الأصول السومرية للحضارة المصرية بقلم زيد خلدون جميل

الحضارة هي أهم نقطة تحول في تاريخ البشرية، وهي الكلمة التي تختصر وصف عالمنا الحالي الذي يعيش مرحلة من مراحل تطور الحضارة، ولكن ما هي الحضارة؟
يسمع القارئ هذه الكلمة باستمرار ويتمتع أو يعاني من نتائجها بدون أن يعرف تعريفها. إننا لا نتكلم عن الثقافة، التي تعرف بأنها الصفات المشتركة لمجموعة بشرية، فمثلا سكان الكهوف قبل أن يعرفوا الزراعة كانت لهم لغة ودين وعادات وموسيقى وخرافات وفن ونكت وقصص، وهذه مجتمعة من عناصر الثقافة وليست الحضارة التي تمتاز بكونها أرقى من ذلك. إن أهم أسس الحضارة هي المدينة والتوثيق أي الكتابة. فالمدينة تعني وجود تجمع سكاني كبير يطيع سلطة حاكم يفرض القانون عن طريق جهاز شرطة ويدافع عن المدينة بجيش محترف وشديد التنظيم وجنود في زي موحد رسمي مع وجود قضاء ومؤسسات دينية. وأما التوثيق فهو قابلية الإنسان على التسجيل كمرجع للمستقبل مثل، عقود التجارة والزواج والقوانين وقرارات السلطة والرسائل والأدب. وقد يعتبر البعض أن هذا من البديهيات وكم هم مخطئون، فقد عاشت البشرية لمئات السنين بدون هذه «البديهيات» ولا يزال الكثير من الناس حتى الآن غير قادرين على احترام الحضارة.
لقد عاش الإنسان في عهد الظلمات حتى قام السومريون باختراع الحضارة بين 4300 و3500 سنة قبل الميلاد في جنوب العراق، وفي الواقع أنهم كانوا المؤسسين لوادي الرافدين. وقد امتازت حضارتهم بجميع الميزات الحضارية الحديثة، مع اختلاف المستوى التكنولوجي، فقد كانت هناك مهن متخصصة مثل، الحدادة والزراعة والقضاء وظهرت المدارس ومشاريع حكومية للطرق والزراعة، وامتاز السومريون بالانضباط الشديد وشغف بالمعرفة وبعض اهتماماتهم لم تكن ذات فائدة عملية، مما يدل على حبهم للمعرفة من أجل المعرفة ويمثل هذا مرحلة متقدمة من التطور الحضاري، وقد عرف عن السومريون شغفهم بالتوثيق وكتبوا تقريبا عن كل شيء، وما وصلنا منهم كان أصليا فقد كتبوه بأنفسهم. وقام ملوكهم بإصدار أول القوانين في التاريخ وأشهرهم أورنامو (لم يكن حمورابي البابلي أول من أصدر القوانين) وبنوا الصرح الدينية التي أشهرها الزقورات التي كانت بنايات ضخمة يعتقد العلماء انها استعملت أيضا لأغراض علمية وعسكرية، وكلمة الزقورة مقتبسة من كلمة سومرية تعني البناء عاليا، وكان تقليد بنائها قد بدأ مع بداية الحضارة السومرية. وقد تمتع السومريون بعلاقات تجارية مع مناطق بعيدة جدا، بعضها في قارات أخرى. ومما هو جدير بالذكر أن أول ملكة في التاريخ كانت سومرية وهي الملكة باوبي (2600 ق.م.) التي وجد في قبرها مواد مصدرها موزمبيق في افريقيا. وأما الكتابة السومرية فقد أصبحت القياس العالمي لآلاف السنين وقد وجدت في أوكرانيا وهنغاريا بعد أن كانت في البداية طريقة لتسجيل التعاملات التجارية البسيطة، لتتحول إلى اختراع غير التاريخ تغييرا جذريا، وأطلعتنا على الأدب السومري العظيم الذي لا نزال نشاهد بعضه في الأفلام الغربية الحالية. وأعظم قصة ذكرها السومريون كانت بلاشك ملحمة كلكامش. كما امتازت الحضارة السومرية بأول صراع بين السلطة والمؤسسة الدينية الذي انتهى بانتصار السلطة.
لقد تلت الحضارة السومرية الحضارات الأخرى وتأثر بعضها بها بشكل كبير، وانبثقت أخرى عنها مثل الحضارة العيلامية والبابلية. وهناك حضارة أخرى يعتقد البعض انها انبثقت من السومريين، بينما يعتقد البعض الآخر انها تأثرت بشكل كبير بهم وهي الحضارة المصرية، أي الفرعونية التي بدأت حوالي 3100 ق.م. أي بعد أكثر من 400 سنة بعد ظهور الحضارة السومرية. وحسب العالم البريطاني والتر أيمري في كتابه «مصر القديمة» أن سمات الحضارة السومرية واضحة الخلفية وبالإمكان معرفة كيف بدأت ووصلت إلى هذا المستوى. أما سمات الحضارة المصرية فتفتقر لهذا، أي أنها مجهولة التاريخ من حيث مراحل الظهور والتطور مما يعطي الانطباع بأن مصر مدينة حضاريا لسومر. أما الكاتب البريطاني ل. أ. وودل في كتابه «الحضارة المصرية» فقد اعتقد أن السلالة المصرية الأولى كانوا سومريين أتوا من سومر جالبين معهم الحضارة. فأول الاهرامات المصرية كانت قد بنيت في منطقة تسمى سقارة وهو اسم يعتقد أنه مشتق من اسم الزقورة السومرية، كما أن الهرم الأول الذي بني عام 2630 2611 ق.م، أي عدة قرون بعد بداية بناية الزقورات. وقد كانت الاهرامات الأولى والمصطبات المصرية التي سبقتها شديدة الشبه بالزقورات، خاصة الهرم ذا المصطبات. ومن الواضح أن الاهرامات قد تطورت بشكل مستقل بعد ذلك مع العلم أنه على الرغم من أن الزقورة لم تكن قبرا للملك، فإن القبور المصرية الأولى كانت تعرض صور بنايات تكاد أن تكون نسخة طبق الأصل من بنايات سومرية أقدم من هذه القبور. كما كانت القبور أثناء السلالات المصرية الأولى وحتى الثالثة ذات طابع سومري معماري واضح يسمى «panelled-facade» حسب الكاتب البريطاني ليونارد كوترل في كتابه «البحث عن سومر». واما الكتابة الهيروغليفية فان التأثير السومري واضح لتشابه الكثير من الكلمات من حيث الرموز والمعاني واللفظ، مع العلم أن الهيروغليفية أقل تطورا من المسمارية، فقد تطورت المسمارية بسرعة وأصبحت كتابتها سهلة حتى أصبحت الكلمات بعيدة في الشكل عن الكلمات القديمة، أما الهيروغليفية فقد بقيت عبارة عن رسوم واضحة لا يستطيع كتابتها سوى الفنان المتمرس، ويعتقد البعض أن الهيروغليفية تطور بسيط من المسمارية الأولى إلا أن أغلبية علماء الآثار يسلمون بأن الكتابة الهيروغليفية قد تأثرت بالكتابة السومرية. وفي هذا السياق علينا الا نتجاهل الأختام الأسطوانية التي ظهرت في سومر قبل مصر بفترة طويلة واستعمل المصريون أختاما سومرية، كما صنعوا أختاما متأثرة بالسومريين، حسب العالم البريطاني ميكل روف في كتابه «الأطلس الثقافي للعراق» الذي وصف أيضا التأثير السومري على الفخار المصري وأعمال فنية أخرى والأعمال الفلكية التي كان تأثيرها بشكل خاص من مدينة الوركاء السومرية بالذات. وبعد انهيار الحضارة السومرية وظهور الحضارة البابلية والآشورية المنبثقة عنها، برزت اللغة الأكدية لتصبح اللغة العالمية آنذاك فقامت مصر القديمة بتأسيس مدرسة لتعليم اللغة الأكدية.
لم تكن الحضارة السومرية أول حضارة فقط، بل كانت معجزة في تاريخ البشرية، فالفرق الذي أحدثته في الحياة البشرية كان هائلا وتأثيرها على الحضارات التالية كان كبيرا، الا انها أيضا كانت أولى ضحايا الاعلام في العصور الحديثة، فلم يظهر فيلم واحد عنها، بل لم تذكر في أي فيلم في الوقت الذي تزخر فيه أجهزة الاعلام بمبالغات مضحكة حول الحضارات الأخرى وخاصة اليونانية والمصرية والصينية. صحيح أن منتجي الأفلام يعترفون أحيانا بمبالغاتهم إلا انهم يعرفون جيدا أن هذه الأكاذيب ترسخ فكرة تفوق هذه الحضارات في ذهن المشاهد، فالصينيون القدماء يطيرون ويصدون السهام بيد واحدة. والمصريون أول من صمم الطائرة وأنا انتظر من يدعي أنهم ذهبوا إلى المريخ، خاصة أن أحدهم ادعى بأن الفراعنة أتوا أصلا من الفضاء الخارجي. وأما اليونانيون فالادعاء هو أنهم كانوا أول حضارة في التاريخ على الرغم من أن أغلبية اكتشافاتهم أتت من وادي الرافدين، بل أنهم لم يعرفوا اختراعات ظهرت قبلهم بمئات السنين مثل بناء الأقواس، كما انهم آمنوا بفكرة العنصرية مدعين ان كل من هو ليس يونانيا كان أقل ذكاء وإنسانية منهم ولا يمكن اعتبار هذا سوى علامة لتخلف حضاري واضح.

كاتب عراقي

زيد خلدون جميل