العقل أ هو مشرع أو دال على التشريع الحق؟!
يحاول الكثير التلبيس على الناس في هذه المسألة الدقيقة والمهمة، حيث ينطق أولئك أن الله سبحانه أعطى الإنسان جوهرة ليميز بها الصالح من الطالح، وتلك هي العقل فلماذا يسعى طائفة من الناس إلى تعطيل دوره وإنفاذ حكمه وقوله؟؟!! وهنا علينا أن ننتبه؛ العقل يميز بين الصالح والطالح يعني هناك صالح وطالح وهو مخير بينهما، وهذا القول هو غير القول القائل: إن العقل قادر على إنشاء الصالح!!! فعملية الإنشاء أو ما يسمى الاستنباط الفقهي هي استحداث حكم، وليس اختيار حكم من حكمين، ولاشك في أن الفرق واضح وكبير بين الحالين.
لذا ما علينا فهمه وإدراكه بدقة هو ؛ إن وظيفة العقل هي الدلالة على الصلاح لا إنشاء الصلاح واستحداثه، ولعل من المؤسف جدا أن نجد دارسين وباحثين كثر اختلط عليهم الأمر حتى أنه صار لديهم (الدليل العقلي) ليس دليلا حسب، بل هم لا يستعملونه دليلا بل يجعلونه مشرعا بعنوان كونه مصدراً من مصادر التشريع!! وهذا الفهم الذي سوقت له مدرسة السقيفة وتلقفه وارثوها؛ يتهم الله سبحانه والرسول(ص) أنه ترك دينا ناقصا، ولذلك احتاجوا للعقل كي ينظم إلى مصادر التشريع التي ذكرها الله سبحانه وذكرها رسوله(ص)، وهما الثقلان الوارد ذكرهما في حديث هو أشهر من نار على علم.
ولعل من أعجب العجائب أن المتشدقين بالدليل العقلي هم أكثر الناس تعطيلا لوظيفته الدلالية، وحالهم حال من كتب إعلانا لتوظيف (موظف علاقات عامة) ولما حصل على هذا الموظف استعمله في كل شيء غير الوظيفة المعلن عنها!!! فتعطلت وظيفته، واستعمل في غير مكانه، ولذا جر هذا الأمر الخطير على الأمة الويلات، فالأمة التي تتشدق بضرورة استعمال العقل هي ذاتها التي عدت ومازالت تعدو على العقول النيرة لتغتالها ليلا ونهارا، سرا وجهارا، من دون وازع يزع تلك المخلوقات عن هذا الفعل الشنيع الذي ترتكبه بحق من بعث ليكون عونا للبشرية للخلاص من مآزقها وأمراضها ومعضلاتها.
إن أوضح مثل لتعطيل الدليل العقلي هذا القول الذي يخرج به متشيعة اليوم كبارهم يلقنون صغارهم: إن رسول الله(ص) مات ولم يكتب الكتاب العاصم للأمة من الضلال!!! ويبررون وهمهم المريض بـ: أن الرسول(ص) لو كتب ذلك الكتاب الذي تنازع القوم فيه عند النبي(ص) لطعن فيه بدعوى أن النبي(ص) كتبه وهو يهجر، فلا اعتبار له ولا قيمة له!!!! ولعمري إن هذا العذر لهو أقبح من ذنب عمر وجماعته، فإذا كان ذنب عمر أنه منع الناس عامة أن يشهدوا نبيهم(ص) وهو يعهد بعهده لمن بعده، فالوارثون لهذا النهج وهم اليوم من المتشيعة يريدون طمس هذا الكتاب وإعفاء معالمه بعذر هو أقبح من الذنب، فكم هو مؤلم أن تستمع لشخص يحمل شهادة أكاديمية عليا ومعطى درجة علمية (أستاذ) وهو إلى اليوم يسبح بهذا المستنقع الآسن الذي أجبر الأمة على شرب الآجن كل هذه العصور المتطاولة؟؟!! فقد سمعته يتحدث عن قضية رزية يوم الخميس، والمذيع يسأله: هل كتب رسول الله(ص) ذلك الكتاب بعد أن طرد المنازعين؟؟ يجيبه وبضرس قاطع: لا لم يكتب!! ويعلل: لأنه لو كتب لطعن بذلك الكتاب وقيل كتبه بحال الهجر!! إذا كان الأكاديميون هم أكثر الناس تعطيلا للاستدلال العقلي فما بالك بمن يدرس تحت أيديهم؟؟!!
ولذا حق لنا أن ننصب مأتما على روح العلم، ونتعزى بقول آل محمد(ص) أنه في آخر الزمان؛ يأزر العلم كما تأزر الأفعى في جحرها!! وفي آخر الزمان يكاد لا يُرى عاقل!! أي والله يكاد لا يُرى عاقل، فأين العقول التي تنتبه ـ مجرد انتباه ليس أكثر ـ إلى أن حديث الثقلين الثابت عند الأمة كلها بلا استثناء فيه ركنان؛ الركن الأول: الكتاب، والركن الثاني: العترة (القيمون على الكتاب المنفذون له)، ومهندس الرزية أنطقه الله سبحانه واعترف بأحد الركنين وهو (الكتاب)، واعترض على الكتاب الذي فيه أسماء وتفصيل العترة، فهذا الأمر لا يحتاج إلى ثاقب نظر لمعرفته والانتباه له، وكذلك لا يحتاج الالتفات إلى أن القرآن لوحده من دون العترة يكون كتابا أو دستورا معطلا، والنبي(ص) المبعوث رحمة للعالمين وهو الراعي الصالح القائل: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، لا يمكن أبدا أن يترك رعيته هملا أو نهبة في أيدي الذئاب، لأنه لو فعل ذلك لسقط كونه راعيا صالحا، بل لسقطت نبوته، ولسقط كونه مبعوثا رحمة للعالمين، لأن عدم كتابة الكتاب يترتب عليه كل هذه المصائب، فضلا على أنه يؤدي إلى ضياع الدين، فهل يعقل أن يكون المبعوث الخاتم هو من يترك دين الله سبحانه بلا سور يحميه من عاديات الزمن؟؟!! خاصة إذا علمنا بأن الدين هو العترة والقرآن هو دستور الدين، وهذا الدين لابد من وجود سور يحميه من انتحال المنتحلين واغتصاب المبطلين، فكيف يترك رسول الله(ص) دين الله هكذا بلا سور يحميه ويصونه؟؟!! هل هناك من لديه مسكة عقل وليس عقلا دالا؛ يقول هذا القول الفاسد الظاهر الفساد؟؟!! وواقع الحال لا يقول بذلك غير الأحمق، أو من همه الطعن برسول الله(ص)، ومن ثم الطعن بالله العلي العظيم فهو صاحب الدين وعجز عن حفظ دينه!!!
الآن هل انتبهت أخي القارئ إلى خطورة القول أن رسول الله(ص) مات ولم يوص!! وما يترتب على هذا القول الفاسد من مفاسد عظيمة؟؟!! لا يمكن لعاقل أن تخطر له على بال، لأن مجرد خطرتها يعني طعنا بالله وبرسوله(ص) وبدينه وبأنبيائه ورسله وأوصيائه(ع)، هذا من جانب، ومن جانب آخر يدلنا عليه العقل السليم وهو: هل غلبت إرادة عمر وجماعته إرادة الله سبحانه ورسوله والمؤمنون الذين كانوا يريدون كتابة الكتاب العاصم؟؟!! وجهة ثالثة: هل صار في عرف الناس أن راعي الغنم إذا كانت لديه شويهات وحضرته الوفاة يوصي بشويهاته لأحد يقوم مقامه لرعايتهن والحفاظ عليهن أحكم من خاتم الأنبياء(ص)؟؟!! وهل هناك عقل سليم لا يقطع ولا يجزم بأن رسول الله(ص) الذي وصف الكتاب بأنه عاصم للأمة من الضلال إلى يوم القيامة، قد كتب الكتاب قطعا ولا يحول بينه وبين كتابته حائل مهما كانت الظروف؟؟!! ولذا نرى الآن بوضوح أن الطائفة التي تتبجح وتتغنى بالعقل والدليل العقلي هي أبعد الناس عن العقل واستعمال الدليل العقلي في وظيفته التي جعلت له، إنما جعل العقل دليلا على الخير، ولم يُجعل صانعا للخير أو منشئا له.
ومما أثار عجبي واستغرابي أن هذا الأستاذ الأكاديمي المتخصص بالتاريخ الإسلامي يقول: إن الرسول أوصى بثلاث وصايا شفهية بعدما طرد المنازعين!!! والله العجب لا ينقضي من هكذا عقول تقول ما لا تفقه، ولا تفقه ما تقرأ؛ أليس عذر الطعن على الوصية المكتوبة نفسه ينسحب على الوصية الشفوية؟؟!! أم أن باء الوصية الشفوية تجر وباء الوصية المكتوبة لا تجر؟؟!! ومن كان قادرا على أن يوصي شفويا هل يعجز عن كتابة الكتاب الذي سماه عاصما للأمة من الضلال؟؟ أليست هذه التناقضات الواضحة؛ القصد منها إمضاء موقف عمر المخزي في حضرة رسول الله(ص)، ويكون حال المتشيعة الملتزمين لهذا الرأي الغريب هو أسوء من حال عمر وجماعته، بل لعلي لا أكون ظالما لو قلت: إن أصحاب الرأي هذا لو كانوا حضروا الموقف لكانوا حتما من جماعة عمر إن لم يتخذوا موقفا أسوء من موقف عمر.
إذن علينا أن نفرق بين المتشدقين بالدليل العقلي وهم يستعملون العقل لغير ما جُعل له، وبين من يضع العقل والدليل العقلي في نصابه، فهذا حال القائلين بالدليل العقلي المشرع أوصلهم إلى الطعن في صميم الدين الإلهي وفي ركن من ركني تشريعه، وهم يزعمون بعد ذلك أنهم مسلمون، فهل هناك مسلم وليس مؤمن يمكن أن يخطر على باله خاطر بهذه الخطورة، وبهذه الجرأة على الله سبحانه وعلى رسوله(ص) ... ولكننا من جهة أخرى نقرأ هذا الموقف المخزي قراءة تعزز دليل الداعي المحتج بالوصية: فكما تآمر الأولون على الوصي ليبعدوه عن مرتبته التي رتبه الله سبحانه فيها، فهذه الطائفة نفسها اليوم استعارت رئة السابقين لتتنفس بها هذا النفس المسموم ذاته وتحارب الوصي المحتج بالوصية ... قال تعالى{وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}(التوبة/124-125).
والحمد لله وحده وحده وحده.
(الاستاذ زكي الصبيحاوي)