جدل الفكر والدين في العراق القديم


آمن العراقيون بحتمية الموت إذ لا مفر منه لأي إنسان مهما علا شأنه، ويمثل جلجامش الرمز الذي يؤكد تلك الحقيقة.



بقلم: د. عامر عبد زيد


تمثل الأسطورة معالم حقائق؛ لأنها تعالج الوعي البشري، وما يواجهه من تحديات جسيمة، ذلك الوعي الذي ابتداع الفكر؛ ليكون الميزة التي تميزه عن سائر الكائنات؛ إلا إن الفكر كان مملوءا بالخيال، ويعتريه الغموض، لأنه كان يعول على الحدس الذي تمظهر عبر الأسطورة وهذه الأخيرة تقدم إبطالها لغرض، وغاية معينة من قبل المؤسسة الاجتماعية، تلك المؤسسة التي تعبر عن رغبات الأفراد بما تقدمه من معارف، وقيم وأنماط سلوك، وعوالم متخيلة تسبغ الشرعية والاستقرار على العالم الواقعي القائم.

من هنا كانت الأسطورة ثوباً اختاره الإنسان وتجربةً فكريةً شكلت البداية التي مازالت مظاهرها حاضرة في النصوص المقدسة والفلسفية والأدبية بل وفي طريقة البشر في التعامل مع الطبيعة. فلا تخلو السياسة اليوم من الأسطورة. وكذلك الفن والأدب. ومازال الخيال يمتد عميقا في الحاضر صوب المستقبل، فهكذا جاءت تلك الصورة التي لا يمكن عزلها عن الفكر لأنها تمثل الشكل الذي أصبحت التجربة فيه واعية بذاتها ولذلك يجب إن تؤخذ الأسطورة دائماً بالحسبان لأنها تكشف عن حقيقة مهمة وان يتعذر إثباتها، تلك هي الحقيقة الميتافيزيقية، ومن هنا جاءت فعالية قراءة البواكير الفلسفية في الموروث العراقي القديم في مباحث الوجود والمعرفة والقيم.

1- مبحث الوجود في الموروث العراقي القديم: وفيه الوجود – المعنى والدلالة – فالوجود: (ذلك الخليط الذي لا تفرز عناصره), الذي يعيش فيه الناس والحيوان والنبات والحجارة والنجوم على مستوى واحد من الشخصية والبقاء الحي.

ومن مميزات رؤية العراقي القديم إلى الوجود، أن كل وجود هو ذات تتمتع بإرادة وفردية هو نظام وطبيعة يؤلف دولة كونية ولكل موجود كيان اثر في دولته بما في ذلك الافكار المجردة كالعدالة والعائدة على إن مواطني دولته ليسوا على مستوى واحد من الإرادة والقوة والسلطة والفعل, إذ يعتقد العراقيون بصدق دولتهم الكونية, وتحققها الفعلي, ويعتقدون أيضا بشموليتها ومطلقيتها.

وهكذا كان الوجود لدى العراقيين ذا طابع حيوي، فكل شيء حاوي على الروح والمادة بأبسط مفهوم لها. فطبيعة الوجود متمثلا بحشد الكائنات التي تتحكم بالظواهر والأشياء, لذا كانت طبيعته عاقلة ، ثم أن الموروث العراقي القديم قد جعل لتلك الطبيعة شخصيةً ووجد الإنسان في نفسه الصورة المثلى لألهته وصورها على صورته ، بل كان له الشرف ان يخلق هو على صورتها، في ظل دولة كونية هي انعكاس لدولة المدينة السومرية ، وهي انعكاس أيضا لتعدد الآلهة وعلى هذا جاءت تلك العلاقة على أنها علاقة أوامر إلهية مقابل طاعة بشرية فالمواطن أحس بضالته إمام قوى الطبيعة اعتقادا منه بأنه قد خلق لخدمة الآلهة.

2- قوله (بالتغيير والحركة): هذا ما ظهر في الصراع بين (السكون والحركة), قصة الخليقة البابلية حيث الصراع الذي حدث بين اله الحركة والعقل (أيا) مقابل (تياما) رمز الظلمة والأبدية, وثانيا بين الإنسان رمز الحركة والحياة مع (انليل) اله العاصفة الراغب في العودة إلى حالته السكونية، لكن لو عاد العراقي إلى الحياة، لما اضطرب كثيراً المرأى أثارة, وهي حطام لأنه كان دائما يعرف بعمق بأن الإنسان أيامه معدودة ومهما صنع فما هو الأ ريح تهب جوهر الوجود ومغزاه لديه بعيد عن الإنسان، ومنجزاته، بعيد عن الأشياء الملموسة، في قوى غير ملموسة، فبحكم كون تلك بداية تمثل الظاهرة الدينية التي تقوم على فلسفة خاصة، فإذا كان الدين لغةً من "دانه" "دينه" فانه إذن عبارة عن علاقة بين طرفين يعظم احدهما الىخر ويخضع له "وضع الهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المال" حتى بعد وضع الهي يرشد الى الحق في الاعتقاد وإلى الخير في السلوك والمعاملات.

فالدين مجموعة واجبات المخلوق نحو الخالق وهو الإيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمانية ولا المكانية، هو العنصر الرئيس في الدين، وعليه فهو الإيمان بكائنات روحية. والدين محاولة تصور ما لا يمكن تصوره والتعبير عما لا يمكن التعبير عنه وهو التطلع إلى النهاية.

تلك ملامح الاعتقاد الديني وجدت التعبير عنها عبر "مبدأ المتشابه ومبدأ الشرك" اللذين يقودان إلى الاعتقاد الأسطوري من حيث هو صلة موصولة بين الحدث الطبيعي وبين الحدث التاريخي, فالأسطورة تحاول التعبير عن ذلك الذي لا يمكن التعبير عنه, التي تقود خضوع الإنسان إلى قوة خفية مفارقة فوق طبيعة الإنسان، وهذه هي الظاهرة التي يصورها "غوشيه" بوصفها اختيارا و(تأسيسا), وهذا التأسيس لا يفهم إلا من خلال فكر (الدين), فالدين هو في أصله دين البشر للعالم الآخر وللكائنات العلوية وللقوى الفائقة.

وفكرة الدين هي التي تفتح المجال لإدراك طبيعة السلطة وللوقوف على ماهية الاجتماع ذاتها، وبيانه إن الدين يتضمن أولا: مبدأ الخارجية. ثانيا: يتضمن مبدأ (المغايرة), أي: القول: إن البشر مدينون بمعنى, وجودهم إلى غيرهم، وليس إلى بشر مثلهم.

ويتضمن ثالثا مبدأ (الاتصال) أي القول بوجود فارق أو مسافة بين المجتمع ومصدره, بين الجماعة والمبدأ بين المؤسسة والمشرع لها.

هكذا جاءت تصورات العراقيين القدماء، اذ يظهر مفهوم الإله الذي يأخذ لفظة (دينكر) بالسومرية و(ايلو) بالأكدية في علاقة مستعملة هي النجمة للدلالة على ما هو (فوق) و(أعلى)؛ أن: الواقع في الجزء الأعلى من الكون: (ما فوق) (الأسماء), فكانوا يتصورون الأنموذج الإلهي أساسا مثل (أعلى من كل ما هو ههنا). وهكذا تظهر الخارجية بوجود اله له وظيفة أو كاله السماء (انو) أي (السماء) وهو يمثل السلطة العليا في مجمع للآلهة ثم يليه باقي الآلهة بالتدرج. وقد اعتقد العراقيون بان الاسم يحوي على قوة خاصة، هو قرين الشخص, لان ذكر الشخص (الفرد) يرتبط بذكر اسمه، وفي حالة غياب الشخص يمكن استحضاره بذكر اسمه, وان لم يحضر بشكل فعلي حقيقي، وهم ينطلقون في ذلك من عدم التمايز بين الوجود الموضعي والوجود الذهني فالحضور بالذهن بذكر الاسم هو الحضور الفعلي نفسه للشخص.

وقد تمثل مفهوم الإله وبعده الخارجي من خلال مبدئين هما:

أ‌- مبدأ المشابهة: إذ نلاحظ إن الإنسان يحاول ان يحدد تلك الخارجية للإله من خلال وصفه وتحديد إبعاده عبر مبدأ يقوم على نقل صفات بشرية وإسباغها على الإله وهذا يظهر من خلال تحديده لصفات ذلك الإله وهي اتخذت بعدين: الأول: الصفات السلبية: الآلهة البابلية آلهة غيورة, تخشى من تعاظم السلطات فيما بينها، وتخشى تعاظم سلطات الإنسان. فتظهر هذه الصفات بوصفها انعكاسا للإنسان في تصورات العراقيين عن الآلهة من خلال المشابهة. الثاني: الصفات الايجابية: أعطى المفكر العراقي صفات ايجابية لآلهته, وهي كل ما يرجوه الإنسان من اجلها الإلهة، لكي يضمن مساعدتها له انطلاقا من مبدأ الشبهة والمحاكمات التي تحكم نظرة الإنسان للإلهه. وكما وجد في نفسه صفات سلبية وجد صفات إيجابية فكانت الإلهة تساعد الإنسان وتساند الضعفاء وتحب المحسنين, وهي عطوفة تهب الإنسان الحكمة وفنون الحضارة, ولم تكن الآلهة شبيهة بالإنسان في سلوكها وصفاتها فحسب بل في شكلها المنحوت على غرار الصورة البشرية, وان كانت تمتلك رموزا وتماثيل وعلاقة التمثال بالمعبد الذي يوضع فيه فهي متطابقة مع علاقة الملك بقصره في كل الحالات الأساسية, وكذلك علاقته بمدينته، فالملاحظ ان العراقي القديم اعتمد على مبدأ المشابهة في إعطاء صفات عن الآلهة.

ب ‌- مبدأ الشرك: حيث نلاحظ إن تخيل العراقي القديم للآلهة، قد مر بمراحل منها التعدد حيث نلاحظ انه أعطى لكل اله وظيفة ثم جمع الآلهة في مدينة كونية وباعتقادنا إن هذا الامر يعود إلى ظهور التعددية بالمدن التي يجمعها دين, ولكن بعد التوحد الذي حدث مع "حمورابي" أصبحت كل المدن خاضعة لسلطة واحدة في صور تظهر التفرد، وهي مرحلة متوسطة يين الشرك والتوحيد, لأنها تتضمن وجود آلهة أخرى إلى جانب الإله المنفرد, وهذه الآلهة يضمها مجلس الآلهة, وهذا يظهر من خلال حرب (مردوخ) مع (تيامت) في قصة الخليقة البابلية.

الخلق: بعد تحديد ملامح الإله من خلال مبدئي "المشابهة "و"الشرك"، فإن العراقي القديم قد أكد في مجال آخر على تحديد وظيفة الآلهة من خلال مبدئين هما:

ا - مبدأ التسمية: إن الصيغة التي ابتدعها الفكر العراقي في تسمية الأشياء: هي أن اسم الشيء يدل على ماهيته المعبر عنها، ولا يتخذ الشيء (الموجود) وجودا حقيقيا إلا إذا اتخذ له اسما, وعليه لا يمكن أن يوجد أي شيء من دون ان يكون له اسم، والواضح إن هذا المفهوم موجود من قبل لدى انكي الذي كان يمتلك الكلمة الخالقة وكذلك اصبح يمتلكه مردوخ في قصة الخليقة البابلية حيث كان الاسم يمثل فعالية مهمة، فالشيء من خلال التسمية يمكن إن يتعين؛ أما ما قبلها فهو عماء، والاسم هو الذي يجعلها تملك القدرة على التعين.

ب - مبدأ الصنع: كان هناك مادة أولى ذكر وأنثى تشكل منهما العالم يمثلان باتصالهم الجنسي بينما المادة الأولى كانت - قبل كل شيء - وهي البحر الأول (نمو)، ذات طبيعة ثنائية.

وهذان المبدآن ينطبقان في التأمل العراقي القديم في الوجود المجسد في:

1- خلق الكون: عبر الاتصال والتكاثر الجنسي: حيث تصور العراقي أن الكون تشكل بفعل التزاوج بين الظواهر التي يجسدها في هبة إلهية من خلال مراقته المحايثة إلى التكاثر في المجتمع البدائي القديم، وما يسود القرية الزراعية من ديمقراطية بدائية، إذ لكل فرد وظيفة من دون ان يؤدي هذا إلى التفرد. هكذا كان مجلس الآلهة الذي يهيمن عليه قلة من الآلهة المتحكمة بالمصائر .لقد تمت عملية الخلق في الفكر السومري بطريقة مسالمة جدا من خلال توالد الالهة التي هي في الوقت ذاته تمثل الظاهرة الطبيعة (الظاهرة المؤلهة), فهي البحر الأول (نمو) لتشكل الجبل الكوني, الذي يضم الإلهين المتحدين، اله السماء (أيا) واله الأرض (كي) فالسماء والأرض كانتا متحدتين على شكل كتلة واحدة نشأت في البحر الأول أو (العماء الأول) ونتيجة اتصالهما (أي الأرض والسماء) ولد الإله الهواء (انليل), قد يفهم بأنه الجو أيضا. وانليل اله الهواء أنجب اله القمر (نانا) ليضيء ظلام داره، وهذا الأخير ولد بدوره اله الشمس (اوتو) الذي اصبح أكثر توهجا، وإشراقا من أبيه القمر وهكذا تستمر سلسلة التولد. حتى نشأ هذا الكون الذي نعرفه ونعيش نحن فيه الآن. فالفكر القديم ابتدأ ماديا حسيا وبعيداً عن التجريد وفكرة القوة المبدعة المنفصلة عن الكون الفاعلة فيه عن بعد لم تكن موجودة في الذهن فعمليات الخلق ليست فعلا صادرة عن الآلهة منفصلا عنها، بمقدار ما كانت تبديا لحركتها وتفاعلها مع بعضها، وهذا الأمر نجده في قصة الخليقة البابلية، كما تمثل الملحمة عدة انتقالات وانعطافات في الفكر البابلي إذ تشكل الملحمة – على صعيد العبادة – مرحلة انتقال من دور الأمومة التي كانت عليها المدن السومرية إلى الحاجة الديناميكية الحركية للآلهة الشابة في ظل المجتمع الأبوي وتركيز الثقافة الأبوية وهي إشارة لبدء الحضارة التي نعرفها.

مما تقدم يمكننا أن نلاحظ الآتي:

1- هناك علاقة بين الإله والظاهرة بل أن الإله يجسد الظاهرة ذاتها، وهو يأخذ البعد التشخيصي لدى العراقي لكونه يريد ان يفهم تلك الظاهرة فالانفصال, الذي يحدث بين السماء والأرض, التي اعتقد ان بينهما علاقة مشابهة لما بين البشر ظهر نتيجتها (انليل) الذي هو الهواء والعلاقة بين اليابسة والماء بين (نخرساج) و(انكي) الذي هو اله الماء العذب عند السومرين واله الحكمة أيضا.

2- هناك تماثل التطور الاجتماعي والانتقال, من تعدد المدن إلى الوحدة السياسية، تمثل بالمقابل تغيراً نلمسه في تلك الحرب, التي دارت بين الخطاب الأنثوي, (تيامة) والخطاب الذكري، هذا ما تخبرنا به "قصة الخليقة البابلية". أما ما يتعلق بخلق الإنسان؛ فاننا نلمس فعالية الصنع واضحة.

وقد تطورت فكرة خلق الإنسان بين السومرين والاكديين، حيث كانت هناك أفكار متداولة في هذا المجال, وظهر هذا في الأساطير السومرية والبابلية. فالأساطير السومرية تذكر الخلق:

1- حيث تبدأ إحدى أهم أساطير الخلق بشرح المصاعب التي يلاقيها الآلهة في الحصول على قوتهم، بعد إن قسمت ادوار الآلهة وأعمالها ووظائفها في هذا الوجود، فتلتفت الآلهة (نمو) إلى معاناة الآلهة, وتطلب من اله الماء الحكيم (انكي) إن يشترك معها في خلق الإنسان.

2- ليحمل نير العمل عن الآلهة ويخدمها، يشترك (انكي) مع الآلهة (نمو) (البحر الأول) في خلق الإنسان من الطين، حيث يصنعان له الأعضاء والجوارح، وتقدر له الآلهة (نمو) مصيره, وتربط عليه صورة الآلهة. وقد جاء ذكر الخلق كذلك في أسطورة (الماشية والغلة), التي يبدو فيها خلق الإنسان أمرا ثانويا, يذكر في نهاية الأسطورة بعد وصف للتعب والمعاناة التي مر بها الآلهة قبل خلق الإنسان, ليخدمه وتختم الأسطورة بعبارة "فمن اجل مصائرها الطبيعية أعطي نفس الحياة".

أما في الأساطير البابلية، حيث يكون خلق الإنسان حلا لازمة نشبت في المجتمع الإلهي من قبل آلهة العمل، حيث تنتهي أخيرا بتحريرها من العمل. ماذا سنخلق اذن؟ والالهة العظام الحاضرون، مع الانونا مقرري المصائر اجابوا انليل مجتمعين: "في مصنع – الاجساد" في دور- آنكيسوف نضحي بالالين الهين اثنين، بدمهما سوف نخلق البشر".

وفي هذا نلاحظ ما يأتي:

1- أانه قد تم الخلق بواسطة الطين والتضحية (عند السومريين)، وان العمل اتسم انه قد حدث في غرفة الأقدار شبيهاً بما يحدث بغرفة صناعة الفخار عند العراق القديم وهنا نلاحظ مبدأ المتماثلة مع الإنسان حيث يتحول صانع الفجار إلى انموذج للإله (انكي). أما التضحية عند البابليين أضيف إلى العملية السابقة دم اله مقتول.

2- إن الخلق كان لسد حاجة تتعلق بالآلهة وليس البشر فالبشر مجرد عبيد إمام الآلهة, "وسخرة الآلهة، سوف تكون سخرتهم".

3- إن عالم البشر قد احتوى على جزء أرضي، وجزء سماوي الهي، وبهذا يكون عالماً مركباً، وقد ورد في قصة الخليقة: نفذوا الحكم وقطعوا شرايينه ومن دمه صنعوا البشر وعندها فرض "ايا" الكدح على الإنسان، حرر الآلهة. والغرض من هذا الجزء السماوي "هو إضفاء مسحة من القدسية ليكون أصلا لخدمة الآلهة".

وهنا نلاحظ أهم ملامح الإنسان:

1- ثنائية الروح والجسد: لقد ظهر لنا إن الإنسان فيه عنصران: الأول الطين، والثاني دم الإله المقتول, وعليه اعتقد العراقيون بهذه الثنائية, لكنها لم تظهر في البداية واضحة لدى البابليين ولكنهم عدوا الإنسان مكوناً من جسد حي, وبحثوا عن مصدر حياته وحركته فاعتقدوا ان مصدر الحياة شارة الدم, لهذا نجدهم يرمزون لحياة الإنسان بدم الإله المقتول. والجسد هو حسي مادي مرئي والروح أو النفس, هي عنصر رقيق لا يرى، ومن هنا ظهرت ألفاظ تدل على الروح (الميموا), للدلالة على الروح للإشارة إلى ما يبقى حيا من الإنسان بعد موته، وهو ذلك الجزء من الألوهية الذي مزجته الآلهة الخالقة بالطين الفاني. وهنا يمكننا أن نلحظ أن انكيدو بعد كان يظهر على شكل ظل أو شبح، عندما يكلم جلجامش.

2- حتمية الموت: آمن العراقيون بحتمية الموت إذ لا مفر منه لأي إنسان مهما علا شانه، ويمثل جلجامش الرمز الذي يؤكد تلك الحقيقة التي تقدم عبرها المؤسسة الدينية والسياسية تصوراً كونياً يسبغ الشرعية عليها، ويداعب رغبة الأفراد في الحصول على الخلود، فتحقق تلك النظرة من خلال القصة الملحمية التي تقول: (إن الانوناكي) الآلهة العظام تجتمع مسبقا ومعهم (ما ميتهم) صانعة الأقدار تقدر معهم المصائر قسموا الحياة والموت لكن الموت لم يكشفوا عن يومه. لكن هذا التصور عن الموت يمثل تصوراً محدداً للحياة جعل من الحياة المدنية أقصى ما يمك
ن إن يدافع عنه الفرد وان يسعى إلى إن يخلد ذكره من خلال عمل سامٍ بطولي .