قصّة طوفان كلكامش... د. صلاح نيازي

وصل ﮔلـﮔـامش والملاّح "أور- شنابي" الى مياه الموت بعد ثلاثة أيام. كان على ﮔلـﮔـامش أن يقوم بالتجديف بحذر شديد لأن أيةَ قطرةٍ تمسّه من مياه الموت، ستودي بحياته. نُدْركُ على الفور من الدقة التي صُنِعتْ بها المرادي ومن عددها، مدى القلق الذي أصيب به ﮔلـﮔـامش. انتهت المرادي، قبل انتهاء الرحلة، فجعل ﮔلـﮔـامش ثيابه شراعاً إلى أنْ يصل إلى الإنسان الخالد أتو – نفشتم.
يسرد ﮔلـﮔـامش على "أوتو-نفشتم" أوّلاً، أسقامه، بفقد أنكيدو، يعدّد مآثره مرّة أخرى، ويكرّر كيف "أنه بكاه لستة أيام وسبع ليالٍ الى أن خرج الدود من أنفه"، ثم خاطبه:
"لقد طوّفتُ في كلّ البلاد، واجتزتُ الجبالَ الوعرة

وعبرتٌ كل البحار

لم أذُقْ طعم الموت اللذيذ

امتلأتْ أنسجة عضلاتي بالحزن

ما أن وصلت الى حانة بائعة الخمر

حتى بَلتْ ثيابي

قتلتُ الدبَّ والضبع والأسد والفهد والنمر

والظبي والأيل والوعل وكل حيوان البرّ ودوابه

أكلت لحومها واكتسيت بفروها.."

هكذا تغيّر ﮔلـﮔـامش من حالٍ الى حال، من إنسان مدني متحضر يأكل الخبز ويشرب الشراب المعتق، وينام على فراش وثير، إلى صياد هائم في البرية.

اتخذ "أوتو-نفشتم" دور الحكيم. حكمته واحدة. الموت مكتوب على الإنسان، كما هو مكتوب على البيت إنْ يتقوّض وعلى النهر انْ يمتلئ وينضب، وعلى اليعسوب أن يموت، وهو بعدُ، في أجمل ثيابه.
الآلهة وحدها هي الخالدة:
"ما من أحدٍ رأى الموت (1)

ما من أحد رأى وجه الموت

ما من أحد سمع صوت الموت (1)

هل نبني بيتاً يقوم الى الأبد؟

وهل نختم عقداً يدوم الى الأبد؟

وهل يقتسم الأخوة ميراثهم ليبقى الى آخر الدهر؟

وهل تبقى البغضاء في الأرض الى الأبد

وهل يرتفع النهر ويأتي بالفيضان على الدوام؟

واليعسوب لايكاد يخرج من شرنقه فيبصر وجه الشمس

حتى يحين أجله

ما من دوام وما من خلود منذ القدم (2)

ويا ما أعظم الشبه بين النائم والميت

ألا تبدو عليهما مخايل الموت؟

ومن ذا الذي يستطيع أن يميز

بين العبد والسيد اذا وافاهما الأجل؟

ان "الانوناكي" (3) الآلهة العظام تجتمع مسبقاً

ومعهم "ماميتم"(4) صانعة الأقدار تقدر معهم المصائر

قسّموا الحياة والموت

ولكنّ الموت لم يكشفوا عن يومه"

اذا كان الطموح ألدّ اعداء ﮔلـﮔـامش فإن المقطوعة –أعلاه- مكتوبة بفتور البديهيات لمعالجة ذلك الطموح، ولكنها بديهيات ترقى الى أعلى فلسفات الدساتير.

قدّم "أوتو- نفشتم" لفلسفته: "ما من احد رأى الموت". هكذا ببساطة: الموت لا يُرى ولا يُسمع. لا مزيد. ما من مفرّ. ولكننا نرى آثاره. نراه في البيت –وهو مأوى- حين يهرم ويتداعى، نراه في العقود الاجتماعية وهي تنفرط، نراه في ميراث الاخوة وهو فانٍ، نراه في بغضائهم وهي لا تدوم، في النهر وهو ينقص، نراه في اليعسوب وهو يموت في أجمل ثيابه.

مع ذلك فبديهية: "ما من أحد رأى الموت"، تبلغ أعمقَ فتورٍ قاتلٍ لها، حينما يقول "أوتو-نفشتم":
" ما أعظم الشبه بين النائم والميت

ألا تبدو عليهما مخايل الموت؟"
هل كان "أوتو- نفشتم" يتحدث عن تجربة شخصية؟ هل كان يصف نفسه بأنه حيّ وميت في آنٍ واحد؟ بأنه فانٍ وخالد في آن واحد.
قال ﮔلـﮔـامش لـ"أوتو-نفشتم":
"ها أنذا أنظر إليك يا "أوتو-نفشتم"

فلا أجد هيئتك مختلفة، فأنت مثلي لا تختلف عني

أجل، أنت لم تتبدلْ بل إنك تشبهني

لقد تصوّرتك كاملاً كالبطل على أهبة القتال

فإذا بي أجدك ضعيفاً مضطجعاً على ظهرك

فقلْ لي كيف دخلتَ في مجمع الآلهة ووجدت الحياة (الخالدة)؟" (سننظر في هذا المقطع لاحقاً).
يسرد بعد ذلك "أوتو-نفشتم" على ﮔلـﮔـامش، كيف أن الآلهة كانوا قد قرروا على إحداث الطوفان. وكيف أن "أيا" نصحه أن يبنيَ له سفينة، وأن يحمل فيها بذرةَ كلّ ذي حياة".
يقول أوتو-نفشتم:
"كمُلَ بناء السفينة في اليوم السابع

وكان إنزالها الى الماء صعباً

بات عليهم أن يبدلوا الأثقال في الطوابق العلوية والسفلية

إلى أن غطس في الماء ثلثاها"

من مهارات شاعر الملحمة، أنه يجعل الصور التاريخية التي تخيّلها ولم يشهدْها، واقعية ملموسة، بواسطة ذِكْر تفاصيل دقيقة، وكأنّه كان شاهد عيان. ففي المقطع أعلاه جعل صعوبة إنزال السفينة واقعاً ملموساً بتبديل الأثقال. أي أنه مطط في الزمن. ولو اكتفى الشاعر بتبديل الأثقال فقط لكانت صورة عادية سرديّة، ولكنه حينما أضاف: "في الطوابق العلوية والسفلية" جعلها أكثر خصوصية وكأنه رآها بعينه.
يظهر تمطيط الزمن ومن ورائه تكبير الصعوبة في البيت الأخير: "إلى أن غطس في الماء ثلثاها". وهكذا ما بين إبدال الاثقال، والغطس زمن ممتلئ بالقلق. وحينما ذكر الشاعر: "ثلثاها"، جعل الصورة ملموسة وكأن الشاعر كان، كما قلنا، بين الحضور، يراقبها بانتباه.
يقول "أوتو- نفشتم":
"وحملتُ فيها كل ما أملك

وكل ما عندي من فضة حملته فيها

وحملتُ فيها كل ما أملك من ذهب

أخذتُ في السفينة جميع أهالي وذوي قرباي

وحملت فيها كل ما عندي من المخلوقات الحية

أخذت فيها حيوان الحقل وحيوان البرّ

وجميع الصناع".

ثم عمَّ الظلام، وعمّت الفوضى في الأرض، "وتحطّمت البلاد الفسيحة كما تتحطّم الجرّة"، و"الأخ لا يبصر أخاه":
"وحتى الآلهة ذعروا من عباب الطوفان
فهربوا وعرّجوا إلى سماء "آنو"

لقد استكان الآلهة

وربضوا كالكلاب حذو الجدار".

في اليوم السابع خفّت زوابع الطوفان، وهدأ البحر، و"استقرت السفينة على جبل "نصير"، وبعد سبعة أيام أُخر "أطلق "أوتو-نفشتم" غراباً فراح ولم يعد. فاستدل بأن الطوفان قد انتهى وأن اليابسة ظهرت.
حينما علم انليل، بنجاة اوتو- نفشتم غضب أوّل الأمر وقال: "عجباً كيف نجتْ نفس واحدة/ وكان المقدّر ألاّ ينجو بشر من الهلاك". ولكن نتيجة تقريع الآله "أيا" له، عدل عن رأيه.
يقول "أوتو-نفشتم":
"ثم صعد "انليل" فوق السفينة

وأمسك بيدي وأركبني معه في السفينة

وأركب معي أيضاً زوجتي وجعلها تسجد بجانبي

ووقف ما بيننا ولمس ناصيتنا وباركنا قائلاً:

لم يكن "أوتو-نفشتم" قبل الآن سوى بشر

ولكن منذ الآن سيكون وزوجته مثلنا نحن الآلهة

وسيعيش بعيداً عند "فم الأنهار"

ثم أخذوني بعيداً، وأسكنوني عند "فم الأنهار"
قال "أوتو-نفشتم" لـ: ﮔلـﮔـامش تعال لأمتحنك، إذا أردتَ الخلود. لا تنمْ ستة أيام وسبع أمسيات. إلاّ ان النوم "تسلّط عليه كالضباب، منذ اللحظة الأولى".

(لنتذكر أن ﮔلـﮔـامش لم يدفن أنكيدو إلاّ بعد ستة أيام وسبع ليالٍ)
خاب ﮔلـﮔـامش في الامتحان. الموت محتم. قال:
"في مضجعي يقيم الموت

وحيثما أضع قدمي يربض الموت"

في هذه الأثناء يطرد "أوتو- نفشتم" ملاّحه "أور- شنابي" لأنه هو الذي جاء بـ: ﮔلـﮔـامش. وأمره أن يأخذه ليغسل أوساخه، ولينزع عنه جلود الحيوانات. أمره أن يساعده في تجديد عصابة رأسه، وليلبس حلّة تستر عريه. (كأن النظافة جسداً وهنداماً هنا، صدى لما قالته له صاحبة الحانة سيدوري).

يبدو أن "أوتو- نفشتم" حاول أن يعيد ﮔلـﮔـامش إلى تحضّره، تماماً كما فعلت شمهات بأنكيدو ساعة أدخلته إلى أوروك.
حينما ركب ﮔلـﮔـامش و"اوتو-نفشتم" في السفينة للعودة إلى أوروك، قالت زوجة "أوتو- نفشتم" لزوجها، إن ﮔلـﮔـامش عانى ما عانى، فلماذا لا تعطيه بعض أمل. وهنا نادى "أوتو- نفشتم" على ﮔلـﮔـامش، وكشف له عن سرّ من أسرار الآلهة:
"يوجد نبات مثل الشوك ينبت في المياه

وشوكه يخز يديك كما يفعل الورد

فإذا ما حصلت عليه

وجدت الحياة (الجديدة)"

وفعلاً عثر ﮔلـﮔـامش على ذلك النبات في المياه العميقة. إنه يعيد نشاط الحياة. "يعود الشيخ الى صباه كالشباب"، هذا هو الاسم الذي أطلقه ﮔلـﮔـامش على ذلك النبات.

قرر ﮔلـﮔـامش أن يحمل النبات إلى أوروك حتى يُشرِك معه أهلها على أكله. وبعد رحلة طويلة توقفا ليبيتا ليلتهما. وحين أبصر ﮔلـﮔـامش بئراً باردة الماء، نزل ليغتسل. في هذه الأثناء شمّت الحية رائحة النبات، فاختطفته ونزعت عنها جلدها.
هكذا أراد ﮔلـﮔـامش أن يمحق الشرَّ فقتل خمبابا، وها هو الآن يجدد شباب الشرّ المتمثل بالأفعى رغماً عنه.
بكى ﮔلـﮔـامش، لأنه فقد الأمل أولاً، ولأن عدوّه الشرّ تخلّد.
واصلا السير الى ان بلغا "أوروك"، فقال ﮔلـﮔـامش لـ"أوتو-شنابي":
"إصعد، وامش فوق اسوار اوروك

وافحص أسس أسوارها وانظر الى آجر بنائها

وتيقنْ أليس من الأجرّ المفخور

وهلاّ وضع الحكماء السبعة أسسها

ان شارا واحداً خصص للسكن

وشارا واحداً لبساتين النخل

وشارا واحداً لسهل الريّ

بالإضافة إلى حارة معبد "عشتار"

على هذا تكون الملحمة قد أكملت دورتها العجيبة. ابتدأت بالمدينة وانتهت بها. ولكن مما يدعو إلى العجب، أن راوية الملحمة اختفى من خشبة المسرح، وهاهو ﮔلـﮔـامش نفسه، يأخذ دوره. النظارة اختفوا كذلك ولم يبق مع ﮔلـﮔـامش إلاّ "أوتو- شنابي"، وكأنه بشرح تفاصيل بناء "اوروك"، كفَّ عن طلب الخلود، واكتفى منه بالذكر الحميد.
هل اكتشف ﮔلـﮔـامش بعد كل تلك المغامرات الجسدية والروحية أن الحياة مبنيّة على التوازن بين الخير والشرّ. الملحمة بكاملها ترثي اختلال ذلك التوازن ومشكلة ﮔلـﮔـامش الأساسية هي في العلاقة بين ثلثيه الإلهين وثلثه البشري. فات على ﮔلـﮔـامش أن الشرّ لا بدَّ منه. أراد ان يجتثّ الشرّ عندما قتل خمبابا ولكنْ خلّده بالأفعى، كما أسلفنا.
يقول ستيفن ميشيل:

"أن تدحر الشرّ: نعم

أن تجتثّ الشرّ: لا"

انطباعات عن قصة الطوفان

حتى يكون الطوفان حادثاً قابلاً للتصديق فنّياً، اتبع شاعر الملحمة أساليب مختلفة. أوّلاً لأنها جاءت على لسان بطل سفينة الطوفان (أوتو- نفشتم) ذلك الإنسان الخالد، ولأن سامعها هو كلكامش الذي اخترق الجبال والوديان وعبر مياه الموت حتى يستمع لتلك القصة بكل جماع قلبه، ولكل حذافيرها الدقيقة. مصيره يتوقف عليها.
حتّمت الحالة النفسية المريعة التي كانت تعصف بكلكامش، أن يتشرّب كل كلمةٍ يتفوه بها أوتو- نفشتم. بكلمات أخرى أصبح كلكامش المسكون بالشيخوخة والموت يتلقى كلمات أوتو- نفشتم وكأنها دواءٌ ناجعٌ لكلّ أدوائه، أو ما يسمّى بالإنكليزية: Panacea.
عموماً نفتش في الفن عن عزاءٍ ما. قد نجده، ولكنّ كلكامش لم يكنْ يفتش عن عزاء، بل عن إكسير. بهذه الحيلة الفنّية، نقل شاعر ملحمة كلكامش، الفن من مواساة الى وصفة طبية، من شئٍ كمالي إلى ضرورة، لا سيّما وقد صوّر الشاعر انهيارات كلكامش النفسية، أي أنه في أضعف حالة، لتلقّي العلاج.

أما من حيث الأسلوب الأدبي فقد مهّد الشاعر للطوفان، بأمرٍ سماوي لابدّ واقع. لكنّ إلها من بينهم اسمه ننْ-ايكي-كو، كان رحيماً بالبشر. نزل ليحذر أوتو– نفشتم من الطوفان ولكن بصورةٍ غير مباشرة. وبدلاً من مخاطبته، راح يخاطب كوخه قائلاً:
"يا كوخ، يا كوخ القصب، يا جدار، يا جدار

إسمعْ يا كوخ القصب، وافهم يا حائط"

نرى الشاعر هنا قد خاطب الجماد، ولم يخاطب الانسان. لماذا؟ لا بدَّ أن لهذه التقنية تأثيراً أكبر، لأنه بهذه الطريقة،إنّما كان يخاطب ما لا طاقة له على الرفض. لأنّه هشّ من قصب، وسيكون أكثر هشاشة أمام الطوفان.
حينما قال الشاعر يا كوخ، انتظر. أو كأنه انتظر. ما من جواب. عندئذ خصص أكثر، فقال: يا كوخ القصب. بهذه الحيلة اي حيلة التكرار والتخصيص، جعل الشاعر الحدث وكأنه وقع فعلاً. فلو قال: يا كوخ يا كوخ، لما كان له نفس وقع: يا كوخ القصب، وكأنه أشرك حاسة البصر فيما يقول.

التفت الشاعر بعد ذلك الى الجدار: يا جدار يا جدار. وبإدخال حاسة السمع الى الكوخ: "اسمع يا كوخ القصب"، والعقل الى الحائط: "وافهم يا حائط"، جعل الشاعر أن ما سيقوله الراوية شئ جلل. وفعلاً ينتقل الراوية الى ساكن البيت مباشرة:
"قوّض البيت وابنِ لك فلكاً (سفينة)

تخلّ عن مالك وانشد النجاة

انبذ الملك وخلّص حياتك

واحمل في السفينة بذرة كل ذي حياة"

ما عناه الشاعر أعلاه، أن الكوخ لن يكون في منجاة من طوفانٍ ماحقٍ، ولأنه واهٍ فتقويضه هيّن، وهو إلى ذلك خالٍ من أية كنوز،أو مقتنيات ثمينة، لذا فالتخلّي عنه لا يشكّل خسارة فادحةً. المهم أن تعبيريْ: "انشد الحياة" و"خلّص حياتك" يدلان على تشديد الشاعر على صاحب الكوخ بإيجاد وسيلة للهرب، وها هو يعدُّ العدة لذلك.
باحتفال مهرجاني شمل المدينة كلها، جُهِّز الفلك (السفينة) بالمخلوقات ومقتضياتها، بانتظار الطوفان. وحتى يزيد الشاعر من رعب الطوفان جعله يبدأ في الليل، حتى تنعدم حاسة البصر، ولا تُسمع إلاّ الأهوال:
"وفي الليل أنزل إله العاصفة مطراً مهلكاً

تطلعتُ إلى حالة الجوّ فكان مكفهراً مخيفاً للنظر"

لا شك أن توقيت نزول المطر يزيد من عتمة الليل، أو أنه يجعل نطاق الرؤية محدوداً.

طيلة الليل يسود الصمت، وما أن "تظهر أنوار السحر" حتى تظهر غمامة سوداء ومعها تبدأ رعود "أدد" وبروقه وزوابعه. الإله "إيرﮔـال ينزع الأعمدة"، والإله ننورتا يفتق السدود. أمام جيوش الطبيعة هذه، وهي عمياء وكاسرة، يقف الإنسان جافلاً لا يدري كيف له أن يحارب السماء.

وكأن انوناكي حينما رفع المشاعل، انما أراد لحاسة البصر أن ترى الأهوال بعد أن صُمَّت الآذان بتلك الرعود القاصفة، والنازفة ماءً أسود. يقول الشاعر بعد ذلك مباشرة:

"وتحطّمت البلاد الفسيحة كما تتحطم الجرّة"
تأتي أهمية أو أهميات هذا التشبيه من أن هذه البلاد على شساعتها تحطّمت مرّة واحدة وكأنها جرّة. بالإضافة الى ذلك فإن التشبيه بالجرّة قرّب المأساة من الإنسان حيث أصبحت صورة الجرّة منظورة وملموسة. ولأن الجرّة عزيزة أثيرة، حيث أنها تنجي الإنسان من العطش، فإن تلك البلاد الفسيحة تأخذ من الجرّة صفة الحميمية وكأنّها مرتبطة عضوياً بالراوية.

ومن الجرّة يعود الشاعر الى مساحة بصرية وسمعية أوسع:
"وظلّت زوابع الريح الجنونية تهب يوماً كاملاً

وازدادت شدّةّ في هبوبها حتى غطّت الجبال"
وهكذا بعد أن كانت جيوش السماء نازلة من علٍ لتدمير الأرض، وما عليها وما تحتها، وظّف الشاعر هنا ربما لأول مرّة، جيوش الريح لتدمير الإنسان نفسه:
"وفتكت بالناس كأنها الحرب العوان

وصار الأخ لا يبصر أخاه"

الرياح في الأدبيات الدينية لا علاقة لها بالطبيعة وانما هي جيوش مجيّشة هجومية بيد القوى الغيبية، وهي الآن من الشدّة بحيث لا يستطيع الإنسان أن يسير وهو مفتوح العينين. أعمى ولو كان بصره حديداً. أما تعبير: "وصار الأخ لا يبصر أخاه" فلا تدلّ على العمى المؤقت فقط، ولكن على الهول بحيث كان كل انسان مسؤولاً عن نفسه ليس إلاّ.

ينتقل الراوية بعد ذلك الى تصوير وقع الرياح على الأرباب الذين "ذُعِروا من عباب الطوفان":

"لقد استكان الآلهة وربضوا كالكلاب حذاء الجدار
وصرخت "عشتار" (كما تصرخ) المرأة في الطلْق"
لم تلد عشتار –ربة الحب والحرب- إلاّ الدمار والخراب. ارتعبت هي نفسها، مما جنت يداها. ندمت لأن "الأيام الأولى عادت الى طين"، بعد ان سلّطت الدمار على أناسيّها الذين ملأوا الآن "اليمَّ كبيض السمك".

للتشبيه ببيض السمك هنا، ثلاث فوائد في الأقل:

1- استمرارية الصور المائية المتناسبة مع الطوفان ولا سيّما بعد أن ذكر الطين.

2- كثرة بيض السمك الذي يتناسب مع كثرة الناس المنكوبين.
3- صغر بيض السمك بالنسبة الى سعة البحر.

مرة أخرى يقرّب الشاعر الصورة الى الإنسان فيلمُّ الطوفان الهائج كله في صورة قريبة مركزة هي بيض السمك.

وهكذا فما حلَّ في الأرض من دمارات مروّعة في اليوم الأول استمرَّ سبعة أيّام متوالية وعسيرة. يقول راوية الملحمة في اليوم السابع:
"وتطلعتُ الى الجوّ، فوجدت السكون عاماً

ورأيتُ البشر وقد عادوا جميعاً الى الطين

وكالسقف كانت الأرض مستوية

فتحتُ كوّة طاقتي فسقط النور على وجهي،

سجدت وقعدت ابكي

فانهمرت الدموع على وجهي"

بعد كل تلك الانزعاقات الصوتية الفتاكة، لا يكون السكون هنا إلاّ انقاذاً، إلاّ نهاية خطر أو توقف تفجّراته في الأقل. يفسح السكون للعين أن ترى آثار الخراب فإذا البشر من طين، وكأنّهم خُلِقوا من جديد، وإذا "الأرض مستوية كالسقف". استواء الأرض وتشبيهه بالسقف يدلل على صورة مقلقة، فالسقف يحفظ مما ينزل من فوق ولا يحمي من خطرٍ يأتي من تحت. أيّة بشريّةٍ وأيّةُ مخلوقات انطمستْ تحت ذلك.
لننظر إلى الصورة الشعرية أعلاه من الناحية الفنيّة. أوّلاّ جعل الشاعر السكون وكأنّه مادّة ملموسة ومحسوسة، بدليل رؤيته:" فرأيتُ السكون عامّاً" وهذا بحدّ ذاته يدلل على عظم الأصوات المرعبة التي كان يسمعها :أتو- نفشتم. أما الأرض المستوية فتفيد أنْ لا وجود للأمواج العاتية مما يجعل مدى البصر أكثر امتداداً وهذا مما يزيد الطمأنينة. النور في الصورة يوحي بسماء صافية وكأنّ آلهة السماء كفّت عن الرجم والدمار. جعل الشاعر النور أقرب وأعمق حميمية حين أسقطه على وجه الإنسان، دون أن يتوقعه، ومن كوّة صغيرة . الكوة الصغيرة تلامسٌ خاصُ، خبرة خاصّة. بهذه الوسيلة جعله مادة فيزيائية متفاعلة، فلا عجب أن ركع اوتو- نفشتم وراح يبكي.
أصدق دموع، بأعمق فرح، كان فوق طاقة أيّ إنسان. لا يمكن له أن يتحمله قائماً فركع باكياً.

هوامش:

1- ترجمة طه باقر: "إن الموت قاس لا يرحم" ووضع بعد ذلك علامة استفهام لأنه لم يكن متأكداً من المعنى. اخترت الترجمة أعلاه من المصادر الانكيلزية ولاسيما ترجمة دالّي DALLEY.

2- انظر سفر الجامعة 1: 2-11 (باطل الأباطيل قال الجامعة. باطل الأباطيل الكل باطل... عند الذين يكونون بعدهم).

- الأنوناكي: ANUNNAKI: مجموعة من خمسين إلهاً وكلهم أبناء آنو. والانوناكي السبعة العظام هم الآلهة السبعة الذين يُقدّرون المصائر، وهم الوحيدون الذين يتحكمون بالتغيير في قانون الكون. أصبحوا فيما بعد أرباب العالم السفلي .

ايلاف 1 فبراير 2006