توجد كتابة سومرية ولا يوجد قوم سومريون

القدس العربي 29. 11. 2008

بقلم: د. عثمان سعدي

رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية

قرأت بتمعن مقال الأستاذ سامي مهدي «السومرية والعربية لغتان مستقلتان مختلفتان» في القدس العربي (عدد 20/11/2008)، والذي ناقش فيه كتاب الدكتور عبدالمنعم المحجوب الذي يرى أنه توجد جذور سومرية في اللغة العربية. ولعل أفضل باحث عراقي حديث تناول المسألة السومرية هو الدكتور نائل حنون الأستاذ في قسم الآثار، كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة دمشق، فقد نشر بحثا قيّما عنوانه «بلاد الرافدين القديمة، ثنائية لغة في النصوص المسمارية، ووحدة قوم على الأرض» في حولية مجمع اللغة العربية بطرابلس- ليبيا، العدد الثالث، الصادر سنة 2005 ينكر فيه وجود قوم سومر، ويرى وجود كتابة سومرية استعملها الأكديون.

وحتى يطلع قراء القدس العربي على هذه المسألة رأيت أن ألخص ما كتبه الأستاذ نائل حنون حيث يقول:

لقد أدى اكتشاف مكتبة آشور - بانيبال في أواسط القرن التاسع عشر إلى تحقيق تطور كبير في علم المسماريات، فمن خلال نصوص هذه المكتبة اتضح أن الأشورية والبابلية لهجتان من لغة واحدة عرف فيما بعد أنها الأكدية.

يرى جوزيف هاليفي أنه لا يوجد دليل واضح على وجود السومريين، وأن اللغة السومرية كانت لغة سرية من ابتكار البابليين أنفسهم لأغراض دينية وشعائرية.

إن لقب [بلاد سومر وأكد] لم يستعمل للدلالة على مفهوم قومي أو جغرافي بقدر ما استعمل للدلالة على بسط السلطة مثل بقية الألقاب الملكية القديمة.

إن الأسئلة المعقدة التي لم تزل بلا أجوبة لا تقتصر على المسألة اللغوية فقط وإنما تمتد لتشمل طبيعة العلاقة بين السومريين والأكديين فيما إذا كان الأولون هم أصحاب الابتكارات الحضارية، والأكديون اقتبسوها وطوروها، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو هل يمكن إثبات أن حضارة بلاد الرافدين ذات المظاهر الواضحة والمتسقة هي نتاج جهد قومين مختلفين عن بعضهما بعضاً؟

لقد توصل أحد علماء المسماريات الكبار في القرن العشرين وهو بينو لاندزبيرجر إلى أن هناك كلمات ذات دلالات حضارية مهمة وكانت تعد سومرية، لأنها ظهرت أولا في النصوص السومرية في الألف الثالثة قبل الميلاد، لا تعود إلى اللغة السومرية إطلاقا، ومن السومرية انتقلت إلى اللغة الأكدية لاحقاً. والدليل الرئيس الذي استند إليه لا ندزبيرجر في رأيه هذا أن تلك الكلمات تتألف من مقطعين أو أكثر وهذا ما يختلف عن الكلمات السومرية التي يتألف معظمها من مقطع واحد فقط، كما أنه توجد خصائص لفظية في تلك الكلمات وخصوصا في نهاياتها غير مألوفة في الكلمات السومرية. وقد أجمع المختصون على تأييد رأي لاندزبيرجر الذي أرجع أصل هذه الكلمات إلى قوم مجهولين اعتبر أنهم سبقوا السومريين والأكديين في السكنى في جنوب بلاد الرافدين. ولم تقتصر هذه الكلمات على عددها الكبير وإنما على كونها أيضا تشمل أسماء معظم المدن الرئيسية القديمة في جنوب العراق، وهي المدن التي كانت تعتبر سومرية، فضلا عن أسماء أهم المهن والصناعات، وهذا ما يدل على أن أولئك القوم الأوائل كانوا هم بناة حضارة بلاد الرافدين وليس السومريين.. ولا بد لنا هنا من أن نشير إلى أن الاطلاع على هذه الكلمات يفصح، منذ الوهلة الأولى، عن أصول عربية قديمة، وأن عددا منها مشترك مع اللغة العربية لفظا ومعنى... يثبت بحث ثوركلد ياكوبسن عدم حدوث أي صراع بين السومريين والأكديين على أساس الاختلاف القومي. إن الصراعات والحروب المذكورة في النصوص المسمارية لم تكن، ولا حتى في حالة واحدة، بين السومريين والأكديين باعتبارهم يمثلون قوميتين مختلفتين، وإنما كانت بين مدينة وأخرى دون أن يكون لذلك علاقة بالانتماء القومي لسكان أي من المدينتين.

يؤكد الدليل الأنثروبولوجي أن الهياكل العظمية المكتشفة منذ أقدم العصور في بلاد بابل تنتمي إلى النوع المعروف بالفرع الشرقي لعنصر البحر المتوسط، أي أنها تماثل الأقوام البدوية في شبه الجزيرة العربية، ولم تظهر هياكل من النوع ذي الرأس الدائري الخاص بأقوام وسط آسيا.

وحتى في مجال الكتابة أصبح جليا أن الدراسات العلمية الرصينة لا تميل إلى قبول الرأي القائل بأنها من اختراع السومريين. ومن هنا فإننا نميل، بدليل ما تقدم، إلى الاعتقاد بعدم وجود شعب يختلف قوميا عن الأكديين بهذا الاسم. وأما اللغة السومرية فلدينا ما يكفي من الأسباب التي تجعلنا نذهب إلى أنها لغة وضعت من قبل الأكديين لغرض التدوين قبل أن يتمكنوا من ابتكار وسيلة لتدوين اللغة الأكدية نفسها.

هذه خلاصة بحث نائل حنون، العالم العراقي المتخصص، ويا ليته يطلع على هذا النقاش ويناقش كتاب الدكتور عبد المنعم المحجوب.

ويتفق حنون مع العالم الجزائري اللغوي الدكتور عبد الرحمن بن عطية في كتابه القيم (تاريخ العربية، لغة العالمين) الصادر باللغة الفرنسية والذي عرضته في مقال نشر بالقدس العربي عدد 4/11/2007، حيث يذهب بعيدا فيؤكد من خلال مراجع أوروبية عديدة ونقوش: بأن اللغات العروبية [أي السامية وفقا للمصطلح الأسطوري] انتشرت من شمال بلاد الرافدين، نحو الشمال في القوقاز، وحوضي البحر الأسود وبحر قزوين بل وحتى الهند والصين؛ ونحو الشرق في فارس، ومصر وشرق إفريقيا، وشمالها باللغة العروبية البربرية التي انتشرت شمالا في أوروبا الغربية ؛ وانتشرت اللغات العروبية نحو آسيا الصغرى وشرق البحر المتوسط ومنه نحو أوروبا فاستوطنتها قبل غزو القبائل الهندو أوروبية بآلاف السنين، وقبل ظهور الحضارتين اليونانية والرومانية اللتين هما في أساسهما عروبيتان كما يبين ابن عطية. يؤكد ابن عطية أنه توجد علاقة حضارية بين الحضارات الثلاث الكبرى: حضارة بين النهرين بالعراق، وحضارة اليمن، وحضارة وادي النيل. ويرى بأن اللغة الأم أو الجذع المشترك عندما اشتقت منه اللهجات العروبية وانتشرت وابتعدت عنه، ونتيجة لعوامل جغرافية واجتماعية نشأت لغات عروبية اكتسبت صيغا جديدة لكن يبقى عمودها الفقري متضمنا لخصائص اللغة الأم. يقال أن السومريين هندو أوروبيون، وهذا الباحث الجزائري يرى أن أوروبا كلها كانت تتكلم لغات عروبية كالأشورية والبابلية والبربرية قبل آلاف السنين من غزو القبائل الهندو أوروبية أوروبا. ومن الغريب أن الإسكندر يلقب بذي القرنين، وأن القرن اسمه باللغة الأمازيغية ـ البربرية «إسْكْ».

==================


د. عثمان سعدي


من مواليد 1930 بدوار ثازبنت ولاية تبسة.ناضل منذ شبابه المبكر في حزب الشعب الجزائري، وانخرط في صفوف جبهة التحرير الوطني منذ تأسيسها وعمل في ممثليها بالمشرق العربي.هجر المدرسة الفرنسية بعد مجازر 8 ماي 1945 . متخرج من معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة عام 1951، حاصل على الإجازة في الآداب من جامعة القاهرة سنة 1956 والماجستير من جامعة بغداد سنة 1979 والدكتوراه من جامعة الجزائر سنة 1986. مناضل في جبهة التحرير الوطني منذ تأسيسها. أمين دائم لمكتب جيش التحرير الوطني بالقاهرة في أثناء الثورة المسلحة. رئيس البعثة الديبلوماسية بالكويت 1963 ـ 1964. قائم بالأعمال بالقاهرة 1968 ـ 1971. سفير في بغداد 1971 ـ 1974. سفير في دمشق 1974 ـ 1977. عضو مجمع اللغة العربية الليبي في طرابلس ـ ليبيا. عضو المجلس الشعبي الوطني من 1977 إلى 1982، عضو باللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني من 1979 إلى 1989، رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية منذ عام 1990.. أشرف على إصدار كتاب: [الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية: خمس عشرة سنة من النضال في خدمة اللغة العربية، طبع الجزائر سنة 2005 ]. وهو المدير المسؤول على مجلة [الكلمة] لسان حال الجمعية. رئيس لجنة الإشراف العلمي على إعداد المعجم العربي الحديث، الذي تبنى إصداره الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بالثمانينيات، ولم يكتب له الصدور. انتخب عن دائرة تبسة نائبا بالمجلس الشعبي الوطني ( 1977 - 1982 ) . كما انتخب من المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني ( 1979 ) عضوا للجنة المركزية . حاصل على جائزة أهم مؤسسة فكرية عربية وهي مؤسسة الفكر العربي سنة 2005، وعلى جائزة الريشة الذهبية لبلدية سيدي امحمد بالجزائر. ينتمي الدكتور عثمان سعدي إلى أكبر قبيلة أمازيغية وهي قبيلة النمامشة، وهو يملك العربية والأمازيغية. عندما أصدر كتابيه عروبة الجزائر عبر التاريخ (1983) والأمازيغ عرب عاربة (1996)، أورد بهما مختصرين لغويين يؤكدان عروبة اللغة الأمازيغية.