشها صوت يضج بالظلامة، والأمة كأنها لا تسمع أو تسمع ولا تفقه ذلك الصوت المحمدي الناطق بالقول الفصيح (إأتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا)، وبماذا أجابت وما زالت ـ للأسف ـ تجيب هذه الأمة؟! لسان حالها ومقالها يجيب: لا تقربوا له الكتف والدواة إنه يهجر وحسبنا كتاب الله!!!

أي مرارة هي مرارة أحزانكم ومصائبكم يا آل محمد(ص)، وأي صبر هو صبركم، ومرة أخرى لننتبه أن صبرهم العظيم الذي ثقل في السماوات والأرضين ها هو يثمر اليوم ببيعة قائم آل محمد(ص) ويمانيهم، فهذه الشجرة المباركة (شجرة الصبر) اليوم ألقت ثمرتها الزكية الطاهرة، اليوم جاءت الثمرة لتعلن أن يوم الانتصار لوصية رسول الله(ص) قد حان، وقد كان ثمرة هذا الصبر أن جعل الله سبحانه في هذا الزمان أمة مصدقة بالوصية التي بها عرفت داعي الله سبحانه عندما ارتفع صوته محتجا بالوصية فأجابته بالقول (لبيك لبيك)، وعلى الرغم من قلة هذه الأمة الناصرة إلا أن صوتها وصبرها وعملها كله واقع في سبيل نصرة هذا الكتاب العاصم، والله سبحانه ناصر من ينصر كتاب نبيه(ص) العاصم من الضلال، وخاذل من يخذله ...

فسلام عليك أيها الروح الطيب والبدن الطاهر والنفس الحبيب، السلام عليك يا مولاي يا صادق آل محمد(ص) ونحن نستذكر بيومك مرارة يوم جدك رسول الله(ص)، وهو ينظر انقلاب الأمة على الاعقاب بعد أن اجتهد بكل ما أوتي من قدرة وقوة على أن يجعلها تسير على الصراط الحق، وليت شعري لم يبق في واقعها ـ يال الحزن والأسى ـ من ذلك الصراط غير الخط والزبر ولقلقة الألسن، أما العمل فيكاد يندرس وتعفى آثاره، السلام عليك مولاي بقدر الالم الذي تجدد فيك وأنت ترى الأمة مرة أخرى تنكأ جرح الرزية وتدميه ....

والحمد لله وحده وحده وحده.
الاستاذ زكي الصبيحاوي