المؤسسة الدينيــة في بلاد الرافدين - الدكتور عبدالوهاب حميد رشيد



احتل الدين موقعاً محورياً في حياة الشعوب القديمة، عليه يشكل مصدراً مهماً لدراسة مسيرة حياتها وطبيعة نمو ونضوج ومن ثم سقوط حضاراتها. فالمعتقدات الدينية ترسم الخطوط العريضة لأِفكار وممارسات وسلوكية الإنسان، قيمه ومزاجه، عاداته وأعرافه، تقاليده وقوانينه.. من هنا احتلت دراسة الدين موقعا بارزاً في فهم حضارات الشعوب القديمة. تزداد هذه الأهمية في استيعاب أول حضارة بشرية ناضجة (الحضارة السومرية) نشأت 3000 عام ق.م، خاصة ما يتعلق بمراجعة الذات لدى إنسان المجتمع العراقي المعاصر، أفكاراً وممارسات، بعد هذه الحقبة الزمنية الطويلة. يمكن متابعة آثار الدين وبصماته في حضارة وادي الرافدين في كافة مجالاتها وعناصرها. فعلاوة على الأساطير والملاحم الدينية، التراتيل والصلوات، جداول بِأسماء الآلهة والأرواح الخيّرة والشريرة، نصوص الفأل وقراءة الطالع والنصوص السحرية، تعاليم إِقامة الشعائر والطقوس الدينية، الاحتفالات والأعياد الدينية، الرقى والتعاويذ، المخلفات الدينية: المعابد، الزقورات، التماثيل والنصب والألواح الجدارية، المشاهد الدينية المنقوشة على الأختام الأسطوانية والأواني الفخارية.. كذلك يمكن ملاحظة آثار الدين بسهولة في المجالات الأخرى بدءاً من القصص والأساطير والملاحم الأدبية، القانون والقضاء، الفلك والطب، ولغاية نظام الحكم والنظام العائلي- الاجتماعي(1).

من هنا يصعب فهم نشوء ونمو وموت حضارة وادي الرافدين قبل دراسة عقيدتها الدينية دراسة تتصف بالعمق والشمولية. لأِن هذه الحضارة نشأت وماتت في أحضان الدين. يقول طه باقر “وإذا أخذنا في الاعتبار بِأن عصر فجر السلالات تمثل ظهور حضارة وادي الرافدين الناضجة وأن فترة العصر البابلي الأخير كان آخر عهودها، جاز لنا القول أنها لصدفة تاريخية عجيبة أن تكون هذه الحضارة قد ولدت وماتت في كنف الآلهة والمعبد(2).
” وربما سيتضح مع نهاية هذا البحث أن نشوء وموت هذه الحضارة في كنف الدين- المعبد لم تكن صدفة تاريخية بقدر ما عبَّرت عن ظاهرة تاريخية موضوعية رافقت الحضارات الدينية القديمة بعامة، لأِسباب يمكن أن تجد تفسيرها في قلب هذه الحضارة الدينية، وخلاصتها الفجوة التي تزداد اتساعاً بين عناصرها المادية التي ترنو إلى النمو المتصاعد لاستمرار هذه الحضارة وتطورها وبين القيود والمحرمات الدينية الكثيرة المعوقة والمانعة لحركة نمو تلك العناصر لغاية خنقها واختناقها.

(ف17) عليه تنطلق أهمية دراسة المعتقدات الدينية من أهمية الدين نفسه الذي شكل وعاء حضارة وادي الرافدين وروح المجتمع community spirit(3). “ولم يلعب الدين الدور الكبير الذي لعبه هنا قط في أي مجتمع قديم آخر لأِن الإنسان في هذا المكان كان يشعر على الدوام بِأنه يعتمد كلياً في استمراره بالوجود على إرادة الآلهة(4).” هذه الآلهة التي تجسدت في العوامل الطبيعية ذاتها (حسب عقيدة القوم) بكل مواصفاتها من خير وشر التي كان يواجهها الإنسان يومياً في حقله وعمله وحياته. والدين ظاهرة قديمة قدم وجود الإنسان نفسه، التصق بعقله وفكره وممارساته منذ أقدم العصور، وقدم خدمات جليلة للبشرية بتقويم سلوك الإنسان في وقت لم تتواجد بعد الدولة والشرطة والقوانين الضبطية. وتشير الدلائل الأثرية للقبور المكتشفة أن أشكالاً من المعتقدات الدينية عاشت مع الإنسان منذ العصر الحجري القديم. وفي العصر الحجري الحديث عندما حلّت الزراعة والتدجين محل جمع القوت والصيد انصبَّت عناية الإنسان على تغيرات فصول السنة، وأصبحت طقوس الزراعة والخصوبة محور الفكر الديني. من هنا يلاحظ وجود تماثيل أُنثوية (الآلهة الأم) رمزاً للخصوبة(5).


1- المعتقدات الدينية لعلَّ من الأمور الملفتة للنظر في ديانة وادي الرافدين هي كثرة عدد الآلهة. وجِدَتْ نصوص لاهوتية تتضمن قوائم باسماء وأعداد الآلهة في حدود 2000- 3000 آلهة. لذلك فإِن تنظيمها قد يتطلب كتاباً أو معجماً ليس بالصغير، مع ملاحظة صعوبة تحديدها بدقة في فترات زمنية مختلفة لهذه الحضارة، نظراً لدخول آلهة جديدة في مجمع الآلهة مع مجيء أقوام جديدة للبلاد، علاوة على استمرار الاكتشافات الأثرية(6).
تمثَّلت صلة الإنسان بالآلهة كصلته ببقية الناس، أي كانت لها درجاتها. من هنا صُنِّفَتْ إلى مستويات متباينة في أهميتها وأقدارها ومنزلة عبادتها وتقديسها. فإِذا كان ملك بابل مثلاً يخضع مباشرة لأٍوامر (مردوخ)- إِله بابل- فإِن صلة الفلاح البابلي كانت أقرب لــ ( اشنان)- إِله الشعير أو (شوموكان)- إِله الماشية. وهكذا كان الفرد من عامة الناس مهتماً بعدد محدود من الآلهة التي تساعده في حياته اليومية سواء بالعلاقة مع حقله- عمله أو حمايته من هجمات الأرواح الشريرة- الشياطين/ العفاريت، أو تحذره من الأخطار المحدقة به أو تحقق توسلاته. فحيثما تطلبت الحاجة يمكن بترتيل ابتهال أو تقديم نذر (كمية من التمور، ضحية حيوانية..) استرضاء (كولا)- إِلهة الإنجاب أو (باساك)- حامي المسافرين. وفي حالات الطوارئ الخطيرة يمكن التماس عون الآلهة الكبيرة بواسطة الكاهن أو بشكل مباشر من خلال (الإِله الشخصي) الذي يتواجد دائما كالملاك الحارس إلى جانب المتعبد(7).
صُنِّفتْ آلهة وادي الرافدين في مجموعات ثلاثية متباينة القوة والمكانة والأهمية ومركز العبادة. بعضها قليل الأهمية تقع في اسفل السُلَّم بحيث لم يُخصص لها أكثر من مزار أو مصلّى صغير في زاوية شارع. وهناك آلهة اقتصرت عبادتها على المدينة- الدولة ذاتها (الإِله الحامي) وأشهرها (مردوخ)- إِله بلاد بابل- و (آشور)- إِله بلاد آشور. وتحولت قلة منها، بسبب طبيعتها، إلى معبودات بشرية مثل (سين) إِله القمر- إِله المعرفة الذي “يقرأ المستقبل المجهول ويعرف جميع المصائر”، و (شمش)- إِله الشمس- إِله العدالة “مبدد الظلام… يفضح الأشرار ويكشف العدل”، و عشتار (انانا)- إِلهة الحب والحرب التي اتخذت شكلها المنظور في كوكب الزهرة (فينوس) نجمة الصباح والمساء. وكانت إلى جانب أُختها (ايريشكيكال)- ملكة العالم الأسفل- عالم الأموات، أقوى وأشهر إِلآهات وادي الرافدين. أما تموز (دموزي)- إِله الخصب فإِن شهرته الشعبية الواسعة تعدت حضارة وادي الرافدين، لاشتهاره الاقتران من (عشتار)، حيث نشأ عن هذا الزواج عادة عبادة الخصب التي كانت تُمثَّل في احتفالات سنوية ( مطلع الربيع) وعُُرف بـ (الزواج الإلهي المقدس)، ويقوم بدورهما الملك أو الحاكم مع كاهنة عليا خاصة. وما جرى لـ (دموزي) على يد حبيبته عشتار بإنزالها له للعالم الأسفل، فأصبحت عادة البكاء على (تموز) ممارسة شعبية تقليدية وردت في التوراة- سفر حزقيال 8:14(8). وأخيراً، تأتي الآلهة الثلاثة الذكور الكبار على رأس الآلهة جميعا، حيث أخذوا يتقاسمون حكم الكون فيما بينهم (انو Anu إِله السماء و انليل Enlil إِله الجو و انكي Enki- ايا إِله الأرض ومياه العمق)، بعد القضاء على آبائهم من جيل الآلهة القديمة في حرب طويلة دامية، ثم تم خلق السماء والأرض والحياة والموارد، وأخيراً الإنسان، لتكون مهمته العمل لخدمة الآلهة (ملحمة الخليقة البابلية/ ف16). جسَّد (آنو) شخصية السماء الجبارة التي اشتق اسمه منها. كان مقامه في السماء العليا (السماء السابعة). تمركزت طقوس عبادته في الوركاء مع ابنته عشتار. وكان شعار الملكية والصولجان وألواح القدر والمصائر عند مقام آنو السماوي. ومع انه أُعتبر ملك/ أب جميع الآلهة، وأعلى قوة في الكون، لكنه لم يلعب دوراً مهماً في تقرير شؤون الكون، وبقي رمزاً مهيباً منذ أوائل عهد السومريين واسماً مبهماً. ويظهر أن (انليل) رُفع إلى “المنزلة العليا” لِلآلهة من الناحية العملية، رغم أن مكانته اهتزت بعد الطوفان لصالح (انكي) وانتقلت هذه المكانة إلى (مردوخ) بعد اتساع رقعة وسلطة بابل. و(انليل) هو ثاني إله كبير في الثالوث الإِلهي الحاكم. وكان يُعرف عند الكنعانيين باسم (بعل) ومعناه (الرب). تمركزت عبادته في نفر. وهو سيد الرياح إله العواصف- إله الجو. وهو الذي أصرَّ على تدمير الجنس البشري بالطوفان. ويُعتبر (انكي) ثالث الآلهة الثلاثة الكبار. وهو سيد/ رب الأرض والمياه العذبة والجارية “هاوية المياه” التي يطفو فوقها العالم الأرضي. ويعني (ايا) بيت الماء، وهو وصف لمملكته. وكان البابليون يعتقدون أن المعرفة والحكمة تكمنان في هذه الهاوية التي كانوا يشخصونها باسم (ابسو)- مقر المعرفة.
امتلك انكي كل خصائص الماء- واهب الحياة: دائم الوجود، رائق، مُطَهَّر، ومخصب. وهو أيضاً إله الحكمة والمعرفة والذكاء “ذو الآذان الواسعة الذي يعلم بكل ماله اسم”. وكان مُلَقِّن وحامي الصناعات والحرف والفنون والأدوات، وهو كذلك إله السحر (الأبيض) وراعي السحرة الخيرين ممن يعملون على حماية العباد وطرد الشياطين والأرواح الشريرة. وهو المعلم العظيم والناظر الجبار الذي أخذ على عاتقه تأدية العالم المخلوق لواجباته. وهو لطيف على الدوام. وكان مُحباً وحامياً للبشرية، لعب دوراً أساسياً في منع دمار الجنس البشري بكامله أثناء الطوفان. وهناك بعض الأساطير التي تنسب إليه- خلق الإنسان من الطين(9).
جاءت هذه الكثرة من الآلهة التي تقوم على “مبدأ الشرك” بالعلاقة مع عقيدة القوم بوجود قوى خفية في مختلف الظواهر الطبيعية- الكونية: الشمس، القمر، الكواكب والنجوم، السماء، الأرض، الهواء، الأمطار، المياه، النبات.. وبمرور الزمن جُسِّدتْ هذه القوى في شكل آلهة لها صفات وخصائص مميزة وواجبات محددة، وصار لكل من هذه القوى إِله، أو أن كلاً منها في ذاتها جَسَّدتْ إِلهاً معيناً. وهو ما يسمى بـ “مبدأ الحيوية”. وشبَّه القوم آلهتهم بالبشر فخلعوا عليها جميع الصفات البشرية، فهي تأكل وتشرب وتتزوج وتفرح وتحزن وتمرض وتحب وتكره وتغضب وتحقد وتعفو وتنتقم وتتخاصم وتتحارب وتُجرَح وحتى تموت أحيانا وتذهب إلى العالم الأسفل. وهو ما يُعرف بـ “مبدأ التشبيه”، أي تشبيه الآلهة بالبشر في هيئتها العامة وحواسها وعلاقاتها الاجتماعية، عدا انفرادها عن البشر بالخلود والقدرة الخارقة. بإِيجاز، كانت الآلهة تمثل أفضل الجوانب البشرية وأسوأها موضوعة في ميزان ما فوق بشري(خارق) superman. وكان الاتجاه العام في حضارة وادي الرافدين، عند رفع إِله محلي إلى مركز إِله عام، عدم نبذ الآلهة الأخرى، وهذا ما عُرف بـ “مبدأ التفضيل” أو “التفريد”. وأخيراً، اتصفت هذه الديانة باستمرارها، بحيث بقيت محافظة على جوهرها طوال عصور حضارة وادي الرافدين(10). وتبعاً لذلك صُوِّرَتْ الآلهة بِأنها تعيش، كما يعيش البشر، في مجتمع تحكمه قوانين وضوابط محددة، وعلى رأس هذا المجتمع رئيس الآلهة (الملك/ الأب)، يساعده في إدارة شؤون مجمع الآلهة عدد من الآلهة الكبار. وكان للآلهة مجلس أعلى (انوناكي) Anunnaki يضم خمسين آلهة عظام تجتمع فيه لاتخاذ القرارات التي تهم الآلهة والبشر. وكان ضمن هذا المجلس وفوقه “السبعة”، وهم بالإضافة إلى الثلاثة الكبار: ننهوساك Ninhusag, نانا Nanna, اوتو Utu, انانا Annana. يبين وجود النساء في المجلس أنهن في وقت ما شكلن جزءاً من الجمعيات (البرلمانات) البشرية. واعتقد القوم أن معظم الآلهة تسكن في السماء، وهناك من يسكن العالم الأسفل، ولكل من الآلهة صفات ومسؤوليات معينة. واعتقد القوم أن المجتمع البشري الأرضي نسخة مطابقة للمجتمع الإِلهي السماوي، وأن ما يقع من أحداث في السماء تقابلها أحداث مماثلة في الأرض(11). كما تخيل سكان وادي الرافدين الأرض في هيئة قرص محاط بحاشية من الجبال يطفو على محيط من المياه العذبة (ابسو) حيث تدور حوله الأجرام السماوية. وهناك نصف آخر مشابه يضم “العالم الأسفل” تحت الأرض تمكث فيه أرواح الموتى. أما كيف تم خلق العالم؟ ومن هو الذي خلقه؟ فقد تباينت الأجوبة حسب تباين المواريث الأسطورية والمراحل التطورية الحضارية التي مرت بها تلك المعتقدات ارتباطاً بِأوضاع بيئتهم الطبيعية وبالعلاقة مع أساليب زراعتهم بين تلك المطرية/ الديمية وبين الزراعة المروية(12). أما سر خلود وقدرة الآلهة فيقبع في تحملها مسؤولية إدارة الكون وحمايته من القوى الشريرة(13). وإذا كان الأمر كذلك، عندئذ فما هو سبب خلق الإنسان؟ خلقت الآلهة الكون أولاً، بما في ذلك الأرض والسماء والكواكب والنجوم والموارد. وفُرضت على الآلهة الصغار العمل تحت ضربات سياط الآلهة الكبار، مما ولَّدت الشكاوى والاحتجاجات، فبادرت الآلهة الكبيرة لإيجاد بديل، بخلق الإنسان من أجل إراحتها، بِأن يقوم الإنسان مقام الآلهة بالعمل في أراضيها وتزويدها بمتطلباتها (القرابين)، وأن يلتزم بنواميسها الحضارية التي وهبتها للبشرية لتنظيم مجتمعاتهم، بإِطاعة الملك (نائب- ممثل الإِله)- القانون- النظام- النواميس الأخلاقية، وأن يقوم بعبادتها ويقدم لها الطاعة. مقابل ذلك يأمل الإنسان أن يحصل من الآلهة على حمايته في حقله- عمله وصحته وعائلته وأن تمد في عمره. والآلهة قوى خارقة خالدة، مصدر كل شيء، محرك كل الأحداث التي تقع في حياة الإنسان والمجتمع والكون. وهي صفة مطلقة لقوة عظمى تُسَيّر الكون والعالم. وهذه القدرة (القوة) تتميز بالعلو والرفعة، وهي قابعة في السماء، وحاضرة مع المخلوق (المتعبد) متجسدة في إِلهه الشخصي(ملاكه الحامي)، وهي ذات مهابة والهام مخيف وموهوب بنور كاشف مقدس(14). عليه فالإنسان ما هو سوى عبد للآلهة، وجبت عليه الطاعة والخدمة والعبودية. وهذا يُفسر مثلاً “أن الملوك الآشوريين الأقوياء الذين بسطوا سيادتهم على إمبراطورية شاسعة من نهر النيل إلى بحر قزوين، لا يعتبرون أنفسهم أكثر من عبيد متواضعين يسعون لإرضاء آلهتهم آشور…(15)” أما سر القدرة الخارقة للآلهة، فيكمن في أربع سمات إِلهية(16):
الأُولى القدرة على الخلق، وهذه القدرة تقوم على النطق (الكلمة). فعندما يقول الإِله لشيء “كن فيكون”. يذكر (كريمر)- عالم السومريات “إن فلاسفتنا السومريين طوروا مبدءاً صار فيما بعد عقيدة في أنحاء الشرق الأدنى كافة، وهو مبدأ القوة الخالقة الكامنة في الكلمة الإِلهية. فكل ما على الإِله الخالق أن يفعله وفقاً لهذا المبدأ هو أن يضع خططه، ينطق بالكلمة ويعلن الاسم(17).”
الثانية القدرة على تحديد هيئة المخلوق وصفاته الجسدية والروحية، أي تعيين جوهره- قواه البدنية والعقلية- وسلوكه من خير وشر. الثالثة القدرة على رسم مصير المخلوق مسبقاً: يوم ولادته، فترة حياته، طبيعة الأحداث اليومية التي ستواجهه، مكانته الاجتماعية- الوظيفية- المالية- الصحية.. والتي تتجسد في (ألواح القدر/ المصائر) المحفوظة لدى الآلهة في السماء. الرابعة القدرة على منح المخلوق وسائل يستطيع من خلالها تنظيم مجتمعه وبناء حضارته (النواميس الإِلهية) التي قيل أنها بحدود المائة ناموس، تتقدمها الملوكية والتاج والصولجان.. وتمكينه من معرفة إرادة الآلهة وفق علامات كونية: طبيعية، بشرية، حيوانية، تتطلب الفحص والتفسير بقراءة الطالع والتنبؤ (الفأل) والسحر. تشكل القبور المكتشفة وفي مقدمتها (مقبرة اور الملكية) دلائل واضحة على وجود فكرة الحياة الأخرى لدى القوم، إلا أن تفاصيل حياة الآخرة (ما بعد الموت) جاءت في الغالب قليلة مشوشة ومتناقضة. كما أن تلك القبور التي انحصر اكتشافها في مواقع محدودة، تعود إلى فترات مبكرة من عصر فجر السلالات التي تميزت بحركة التطور التدريجي لحضارة القوم ومعتقداتهم الدينية. عليه لا توجد دلائل مقنعة على اعتقاد سكان وادي الرافدين بقيامة الميت وبعثه وما يتبعه من ثواب وعقاب(18). من الحقائق البديهية التي أدركها القوم هي حتمية الموت على الإنسان واستحالة نيله الخلود. فالآلهة جعلت الموت من نصيب الإنسان منذ بدء الخليقة، بينما استأثرت هي بالحياة الخالدة (ملحمة كلكامش). الموت وإِله الموت كان موجوداً قبل مجيء الآلهة إلى الوجود وخلق الإنسان. والموت ناموس الكون. بلغت حتمية الموت درجة أنه حتى الآلهة الذين من ميزاتهم الخلود، لم يسلم بعضهم من الموت عن طريق العنف (القتل)، كما حدث لجيل الآلهة القديمة (ملحمة الخليقة البابلية). لكن سكان وادي الرافدين لم ينظروا إلى الموت على أنه الفناء المطلق، بل انفصالاً ما بين الجسد والروح التي تلازمه مدى الحياة. وعند الموت (انقطاع آخر نفس للإنسان) تخرج روحه لتذهب إلى العالم الأسفل- عالم الأموات- عالم اللا رجعة- بينما يعود جسمه إلى التراب. وبذلك اعتقد القوم أن الإنسان مركب من عنصرين أولهما حسي- مادي منظور هو الجسد، وثانيهما غير منظور هو الروح التي أطلق عليها السومريون (كدم) GIDIM. وفي هذا العالم المظلم الذي يلفه الغبار والتراب ويُعدم فيه الهواء والضوء، لا تجد أرواح الموتى ما تعيش عليه سوى ما يُقدم لها من نذور وقرابين. وإذا لم يتذكرهم أحد فسوف يردون إلى الأرض في شكل أشباح مؤذية للناس. ونفس الشيء يحدث عند عدم دفن الميت أو عدم أداء الطقوس الدينية أثناء الدفن وبعده من صلوات وقرابين(19).
ووفق هذه العقيدة يصبح الإنسان بعد الموت في حضارة وادي الرافدين أقل مما كان عليه، رغم ضآلته وتفاهته futile life في الحياة الدنيوية. عليه لا وجود لمفهوم الثواب والعقاب في الآخرة عند القوم “فآلهتهم آلهة حسودة وطاغية، خلقت الإنسان لخدمتها وليس هناك ما يسمى ثواب الإنسان ولكن عقاب فقط إذا لم يقم بواجبه تجاهها(20).” وبالإضافة إلى أهمية الالتزام بالطقوس الدينية عند موت الإنسان ودفنه حتى تستقر روحه في العالم الأسفل، فإن المآثر الصالحة التي تركها في دنياه تمنح روحه بعض الامتيازات، كما في أرواح الموتى الذين حققوا مجداً في الحرب أو خلّفوا كثرة من أبناء ذكور (أسطورة موت انكيدو). كما صوَّر القوم روح الميت بهيئة مخلوق بجناحين من الريش، وربما يفسر هذا اعتقادهم قدرة هذه الأرواح على التنقل السريع. أخذ عرب ما قبل الإسلام (الجاهلية) هذا المفهوم وصوَّروا روح الميت على هيئة طائر أطلقوا عليه اسم (الهامة). وحين تعود هذه الروح لشخص مقتول، عندئذ يهيم الطائر (روح المقتول)، في حالة عدم الأخذ بثأره من قاتله، وهو ينعق “أسقوني! أسقوني(21)…!”

2- الطقوس الدينية تشكل هذه الطقوس ممارسات عقائدية للإيفاء بالمستلزمات الدينية(22). تضمنت في ديانة حضارة وادي الرافدين: التطهير والصلاة والتراتيل، النذور والقرابين، الاحتفالات الدينية والترانيم، الأدعية والتعاويذ، التكهن بالغيب والتنبؤ (الفأل) بالمستقبل، معرفة الطالع وتفسير الأحلام، التنجيم والسحر. ورغم المحاولات التي تجري في العصر الحديث للتميز بين الأصناف المختلفة للدين واللاهوت والأخلاق، العرافة والسحر والتعزيم.. فإِن هذه المحاولات لم يكن لها وجود في العالم القديم، إذ كانت هذه العناصر كافة “تشكل أجزاء من كل واحد عظيم(23).” تُعتبر الصلاة أُولى طقوس العبادة في الديانة السومرية وحلقة وصل قوية بين الأرض والسماء أو بين الإنسان والإِله، وارتبطت بممارسات محددة تتقدمها التطهير التام والوضوء بغسل اليدين والركوع والسجود ورفع اليدين إلى الآلهة والتمتمة ببعض الابتهالات والأدعية، بما فيها الشكاوى والتوسلات وعبارات الشكر والطاعة والعفو والمغفرة. وبذلك شكلت الصلاة طريقة لاتصال الفرد بالإِله بِِِقصد تحاشي غضبه وعقابه وكسب رضائه واستعطاف بركاته. وعبَّرت عن الورع والخوف والخشوع ومحاولة تحقيق السلام الروحي للفرد وضمان مسيرة حياة المتعبد وتحقيق أُمنياته وتطلعاته من حيث الرخاء والصحة والأولاد وطول العمر. وفي غير ذلك، أي عند معصية الخالق يُعتبر الشخص مسؤولاً عن مصيبته ومرضه وخيبته في غياب الحماية الإِلهية(24). ومن خلال طقوس التعبد وأعمال التعزيم والسحر التي شكلت جزءاً من العقيدة الدينية، كان يتم دعوة الإِله لاستدرار المطر(25). يذكر نيكولاس بوستغيت “وكان الملك… هو الكاهن الأكبر في آشور… وعندما يحدث قحط فاجع كان الملك نفسه هو الذي يكتب الرسائل إلى الحكام التابعين لـه لتنظيم مشاركة الناس في الابتهال إلى إِله الجو اداد كيما ينزل المطر(26).” وهي نفس الطقوس المتبعة في الديانة الإسلامية باستعطاف الله من أجل إنزال المطر عند حدوث جفاف أو قحط بتنظيم صلاة الجماعة (صلاة الاستسقاء). شكلت تماثيل الآلهة في المعبد جانباً محورياً من عقيدة القوم وطقوسهم الدينية باعتبارها وسيلة لاتصال الإنسان بالآلهة، حيث أُعتبر الإِله حاضراً في تمثاله(27). وبعد تقديم الطعام إلى الإِله (تمثاله) والذي أُعتبر مباركاً، كانت الأواني ترسل إلى الملك ليأكل منها لكي تنتقل البركة إليه. كما عبَّرت كذلك عادة رش الماء (ماء الورد) من الإِناء، “الذي لمسته” أصابع تمثال الإِله، على الملك ورجال الحاشية، عن نفس العقيدة في كون ذلك الماء مباركاً(28). رغم أن المعبد كان يمارس مختلف أشكال الطقوس الدينية والمناسبات الاجتماعية بما فيها احتفالات الزواج والمراسيم الجنائزية، إلا أن احتفالات رأس السنة- التي نشأت في الأصل عيداً من أعياد الطبيعة- كانت الأكثر أهمية وشمولية وبهجة وحضوراً جماهيرياً(29). جسَّد مهرجان السنة الجديدة الحدث الديني الرئيس في السنة كلها في جميع أرجاء بلاد بابل وآشور. امتد في بابل أحد عشر يوماً منذ الأول من شهر نيسان، ويتحقق فيه تجديد الملوكية والزواج المقدس واجتماع الآلهة في مجلسهم لتقرير مصائر البشر والعالم- الكون للسنة التالية. ويبلغ المهرجان ذروته في يومه الخامس عندما يأخذ الكاهن الأعظم بيد الملك ويقوده ليقف أمام تمثال (مردوخ)- إِله بابل- ليعيد الملك سلطاته للإِله، ويتلقى صفعة على وجهه من الكاهن الأعظم ويجبره الركوع على ركبتيه لتقديم اعترافه أمام الإِله. وعندئذ يقدم الملك تقريره مؤكداً أنه عمل وفق أوامر الإِله بتنفيذ إرادته والحفاظ على أملاكه ومدينته- دولته وتحقيق العدل بين رعيته. وبعد ذلك تُعاد إليه سلطاته. ويصل المهرجان قمته في يومه العاشر عندما يقود الملك بنفسه الموكب من معبد مردوخ (ايساقلا) في بابل بعد كساء تمثال الإِله ثياباً مقدسة مزينة بالذهب والأحجار الكريمة. ويسير الموكب في الطرقات إلى المعبد المخصص لاحتفالات رأس السنة في بداية الربيع (بِت- اكيتو) BIT-AKITU خارج المدينة. وهنا يقوم (مردوخ) بمعركة رمزية ضد الوحوش التي تمثل القوى الشريرة. وبعد انتصاره يعود الموكب إلى المدينة مزهواً، وترفع الجماهير هتافات بهجتها الشعائرية مراراً وتكراراً(30). “وإذا ما راقبنا تصرف الحشود أثناء التمثيليات الدرامية التي يحتفل فيها الشيعة… نستطيع أن نتصور مهرجانات الإِله مردوخ في مدينة بابل، وارتفاع أصوات النائحين وهبوطها هذه الأيام، فلا بد وأن يُردد صدى المناحات التي كانت تُسمع أثناء دفن الجنائز في العصر الآشوري الحديث(31).”

3- الكهنة والمعبد ظهر المعبد باعتباره مؤسسة دينية، بل وأول مؤسسة اجتماعية عامة في شمال البلاد مع بداية الاستيطان في القسم الجنوبي لوادي الرافدين في حدود 5000 سنة ق.م. وشكَّل مركز الحياة الحضرية فيها ومحور التجمعات السكانية. وهناك أسباباً مُقنعة على أن القَوامين على المعابد كانوا أقدم حكام المجتمعات المتحضرة في وادي الرافدين. وكان الكاهن الأعظم (اين) EN يجمع في شخصه السلطتين الدينية والزمنية. هذا قبل أن تبدأ عملية الانفصال التدريجي بين الوظيفتين في فترة ما من عصر فجر السلالات بظهور الحاكم الزمني المفوض من إِله المدينة لإدارة شؤون دولته الأرضية. وأطلق على هذا الحاكم (انسي) ENSI، وأعقبه ظهور الملك (لوكال) LUGAL عندما كان يتسنى لحاكم المدينة بسط نفوذه وإخضاع حكام مدن أُخرى لسلطانه.(32) “وهكذا نجد أن المدينة السومرية تنمو ليس حول قصر أو قلعة، إنما حول (ضريح) أو مرقد. وفي كل الأحوال كان المعبد هو المحور الذي تدور حوله النشاطات الاقتصادية والاجتماعية(33).” شكَّل المعبد طوال مسيرة حضارة وادي الرافدين أحد قطبين رئيسين في النظام الاجتماعي- الاقتصادي- السياسي. فبالإضافة لكونه مركزاً دينياً تُقام فيه الطقوس والشعائر من احتفالات ومناسبات دينية، بما في ذلك إقامة الصلوات وتقديم النذور والقرابين، كذلك كان مركزاً اقتصادياً واجتماعياً فعالاً مارس دوراً جوهرياً في الحياة العامة، وبلغت هذه الممارسة قمتها في عصر فجر السلالات. ولما كانت المدينة مُلك الإِله الحامي، والمعبد هو الوسيط بين الإِله وبين الناس، عليه يُفترض أن المعبد مارس دور راعي ممتلكات المدينة من أراضٍ وبساتين لصالح إِله المدينة الحامي قبل أن يظهر الملك في فترة لاحقة. وهذا ما دفع بعض الباحثين الأثريين الاعتقاد بِأن المعبد كان يمتلك جميع أراضي المدينة في العصور المبكرة(34). وبموجب النصوص المسمارية المكتشفة في (لكش)- عصر فجر السلالات، يمكن الوقوف عند النشاط الواسع الذي كانت تمارسه معابدها في حياة السكان الاقتصادية والاجتماعية. قُدر عدد الخدم والعبيد التابعين لمعابد لكش- التي لم تقل عن عشرين معبداً- نحو عشرة آلاف شخص مضافاً إليهم نحو عشرين ألفاً من الأحرار. وقُدرت أملاك هذه المعابد من الأراضي الزراعية في حدود 25%- 50% من أراضي المدينة(35). كان كل معبد من معابد دولة المدينة (لكش) يمتلك حقوله الزراعية ومراعيه الخاصة وبساتينه ومواشيه وآلاته وأدواته وورشه، رغم أن الحصة الرئيسة منها تعود إلى المعبد الرئيس- معبد إِله المدينة- الإِله الحامي. ومن المتفق عليه تصنيف الأراضي الزراعية للمعبد- غير الخاضعة للبيع والشراء- إلى ثلاثة أصناف من حيث كيفية استغلالها: الأولى (أرض المولى)- أرض الرب أو السيد- وكان يقع على سكان دولة المدينة (من أحرار وخدم وعبيد) استثمارها وتخصيص كامل غلَّتها للطقوس الكهنوتية (الإِله- المعبد).. الثاني (أرض الطعام)، وتكون مقسمة إلى وحدات زراعية، وتمنح بـ (اللزمة)، وتوجه غلَّتها لصالح العاملين فيها ولمنتسبي المعبد.. والثالث (أرض المحراث)، وتؤجر للفلاحين لقاء حصة عينية بحدود سبع أو ثمن المحصول(36). وبالإضافة إلى العوائد التي كان المعبد يحققها من نشاطاته المتعددة (الزراعة والتجارة والحرف) كان يحصل أيضاً على الهدايا والقرابين من كافة الطبقات والشرائح الاجتماعية. عليه صارت في متناول المعبد موارد كبيرة مكنته من تحقيق الاكتفاء الذاتي وتكوين ثروة احتياطية (فائض اجتماعي) استُخدمت لأِغراض المعبد وممارسة دوره الديني- الاجتماعي- الاقتصادي. وكان يرد إلى المعبد يومياً أفضل منتجات الحقول الزراعية والبساتين والمواشي لأِغراض الأضاحي اليومية للإِله- المعبد وإعادة توزيع الباقي بين استهلاك العاملين في المعبد وبين خزنها تحوطاً لمجاعة مرتقبة أو مبادلتها مع بضائع مستوردة كالمعادن والأخشاب والأحجار. ولأِن السكان كانوا على الدوام رهن إشارة المعبد، أصبح بوسعه المساهمة في الأشغال العامة بما في ذلك بناء التحصينات وشق القنوات المائية وصيانتها. هذا علاوة على مساهمات المعبد الاجتماعية: فض المنازعات بين الناس، ضمان شرعية العقود، السيطرة على نسبة الفوائد بمنح القروض بفائدة محدودة أو بدون فائدة أحياناً، قبول الودائع والأمانات، والمساهمة في بعض الإجراءات القضائية أو المحاكمات بضمنها ما يُعرف بـ (الاختبار النهري) الذي كان يُمارس برمي الشخص نفسه إلى الماء لإِثبات براءته من التهمة عند عدم توفر الأدلة المادية، معتمدة هذه المساهمات، بعامة، على مدى قوة أو ضعف العلاقة بين المعبد والقصر(37). ويعترف شريعة حمورابي بالدور الاجتماعي للمعبد، متضمناً: إذا لم تستطع عائلة تاجر سجين خارج البلاد جمع فديته، على المعبد فعل ذلك. ووجد اليتامى واللقطاء وغيرهم أنفسهم أعضاء في أُسرة المعبد. وفي أوقات المجاعة قد يقرر رب الأُسرة تخفيف أعباء معيشة عائلته وإنقاذ حياة طفله بتكريسه لأِحد المعابد. وكان للمعبد حصة في أسرى الحرب يُقدمهم الملك مع نهاية كل حملة عسكرية ظافرة(38). يضاف إلى ذلك كان المعبد مركزاً ثقافياً كهنوتياً يتعلم فيه الكهنة والكتبة وتحفظ فيه مختلف النصوص الأدبية والدينية والعقود التجارية. كما ظهر في كنف المعبد أعظم اختراع حضاري (الكتابة المسمارية) في مدينة الوركاء (4000- 3500 ق.م)، وبذلك أصبحت المؤسسة الدينية لحضارة وادي الرافدين أول مدرسة تعليمية في تاريخ البشرية(39). ورغم التغيرات المختلفة التي حصلت في مكانة المعبد من حيث زيادة أو انكماش أهميته بالعلاقة مع القصر، ظلَّ أحد ركنين أساسيين في صرح النظام الاجتماعي على مدى كافة عهود حضارة وادي الرافدين. كان يُقام في كل مدينة كبيرة معبد رئيس، بل وأكبر المعابد في دولة المدينة لعبادة إِله المدينة الحامي. وكان الملك رئيساً لكهنة المعابد المختلفة باعتباره (الراعي) المختار من قبل إِله المدينة والمسؤول أمامه مباشرة. وكانت إحدى أكثر واجبات الملك قدسية هو بناء المعابد وترميمها. إلا أن بناء المعبد لم يكن قراراً اعتباطياً يتخذه الملك كيفما يشاء، بل كان ينبع من طقوس محددة تتحقق في حالات خاصة تظهر بشأنها “علامات إِلهية”، كما في حلم للملك يفسره الكاهن الأعلى أنه أمر من الإِله لبناء المبعد(40). ضم المعبد أصنافاً متعددة من الكهان والكاهنات للقيام بالطقوس التعبدية والإشراف على شؤون المعبد الإدارية والاقتصادية. وكان الملك على رأس الكهانة باعتباره ممثل أو نائب الإِله. ولأِنه غير قادر على أداء كافة المهام الدينية، لذلك يختار بديلاً عنه (الكاهن الأعظم) الذي يتربع على عرش المعبد، تضاهيه في المرتبة الكاهنة العظمى (انتين) ENTIN التي كانت مكرسة بالدرجة الأُولى لتمثيل زوجة الإِله في الاحتفالات الدينية (الزواج الإِلهي المقدس)، لذلك حُرِّمتْ من الزواج أثناء حياتها الدينية، بل وحُرِّمَتْ من الإنجاب حتى بعد زواجها وخروجها من المعبد. وبقيت وظيفة الكاهن الأعظم والكاهنة العظمى من المناصب الدينية- الاجتماعية الرفيعة التي انحصرت بالعائلة المالكة والطبقة الأرستقراطية العليا. يضاف إلى ذلك أن المعبد امتلك عددا كبيراً من الكهنة العاملين فيه، حيث يترعرع أبناؤهم بين جدرانه، ويحصلون على تربية متكاملة في مدرسته (بيت مومي)- بيت المعرفة.(41) وبالعلاقة مع وظائف وطقوس المعبد يمكن القول بإِيجاز أن هذه الوظائف وطقوس العبادة المختلفة استهدفت تحقيق غرضين متكاملين: أولهما معرفة إرادة الآلهة لتنفيذها وكسب رضائها ودرء غضبها وانتقامها، وثانيهما جعل الفرد يعيش بسلام مع إِلهه وذاته ومجتمعه. يتولى العرافون إنجاز المهمة الأُولى، أي معرفة إرادة الآلهة وتفسيرها، ويتولى المنشدون والعزامون والسحرة المهمة الثانية(42). أما مواصفات الكهنة، وحسب النصوص المسمارية “لا يستطيع أحد أن يكون قيّماً على مراسيم (شمش و ادد) وهما آلها الكهانة من كان أبوه غير طاهر، وكان هو غير كامل الأطراف أو الملامح، وغير سليم العينين أو الأسنان أو الأصابع، أو من كان يبدو عليه المرض، أو به دمامل(43).” ويظهر أن حق ممارسة وظيفة في المعبد (بضمنها حتى كناس الفناء أو البواب) والتمتع بدخلها، محل بيع وشراء بحرية(44). وذلك منذ العهد البابلي القديم، في حين أن هذه الطريقة كانت أقلَّ شيوعاً في الفترات السابقة. و لم تزدهر كثيراً رغم أنها استمرت لغاية نهاية حضارة وادي الرافدين(45). بالإضافة للكهنة المسؤولين عن إدارة المعبد ونشاطه الاقتصادي والمشرفين على منتسبيه- الأحرار والعبيد- في حقوله وورشه، تواجدت كذلك أصناف مختلفة من الكهنة والكاهنات حسب اختصاصاتهم للطقوس الدينية، منهم: المشرفون على الأضاحي والقرابين وذبحها، المنشدون (الأعياد الدينية ومناسبات الزواج)، الندابون (المناسبات الجنائزية)، الطبالون والزمارون. يضاف إليهم العرافون (التنبؤ وقراءة الفأل) والعزامون والسحرة (طرد الأرواح الشريرة والتصدي للسحر الأسود). كان المنشدون (النارو) متخصصون بِأناشيد الفرح تتقدمها أعياد رأس السنة التي شكلت أضخم مناسبة دينية، كما سبق الحديث، حيث يقومون بترتيل الصلوات، وتصاحب الإنشاد موسيقى عالية كان صوتها يُقارَن بـ “خوار الثور”. بينما اختص الندابون (الكالو) بالمناسبات الحزينة من دينية (طقوس عبادة) واجتماعية (جنائزية)، فيتلون ترانيم مختلفة من النواح. وكان هدف التكهن البحث عن رغبات الآلهة بغية طاعتها وتنفيذها وكسب رضائها وتجنب غضبها وعقابها. وكانت عقيدة القوم تتلخص في أن الآلهة تكشف عن إرادتها بدلالات كثيرة جداً يمكن ملاحظة علاماتها في كل مادة وحركة في الطبيعة. وكان العراف “الرجل الذي يفتش ويرى” يحظى بمكانة رفيعة ويخضع لفترة من الدراسة والتدريب، وينحدر من عائلات راقية، ويتصف بكامل الخلقة، ويقوم بالتنبؤ من خلال دراسة أحشاء الضحية الحيوانية خاصة الكبد علاوة على رمي الأقداح وسكب الزيت في الماء. وكانت الولادات البشرية والحيوانية غير الطبيعية وغيرها من الأحداث الغريبة على القوم تُعتبر نوعا من الفأل الذي يجسد إرادة الآلهة وتتطلب الكشف والتفسير. وكان العراف يحتل مكانة مهمة في القصر ويكلفه الملك باستمرار لمعرفة مستقبل الأحداث، خاصة قبل إقدامه على حملة عسكرية. ويلاحظ أن قراءة الطالع لعبت دوراً بارزاً في تفسير ظواهر عديدة تتقدمها أمور الخير والشر والنصر والهزيمة. وكانت الأحلام، في الغالب، أكثر حاجة للتفسير من منطلق الاعتقاد أنها الواسطة التي تنتقل عن طريقها التحذيرات الإِلهية. وكان المواطن البابلي يعتبر الحلم مساوياً للحقيقة. بينما اتخذ التنجيم البابلي (وهي من طرق العرافة التي اشتهرت في وادي الرافدين) من الأنواء الجوية قاعدته لأِنه قام على مراقبة الرياح والنجوم والكواكب السيارة والخسوف والكسوف. “لقد كان التنجيم في الحقيقة معادلاً، من قريب أو بعيد، للتنبؤات الجوية الحديثة(46).” وأخيراً، ارتبطت ممارسات السحر في بابل بشعائر التعزيم المضاد للشياطين من الأرواح الشريرة والعفاريت. ولم يكن السحر الأبيض هذا معترفاً به، حسب، بل كان أداة مخاطبة الآلهة أيضاً. وكان الهدف من هذا السحر خيرياً يعمل أما على إبعاد الأرواح الشريرة عن المتعبد أو طرد هذه الأرواح من جسده عند إصابته بمرض بسبب معاصيه أو تعرضه للسحر الأسود الذي مارسه فريق من السحرة بصورة غير مشروعة (سراً) حيث كان القانون يُعاقب عليه. وكان الإِلهان (مردوخ) و (انكي)- ايا- يمثلان القوى الخيرة المتفوقة بالإضافة إلى خدمهما من الجن الصالحين، ويمثلان راعيا السحر الأبيض الذي اكتسب طبيعته الجوهرية من تطبيق طقوس معينة من قبل المعزم (اشيبو)- قارئ التعاويذ الذي يستمد سلطته من كونه وسيطاً لإِله السحر (47).

هوامش الفصل العاشر
(1) سليمان، عامر، “جوانب من حضارة العراق القديم”، العراق في التاريخ، ص208- 209.
(2) باقر طه، مقدمة في تاريخ…، ص559..,
Postage, Nicholas, P.12..,De Mieroop,P.43. (3) اوينهايم، ليو، ص252..,
(4) رو، جورج، ص128.
(5) حنون، نائل، عقائد ما بعد الموت في حضارة بلاد وادي الرافدين، بغداد،1986، ص27- 39..، سليمان، عامر، “جوانب من حضارة العراق القديم”، العراق في التاريخ، ص210.
(6) باقر، طه، مقدمة في تاريخ…، ص212..، رو، جورج، ص420.. وفيما يخص أسماء الآلهة وأصولها وعلاقاتها…، وانظر: الماجدي، خزعل، إنجيل سومر، عمان 1998.
(7) ساكز، هاري، ص212..، رو،جورج، ص143.. ولمزيد من التفصيل في ديانة حضارة وادي الرافدين، انظر: الماجدي، خزعل، الدين السومري.
(8) علي، فاضل عبد الواحد، “حضارة بلاد وادي الرافدين: أصالتها وتأثيرها في بلدان الشرق الأدنى القديم”، العراق في التاريخ، ص286..، باقر، طه، مقدمة في تاريخ…، ص336- 337..، ساكز، هاري، ص225-226.
(9) كونتينو، جورج، ص412..، ساكز، هاري، ص223..، رو، جورج، ص133..,
Hawkes,Jacquetta,P.210. (10) رو، جورج، ص128.
(11) سليمان، عامر، “جوانب من حضارة العراق القديم”، العراق في التاريخ، ص211..، رو، جورج، ص130..، باقر، طه، مقدمة في تاريخ…، ص332..,
Hawkes,Jacquetta,P.153. (12) اوينهايم، ليو، ص272..، رو، جورج، ص136- 137..، رشيد، فوزي، حضارة العراق، ج1،ص165.
(13) حنون، نائل، ص44.
(14) اوينهايم، ليو، ص221- 222.
(15) رو، جورج، ص128.
(16) الماجدي، خزعل، متون سومر، ص257- 267.
(17) نفسه، ص257.
(18) كونتينو، جورج، ص497- 498..، رو،جورج، ص145- 146.
(19) باقر، طه، مقدمة في أدب…، ص223- 224..، حنون، نائل، ص107- 108.
(20) شمُار، جورج بوييه، ص231..,
Hawkes,Jacquetta,P.12. (21) حنون، نائل، ص110- 111،130- 134.. وكذلك ص112, الهامش18، بشـأن اصل مفهوم الثأر لدى عرب الجزيرة.
(22) الماجدي، خزعل، متون سومر، ص309.
(23) ساكز، هاري، ص211.
(24) عبد الواحد، فاضل (و) سليمان، عامر، ص117..، اوينهايم، ليو،ص219..، كونتينو، جورج، ص250- 251،472- 473.
(25) كونتينو، جورج، ص486.
(26) بوستغيت، نيكولاس، ص149.
(27) سليمان، عامر، “جوانب من حضارة العراق القديم”، العراق في التاريخ، ص212..، اوينهايم،ليو، ص133،230.
(28) اوينهايم،ليو،ص236- 237. (29) كونتينو، جورج، ص474.
(30) ساكز، هاري، ص227- 228.
(31) كونتينو، جورج، ص500.
(32) باقر، طه، مقدمة في تاريخ…، ص331..، كونتينو، جورج، ص463..، رشيد، فوزي، حضارة العراق، ج1، ص184- 186..، الاحمد، سامي سعيد، حضارة العراق، ج2، ص8..,
Kagan,Donald,P.17.., Hammond,Mason,P.47. (33) رو، جورج، ص102.
(34) سليمان، عامر، “جوانب من حضارة العراق القديم”، العراق في التاريخ، ص212.
(35) باقر، طه، مقدمة في تاريخ…،ص337- 338. (36) الاحمد، سامي سعيد، “الزراعة والري”، حضارة العراق، ج2، ص184..، باقر، طه، مقدمة في تاريخ…، ص337- 338..، رو، جورج، ص185.
(37) كونتينو، جورج، ص234..، رشيد، فوزي، حضارة العراق، ج1، ص187.
(38) بوستغيت، نيكولاس، ص22.
(39) سليمان، عامر، “جوانب من حضارة العراق القديم”، العراق في التاريخ، ص212- 213..، باقر، طه، مقدمة في تاريخ…، ص331.
(40) اوينهايم، ليو، ص133،230..، رو، جورج، ص188..,
DeMieroop,P.56. (41) ساكز، هاري، ص228- 229.
(42) كونتينو، جورج، ص363- 465.
(43) نفسه، ص465.
(44) ساكز، هاري، ص228- 229.
(45) بوستغيت، نيكولاس، ص22.
(46) كونتينو، جورج، ص476- 480. وأيضاَ، الماجدي، خزعل، متون سومر، ص117.
(47) اوينهايم، ليو، ص223.