بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما..

سيوف الله..



تساءلت وتساءلت... لماذا امتحن الله المدّعين الإيمان بالإمام أحمد الحسن (ع) بصفحته؟ لماذا الإمتحان كان بهذه النافذة الوحيدة التي يكتب بها أحمد (ع) مباشرة؟
ولماذا هذه الأمراض خرجت مع أن طريقة إيمانهم كانت من خلال وسائل التواصل نفسها؟

هذا التساؤل راودني كثيراً..

سألت الله سبحانه وتعالى، فوجدت هذه الآية ألقيت في قلبي:
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ..

سبحان الله، نعم وكأن الله يستهزئ بهم، فهو سبحانه وكأنه قائل: "أنت ألم تدعي الإيمان بأحمد الحسن (ع) من خلال وسائل التواصل؟ فالآن امتحن إيمانك المُدّعى بجعل أحمد الحسن (ع) الحقيقي يتواصل معك مباشرة ويأمرك وينهاك؛ من خلال نفس الوسائل التي آمنت بها وعرفت الحق بها، وعندها سترى حقيقتك، هل آمنت بأحمد الحسن (ع) حقاً؟ أم بأحمد آخر في وهمك يرضي هواك؟"..

فهو سبحانه يمدهم في طغيانهم يعمهون... بأبسط الأمور، بجعلهم يواجهون الإمام الحقيقي، ليبّين لهم حقيقة ومستوى إيمانهم المدّعى، فلا يحتاج الله أن يقوم بمعجزة عظيمة حتى يظهر نفاقهم وخداعهم لأنفسهم، بل فقط...
يستهزئ بهم ويمتحنهم بنفس الطريقة التي ادعوا أنهم "آمنوا" بها، فتبيّن أنهم غير مؤمنين بأحمد الحسن (ع)، فيمدهم طغيانهم يعمهون..

وسأركز هنا على كلمة "آمنوا"، قال الإمام أحمد الحسن (ع):
[ ...واليماني هو النهر الذي يبتلي به أصحاب القائم (ع) ولكن هذه المرة من شرب منه فإنه مني ومن لم يشرب فليس مني وهو السبع وعشرين حرفاً من العلم التي تبث في الناس... ]. (1)
فكما تعلمنا من الإمام أحمد الحسن (ع)، المعرفة لا تستقر إلا في من احترق بالحقيقة، فهو ليس كمن لامسها ولا كمن رآها، فمن يدّعي الإيمان بأحمد الحسن (ع)، لابد أن يكون قد شرب من نهر اليماني، ولابد أن يكون قد احترق بالحقيقة، وعرف شيء من حقيقة المهدي الأول (ع)، وإلا كما قال الإمام (ع) من لم يشرب فليس مني، فيصبح الأمر هنا لا مجال فيه لـ [ منافق وطالب دنيا وجاه ومنصب ان يضم رأسه ] (2)، ولا مجال لمن آمنوا بأحمدٍ وهمي موجود في أوهامهم لا وجود له على أرض الواقع ليرضي أنفسهم المريضة المتكبرة على أحمد (ع) الحقيقي الإمام المنصب من الله الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله..

لنرجع لصفحة الفيسبوك؛ بالله عليكم ماذا طرح الإمام (ع) فيها إلا ما عوّدنا عليه من علم وخُلُق ونور وهدى؟!
ولا تقولوا علم موجود بكتبه السابقة، بل والله علم عظيم كسابقه ينير صفحات وجودنا السوداء..! بل العجيب أن كل من ارتد كان يفرح بإجابات الإمام (ع) الجديدة الآنيّة والتي يجيب (ع) فيها السائلين عن العظائم بشكل آني وفي نفس وقت طرحهم للسؤال، وليس علم مخزن بالكتب كما يفتري المنافقون.
لكن عندما وصل الأمر لتعيين المكتب وهو من أبسط الأوامر وأهونها، رأيناهم يتقافزون كالذي تخبطه الشيطان من المّس، فكيف بهم تعتقدون عند إعلان الإمام (ع) بالجهاد وتشكيل السرايا؟!!

(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ۚ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا * إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ)
[سورة محمد 20 - 26]

سبحان الله، الذي قَبَل ما نشره الإمام في صفحته بالسابق؛ كيف تصل به السفاهة أن لا يقبل ما نشره الإمام (ع) في صفحته باللاحق؟؟
ومنْ قَبَل ما نشره الإمام (ع) بنفس وسائل تواصله السابقة؛ كيف تصل به السفاهة أن لا يقبل بما نشره الإمام (ع) في وسائله اللاحقة؟!!

السبب هو أنه لا مجال هنا لمن لم يشرب من النهر، ولا مجال لمن لم يعرف المهدي الأول ولا لمن إيمانه ومعرفته لعْقٌ على لسانه ولم يدخل في قلبه ويستقر، "الدين لعقٌ على ألسنتهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون".

الإمتحان دائماً هو التمسك باليقين والنور والمعرفة في القلب وعدم التمسك بالشكوك والوساوس، ولكن من لم يستنر قلبه؛ لا يجد إلا الظلمة فيه، فكيف تريده أن يتمسك بالنور واليقين والمعرفة وقلبه يفتقده؟! قد ملأ قلبه بالشك والكره والحقد والتكبر والتعالي وحب الدنيا والنفس والمناصب نستجير بالله، فأين يجد النور مكاناً ليستقر فيه؟!!

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)
[سورة محمد 29 - 34]

الله سبحانه وتعالى يريد أن يُخْلِص عبيده، ليكونوا سيوفاً صارمة بيده وبيد وليّه..
"كأنهم أسُيف بيضٌ يمانية * * * عَضُبٌ مضاربها باقٍ بها الأثرُ". (3)
قلوبهم كزبر الحديد من الإيمان والإخلاص لله، لا تأخذهم في الله لومة لائم، فـ هم من سيفتح الأرض كلها، ليملؤوها قسطاً وعدلاً ويقيموا دولة الله بقيادة أحمد (ع)..

فالسيوف.. تُصنع من الحديد الصلب..
المتعرّضة للنار.. لتنْقىٰ من الخَبَث..
لم يزدها الطّرْق إلا حدّةً ولا الشحْذُ إلا لمعاناً..

هكذا المؤمن الحقيقي، لا تزده الابتلاءات إلا ثباتاً وقوة ونوراً، يؤمن بما لم يرَ وكأنه أَمامَهُ، قلبه ممتلئ باليقين والإخلاص لا يشوبه الشك والرياء، قاتلٌ لهواه ونفسه أمام سيّده (ع) عالم عارف بحقيقته، ويرى الجماعة المؤمنة ولا يرى نفسه لتتحقق وحدة الجماعة التي يعمل معها..

والأهم من كل ذلك..
هو أن هذا المؤمن لا يخادع نفسه بإمامٍ في وهمه يرضي به أناه وهواه..

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) [سورة البقرة 8 - 17]

---------------------------------
هامش:
(1)- الجواب المنير ج1: من سؤال 40.
(2)- نشره الإمام أحمد الحسن (ع) بتعليق في الفيسبوك بتاريخ 9.6.2015.
(3)- أنشده الأزهري في جمع أسيف، المصدر: لسان العرب لابن منظور.