::: اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس :::
بقلم الشيخ علاء السالم على صفحته الرسمية في الفيسبوك
https://www.facebook.com/alaa.alsalem.10313
----------------------------


اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس ::

سأل سعد بن عبد الله القمي الامام المهدي (ع) عدة مسائل، كان منها أن قال: ((قلت: فأخبرني يا ابن رسول الله عن أمر الله لنبيه موسى عليه السلام "فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى" فإن فقهاء القريقين يزعمون أنها كانت من إهاب الميتة،
فقال عليه السلام: من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوته؛ لأنه ما خلا الامر فيها من خطيئتين: إما أن تكون صلاة موسى فيهما جائزة أو غير جائزة، فإن كانت صلاته جائزة جاز له لبسهما في تلك البقعة، وإن كانت مقدسة مطهرة فليست بأقدس وأطهر من الصلاة وإن كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب على موسى أنه لم يعرف الحلال من الحرام وما علم ما تجوز فيه الصلاة وما لم تجز، وهذا كفر.
قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما،
قال: إن موسى ناجى ربه بالواد المقدس فقال: يا رب إني قد أخلصت لك المحبة مني، وغسلت قلبي عمّن سواك - و كان شديد الحب لأهله - فقال الله تعالى: "إخلع نعليك" أي أنزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة، وقلبك من الميل إلى من سواي مغسولاً)) كمال الدين وتمام النعمة: ص460.
وروي أن موسى (ع) أُمر بخلعهما لأنهما كانتا من جلد حمار ميت، وروي في قوله عز وجل: "فاخلع نعليك" أي خوفيك: خوفك من ضياع أهلك وخوفك من فرعون، (المصدر المتقدم: ص151).

تعليـــــــق:
- النعل: معناه واضح، والنعلان يُرمز بهما الى مسير الإنسان في دنيا الامتحان، والمسير لا أعني به آثار قدمي الانسان التي يتركها نعلاه أثناء سيره على الأرض، بل المقصود به مجمل أفكاره وأقواله وأخلاقه وتصرفاته.
- الحمار: مخلوق ضعيف معروف، وفي القرآن رُمز به الى العلماء غير العاملين، قال تعالى: "مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذّبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين" الجمعة: 5.
واعتبر الله سبحانه أصواتهم أنكر الأصوات، "إن أنكر الأصوات لصوت الحمير" لقمان: 19، أما لماذا ؟
لنطالع بعض ما يرفعون به أصواتهم بوجه خليفة الله عند بعثته حتى يتجلّى لنا السبب:
1- إنك على ضلال وفي سفاهة وكاذب،
"قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين" الاعراف: 60.
"قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين" الاعراف: 66.
2- الاتهام بشتى التهم والسحر أقلها ربما،
"قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم" الاعراف: 109.
3- الانتقاص من خليفة الله وأنصاره،
"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين" هود: 27.
"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين" المؤمنون: 24.
هذا وهم متخومون مترفون وحولهم أكباد تحنّ الى القديد،
"وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون" المؤمنون: 33.
4- التآمر وعقد الندوات لاستئصال الدعوة الالهية،
"وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين" القصص: 20.
ومن التآمر زرع خبثاء منافقين داخل الجماعة المؤمنة لتفريق صفهم وإضعافهم وإشغالهم بفتنهم لتكون النتيجة إضعاف جانب داعي الله وكسر جناح دعوته.
5- التهديد بقتل داعي الله وأنصاره أو نفيهم،
"وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون" الاعراف: 127.
"قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا" الاعراف: 88.
6- إبقاء الناس على طاعتهم من دون الله،
"وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق" ص: 7.
هذا نزرٌ قليل مما يرفعون به أصواتهم القبيحة بوجه داعي الله وأنصاره المستضعفين، وأعتقد صار واضحاً لماذا كانت أصواتهم أنكر الأصوات.

عبرة من الآيـــــة:
موسى (ع) نبي من أنبياء أولي العزم الطاهرين، والقائم (ع) فيه سنن من موسى (ع) بل هو شبيهه بنص روايات كثيرة، وإذا كان موسى (ع) في رحلته الى الوادي المقدس كان بحاجة الى أن يخلع نعليه ليتقدس، كان بحاجة الى أن ينزع عن قلبه الخوف من فرعون والملأ المتآمرين على قتله وتضييع أهله بفتاواهم ومخططاتهم، بل كان بحاجة الى أن يخلع كل ما سواه الله عن قلبه، فما أحوج السائر الى الله ومن اراد التقدس عند المعلم الالهي اليوم الى أن يخلع نعليه كما فعل موسى (ع) !!
قد يخطر في بال بعض المؤمنين بداعي الله أن بوسعه أن يطأ الوادي المقدس بالنعلين (المتمثلين بالأفكار أو المعتقدات أو الأعراف أو الأخلاق أو ... أو ... أو .... غير المستقاة من خليفة الله)، ولكن موسى (ع) يجيبه أن ذلك لا يكون أبداً، وأن من أراد دخول الوادي المقدس فعليه أن يخلع كل ذلك، بل يخلع كل ما سوى الله عن قلبه ويأتي ربه صفحة بيضاء نقية من أدران النفوس المظلمة ومن شهوات الدنيا الدانية ومن التعاليم والمعتقدات التي زرعها العلماء غير العاملين في القلوب فرانت وصدأت.
وقد يخطر في بال بعض المؤمنين أن دخوله الوادي المقدس يمكن بخلع نعل إحدى القدمين وترك الأخرى منتعلة، فرجل في الوادي وأخرى خارجه، رجل مع خليفة الله وأخرى مع الدنيا وأهلها، أو مع النفس وشهواتها أو مع الأنا وحبها، رجل مع خليفة الله في أمره الفلاني ورجل ليست معه في أمره الآخر لا لشيء إلا لأن نفسي لا تريده ولا تستسغيه، أو ... أو ...، ولكن موسى (ع) يجيبه أن ذلك لا يكون أبداً، وأن دخول الوادي المقدس مشروط بخلع النعلين معاً وإلا فالدخول ممنوع أبداً.
والعبرة المستقاة من هذه الرحلة الربانية: ان من أراد أن يتقدس ويتطهر ويحيى حياة طيبة أبدية بدخول الوادي المقدس فعليه أن يخلع كل ما سوى الله عن وجوده، وإلا فخبائث الجلود الميتة ومخلفاتها - إن قرّر اصطحابها معه - أنّى لها أن تقارب الطهر في وادي الطهارة والتقديس الالهي.
والنتيجة: لا نجاة الا بالتسليم لآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين بكل ما يصدر عنهم، والحمد لله رب العالمين.
--------------------------