المعراج السومري الى السماء


أسطورة أيتانا الملك الراعي الذي عرج الى السماء
أعداد : سلام طه




" سيدي شمش ... هب لي وريثا "

تعتبر هذه الاسطورة من اقدم واشهر الاساطير المتعلقة بصعود البشر الى السماء وقد وصلتنا بعدة نسخ كلها تعاني من كسر و تهشم للوح وضياع جزء من النص , منها ختمين من الفترة الاكدية , ونص من العصرالبابلي القديم 1700 ق.م و آخر من العصر الآشوري الوسيط 1300 ق.م ، و ثالث من مكتبة آشور بانيبال 700 ق.م و عثر على تعويذة من العصر السلوقي ايضا تتحدث عن هذه الاسطورة. المتداول حاليا من ترجمات يجمع عن ست عشرة لوحة تعود لجميع النصوص اعلاه مجتمعة ولكن الى اليوم لم يتوفر نص كامل لهذه الاسطورة وانما ما بين اليد بتسلسل مشتت يحمل فراغات كبيرة.

أن وجود الختمين من الفترة الاكادية وما تلاه من مدونات ترقى الى عصور مختلفة من تاريخ العراق يدلل بوضوح ان قصة ايتانا كانت معروفة وشائعة بين سكان المدن السومرية والاكادية ( وهو زمن يسبق زمن التدوين بحدود 5 قرون على الاقل ) ومن بعدها في العصر البابلي والاشوري بل وحتى السلوقي .





ختم من العصر الاكدي بحدود ( 2200 ق.م) يظهر الملك ايتانا راكبا على ظهر نسر ضخم ويبدو من بقية التفاصيل ان ايتانا قد مر برحتله فوق راع يرعى قطيع من الماشية ويلوح الراعي بعصاه مودعا و يلاحظ ايضا وجود كلب يقف منتصبا على رجليه ورافعا رأسه الى الاعلى مندهشا من المشهد الغريب حيث يرى رجلا يطير على ظهر نسر.


نبذة تاريخية عن الملك أيتانا

بحسب ثبت الملوك السومريين فأن الملك أيتانا حكم مدينة كيش بحدود 2750 ق.م بعد طوفان شروباك( فارة الحالية ) , وهو رابع ملوك ما بعد الطوفان من كيش ( وقد حكم مدة 635 سنة ) ليخلفه في الحكم ابنه بليخ ( حكم بحدود 400 سنة ) حسب اللوائح وعصر البشرية الذهبي الذي وردنا في قائمة الملوكية بعد هبوطها من السماء..

كان تقيا ورعا ولكنه شارف على الشيخوخة و زوجه لاتلد فحاول ان يستجدي عطف الالهة لتمنحه وريثا للعرش, كان يصلي في كل يوم ويقدم قرابينه إلى الآلهة من أحسن مواشيه ، علها تنظر إليه بعين العطف وترفع عنه عنة العقم, يبلغه نبأ عن نبتة مزروعة في السماء تُشفِي من العقم ، فيدعو الإله شمش أن يجعل هذه النبتة في متناول يده . يستجيب له الآله ويدله على مكان نسر حبيس ومريض ، يقوم بتحريره واشفاءه وتدريبه من جديد على الطيران لقاء أن يطير به إلى السماء(الرابعة ) حيث نبتة الإخصاب التي تتعهدها الالهة عشتار سيدة الحب والولادة بالرعاية والسقاية ومنها الى انو في السماء ( السابعة) كي يمنحه الاذن والبركة والخلود.

تفصيل عن الرحلة

يصطحب النسر الملك ايتانا في رحلة عجائبية ومدهشة حيث يفشل النسر وتخور قواه في المحاولة الاولى وينجح في الثانية بعد ان يقص عليه أيتانا حلمه الرائع , الرحلة والوصف لا تخلو من تساؤلات مشروعة عن مصدر الوصف الدقيق لمنظر الارض و هو يبتعد عنها بسبب ما سيرد من محاورات بين النسر و أيتانا وهو يرتفع به الى ارتفاعات شاهقة حين يسأله النسر :

- أنظر يا صاحبي وقل لي كيف ترى البلاد ( ويعني الارض ) , أحط البحر بعينيك وفتش بنظرك عن شواطئه ؟

- فيجيبه أيتانا: أن الارض تصغر وتتضاءل شيئا فشيئا حتى لتبدو وكأنها بستان صغير ويبدو البحر الواسع وكأنه قدر ماء.

يرتفع النسر فراسخ الى الاعلى ( النص المعتمد لم يشر الى التسمية الاكدية للمسافة وانما يضاعفه كعادة المدون العراقي القديم في تضخيم الارقام ) و يعاود السؤال :

- أنظر يا صاحبي وقل لي كيف ترى البلاد ؟

-فيجيبه أيتانا : لم تعد البلاد سوى هضبة

وبعد ان يصعده الى ثلاثة فراسخ مضاعفة يعاود السؤال :

أنظر يا صاحبي وقل لي كيف ترى البلاد ؟

فيجيبه أيتانا : أنني انظر الى الارض وكأنني لا اراها وعيناي لا تستطيعان رؤية حتى البحر الواسع..

نص حلم الملك أيتانا الذي قصه للنسر : "رأيت أننا نمضي عبر بوابة آنو وإنليل وإيا ,هناك ركعنا معاً ، أنا وأنت, ثم رأيت أننا نمضي معاً ، أنا وأنت عبر بوابة سن وشمش وأدد وعشتار هناك ركعنا ، أنا وأنت رأيت بيتاً فيه نافذة غير موصدة دفعتها ، فانفتحت وولجت إليها ، فرأيت هناك فتاة مليحة الوجه مزينة بتاج, وهناك عرش منصوب, وتحت العرش أسود رابضة مزمجزة, فلما ظهرتُ لها قفزت نحوي, عند ذلك أفقتُ من نومي مذعورا"ً

تنتهي الاسطورة بوصول ايتانا الى السماء السابعة حيث يدلفها من خلال بوابة انليل وايا ليسجد بين يدي كبير مجمع الالهة آنو الذي يقرر منحه عشبة الحياة التي منحت زوجه المقدرة على انجاب وريث له ( ويدعى بحسب قائمة الملوك السومريين ب بليخ ).

نص الاسطورة

اللوح الأول:
الآلهة الكبار، آلهة الإيجيجي، صمموا مدينة.
آلهة الإيجيجي وضعوا لها الأساسات.
آلهة الآنوناكي صمموا مدينة.
آلهة الآنوناكي وضعوا لها الأساسات.
آلهة الإيجيجي جعلوا أبنيتها القرميدية مكينة.
(ثلاثة سطور مشوهة)
الآلهة الكبار الذين يقدرون المصائر،
جلسوا وتشاورا في أمور البلاد.
كانوا يخلقون الجهات الأربع ويصنعون شكلها.
(سطر مشوه)
لم يكونوا أقاموا ملكاً على حشود البشر،
ولم يكن التاج وعصابة الرأس قد أوثقا معاً،
ولم يكن الصولجان الملكي قد رُصِّع بحجارة اللازورد،
ولم تكن منصة العرش قد رُفعت.
الآلهة السبعة المحاربون أغلقوا البوابات لحمايتها من الجيوش،
والـ... أغلقوها لحمايتها من الشعوب الأخرى.
الإيجيجي أنفسهم كانوا يقومون بحراسة المدينة [.. ..].
(في ذلك الوقت) عشتار كانت تبحث عن راع،
كانت تبحث هنا وهناك عن ملك.
وكان إنليل يبحث عن منصة عرش لإيتانا،
الشاب الذي كانت عشتار لا تني تبحث عنه.
بهذه الطريقة ثم تثبيت ملك على البلاد،
وفي كيش أُقيمت الملوكية.
(ثلاثة أسطر مشوهة يليها 120 سطراً مفقودة)
اللوح الثاني:
بداية اللوح متشظية، ونفهم منها أن شجرة عملاقة قد نمت قرب المقر الملكي. وهنا يتوقف كاتب النص عن سرد قصة إيتانا ليبتدئ قصة النسر والحية قبل أن يعود بنا مجدداً إلى إيتانا. فلقد حط نسر عملاق على قمة الشجرة وصنع عشاً لفراخه، بينما استقرت حية عند قاعدتها وصنعت جحراً لصغارها:
على قمة الشجرة حط نسر، وفي أسفلها اتخذت حية مخبأً؛
في كل يوم كان الاثنان يبحثان عن فرائسهما.
ثم إن النسر قال للحية: «هلمي نعقد بيننا صداقة، دعينا نكون رفيقين».
فقالت الحية للنسر: «في نظر الإله شَمَشْ أنت غير جدير بالصداقة،
إنك شرير، ولقد أحزنت قلبه،
وارتكبت أعمالاً شائنة تكرهها الآلهة.
لهذا دعنا نقف (أمام شمش) ونصنع عهداً،
دعنا نقسم بشبكة الإله شمش (التي تصطاد الشرير)».
وقفا في حضرة الإله شمش وأقسما يميناً:
«عسى أن يُسلّم إلى الصياد كل من يتعدى حدود شمش،
وعسى أن تغلق الجبال مسالكها أمام كل من يتعدى حدود شمش،
وعسى أن تنال الأسلحة المنقضة كل من يتعدى حدود شمش».
بعد أن أقسما يميناً بشبكة شمش، قاما وذهبا إلى الجبل.
وفي كل يوم كان الاثنان يبحثان عن فرائسهما،
فإذا اصطاد النسر ثوراً برياً أو حماراً برياً،
ستأكل منه الحية وتطعم منه بعد ذلك صغارها،
وإذا اصطادت الحية عنزة جبلية أو غزالاً،
سيأكل منه النسر ويطعم منه بعد ذلك فراخه،
فإذا اصطاد النسر خنزيراً برياً أو غنمة برية،
ستأكل منه الحية وتطعم منه بعد ذلك صغارها.
وإذا اصطادت الحية ماشية من الحقول أو حيوانات برية من الفلاة،
سيأكل منه النسر ويطعم منه بعد ذلك صغاره.
وهكذا حصل صغار الحية على طعام كثير،
ونما فراخ النسر وسمنوا وكبروا.
عندما نما فراخ النسر وسمنوا وكبروا،
أضمر النسر في قلبه شراً.
وعندما أضمر النسر في قلبه شراً،
وضع نصب عينيه أن يأكل صغار صديقته.
فتح فمه وقال لفراخه:
«إنني أخطط لأكل صغار الحية،
ولسوف تغضب الحية عليَّ بالتأكيد،
ولكني سوف أحلق في السماء وألوذ بها،
ولن أنزل من قمة الشجرة إلا لالتقاط الثمار».
فقال له فرخٌ مُزغب من فراخه كثير الحكمة:
يا أبتاه لا تأكل صغار الحية، لأن شبكة شمش ستصطادك،
الشبكة التي أقسمتما بها عهد شمش ستطبق عليك وتصطادك.
أن من يتعدى حدود شمش، سوف يسلمه شمش إلى الصياد».
ولكنه لم يصغِ إلى هذا القول، ولم يستمع لكلمة ولده،
ثم إنه هبط وأكل صغار الحية.
في نهاية النهار وعند حلول المساء،
جاءت الحية مثقلة بحملها،
فوضعت صيدها عند مدخل الجحر، وأنعمت النظر فرأته خالياً.
طلع الصباح ولكن النسر لم يظهر،
كان قد خمش الأرض بمخالبه وطار حتى غطى الغبار وجه السماء.
اضطجعت الحية وبكت، فاضت دموعها أمام شمش:
«أي شمش الصنديد، لقد وثقت بك
وأظهرتُ حسن النية للنسر الذي يعيش على الأغصان،
ولكن جحري الآن [ضربته المصائب]،
جحري تهدم ولكن عشه سالم،
صغاري تبددت ولكن فراخه في أحسن حال.
لقد هبط النسر والتهم صغاري.
فاعلم يا شمش بما جلبه عليَّ من أذى.
إن شبكتك تتسع حقاً سعة الأرض،
وشَرَكُك يتسع حقاً سعة السماء،
فعسى ألا ينجو النسر بفعلته من شبكتك.
إنه في الجرم مثل الطائر آنزو الذي خان رفاقه».
عندما سمع شمش التماس الحية، فتح فمه وقال لها:
«اذهبي في هذا الطريق واعبري الجبل.
سوف أسوق لك ثوراً برياً مقيداً،
فافتحي بطنه وانفذي إلى جوفه واستقري هناك.
ولسوف تحط عليه كل طيور السماء من كل نوع لتأكل من لحمه،
ولسوف يهبط معهم أيضاً النسر ليأكل.
ولكونه غافلاً عن الخطر المحدق به،
سوف يبحث عن الجزء الأطرى، فينبش وينفذ إلى الأحشاء.
فعندما يصل إلى الداخل عليك أن تمسكي بجناحيه،
مزقي له جناحيه، انتفي ريش القوادم واقطعي المخالب؛
انتفي ريشه والقي به في أعماق الجب العميق،
فيموت هناك من الجوع ومن العطش».
صدعت الحية بأمر شمش، فمضت في الطريق وعبرت الجبل،
حتى عثرت على الثور البري المقيد،
ففتحت بطنه ونفذت إلى جوفه واستقرت هناك.
ثم حطت عليه طيور السماء من كل نوع لتأكل من لحمه،
ولكن النسر أحس بالخطر الكامن،
ولم يحط على الثور ليأكل مع بقية الطيور،
ثم إنه فتح فمه وقال لصغاره:
«دعونا نحط ونأكل من لحم هذا الثور».
ولكن الفرخ المزغب الكثير الحكمة قال لأبيه النسر:
«لا تهبط إلى هناك يا أبي، فلربما كانت الحية في انتظارك داخل الثور».
فتفكر النسر في الأمر وقال في نفسه:
«لو شعرتْ الطيور بالخوف لما كانت تأكل اللحم بهدوء».
وهكذا لم يصغِ النسر لنصيحة ابنه،
فقام وهبط وحط على الثور البري.
تفحص النسر اللحم ونظر إلى الأجزاء الأمامية والأجزاء الخلفية،
ثم أخذ يَنْقب حتى نفذ إلى الأحشاء،
وعندما صار في الداخل أمسكت الحية بجناحيه:
«لقد سرقْتَ جحري، أنت الذي سرق جحري».
ففتح النسر فمه قائلاً للحية:
«أبقي عليّ، وسأهبك أعطية تعدل مهر العريس».
ففتحت الحية فمها وقالت للنسر:
«إذا أطلقتك بماذا أجيب الإله شمش العلي؟
ولسوف ينقلب العقاب الذي أجريه بحقك ضدي».
ثم مزقت له جناحيه، ونتفت ريش القوادم وقطعت المخالب؛
نتفت ريشه وألقته في أعماق الجب العميق،
ليموت من الجوع ومن العطش.
فأخذ النسر يتضرع في كل يوم إلى شمش قائلاً:
«هل قُدِّر عليّ أن أموت في هذا الجب؟
ومن يا ترى يعرف أنك قد فرضت عليّ هذا العقاب؟
أنقذني ولسوف ألهج بذكر اسمك إلى الأبد».
ففتح شمش فمه وقال للنسر:
«إنك لشرير حقاً، ولقد أحزنت قلبي.
لقد ارتكبت عملاً مرذولاً من قبل الآلهة لا يقبل الصفح.
ها أنت تعاني سكرات الموت ولكني لن أقترب منك.
على أني سأقيض لك رجلاً فاطلب منه العون.
عند هذه النقطة تنتهي قصة الحية والنسر، ويعود بنا كاتب النص إلى قصة إيتانا الصالح، الذي كان يصلي في كل يوم إلى الإله شمش لكي يزيل عنه لعنة العقم ويدله على نبتة الإخصاب:
في كل يوم كان إيتانا يتضرع للإله شمش قائلاً:
«لقد قدمت لك ذبائح من أفضل غنمي فاستمتعتَ بها،
ورُوِيت الأرض من دم خرفاني.
لقد بجلتُ الآلهة على الدوام وقدمت الاحترام لأرواح الموتى.
لقد استهلك العرافون الكثير مما بذلت من البخور،
وسدت ماشيتي حاجة الآلة من الذبائح.
فيا إلهي دع الكلمة المنتظرة تخرج من فمك وهبني نبتة الإخصاب،
هبني نبتة الإخصاب، أرِني نبتة الإخصاب.
انزع عني عاري، وامنن علي بنسل».
فتح شمش فمه وقال لإيتانا:
«اذهب في هذا الطريق، واعبر الجبل،
ولسوف تجد بئراً فانظر إلى جوفه،
لسوف ترى في داخله نسراً ملقى هناك،
وهو الذي سيدلك على نبتة الإخصاب».
تنفيذاً لأمر شمش، ذهب إيتانا في الطريق وعبر الجبل،
فعثر على البئر، ونظر في جوفه فوجد نسراً ملقى هناك،
وللحال تحامل النسر على نفسه ونهض.
إن النص المعياري لمكتبة آشور بانيبال، والذي التزمته في هذه الترجمة، مقتضب عند هذه النقطة. ولكننا نفهم من النص البابلي القديم والنص الآشوري الوسيط أن إيتانا قد هبط إلى الجب وقدم كل عون للنسر، فضمد جراحه وزوده بالطعام، وراح يعلمه الطيران مدة ثمانية أشهر، إلى أن استرد النسر عافيته وصار في قوة وضراوة الأسد، فقال لإيتانا: «لقد صرنا حقاً أصدقاء. فقل لي يا صديقي ما الذي تريده مني وأنا أحققه لك». فقال له إيتانا: «بدل لي قدري، واجعلني أطلع على المخبوء».
اللوح الثالث:
ساعد إيتانا النسر على الصعود من الجب،
وذهب النسر يبحث هنا وهناك في الجبال،
ولكن نبتة الخصوبة لم تكن لتوجد في أي مكان:
«هلم يا صديقي، دعني أحملك عالياً إلى السماء،
دعنا نلتقي بعشتار سيدة الإخصاب والولادة؛
وإلى جانب عشتار سيدة الإخصاب والولادة، دعنا [.. ..].
ضع ذراعيك على جانبيّ، وتمسك بقوادم أجنحتي.
فوضع إيتانا ذراعيه حوله، وتمسك بقوادم أجنحته،
وارتقى به النسر صاعداً قرابة ميل:
«يا صديقي، انظر إلى الأرض وقل لي كيف تبدو؟»
«إن الأرض مثل [.. ..] والبحر ليس أوسع من حظيرة».
ثم ارتقى به النسر صاعداً قرابة ميل آخر:
«يا صديقي، انظر إلى الأرض وقل لي كيف تبدو؟»
«لقد صارت الأرض مثل حديقة، والبحر ليس أوسع من سطل ماء».
ثم ارتقى به النسر صاعداً قرابة ميل ثالث:
«يا صديقي، انظر إلى الأرض وقل لي كيف تبدو؟»
«إني أنظر إلى الأرض فلا أراها والبحرُ الواسع قد غاب تماماً».
«يا صديقي، لن أستطيع الصعود أكثر من ذلك نحو السماء،
دعنا نعود أدراجنا، دعني أرجع إلى بلدي».
هبط النسر ميلاً، فتزعزع إيتانا عن ظهره، ولكنه استرده ثانيةً.
هبط النسر ميلاً ثانياً، فتزعزع إيتانا عن ظهره، ولكن استرده إليه ثانيةً.
هبط النسر ميلاً ثالثاً، فتزعزع إيتانا عن ظهره، ولكنه استرده إليه ثانيةً
يلي ذلك فجوة لا نعرف عدد أسطرها، والنص هنا يقص عن عودة إيتانا والنسر إلى مدينة كيش، حيث رأى إيتانا أحلاماً تشجعه على القيام بمحاولة ثانية للصعود إلى السماء.
قال إيتانا للنسر: «لقد رأيت يا صديقي حلماً:
كانت مدينة كيش تبكي [.. ..] وشعبها في حداد
وأنا أنشدت أغنية:
يا كيش، يا واهبة الحياة،
إن إيتانا غير قادر على إعطائك وريثاً.
يا كيش، يا واهبة الحياة،
(سطر مشوه)
إن إيتانا غير قادر على إعطائك وريثاً».
(فجوة لا نعرف عدد أسطرها)
قالت زوجة إيتانا له:
«لقد أرتني الآلهة حلماً،
ومثل إيتانا زوجي رأيت حلماً،
مثلك أرتني الآلهة حلماً:
كان إيتانا ملكاً على كيش لعدد من السنين
وروحه [.. .. .. ..]
(فجوة لا نعرف عدد أسطرها)
فتح إيتانا فمه وقال للنسر:
«يا صدقي لقد أرتني الآلهة حلماً آخر،
رأيت أننا كنا نمضي عبر بوابة آنو وإنليل وإيا،
هناك ركعنا معاً، أنا وأنت؛
ثم رأيت أننا نمضي معاً، أنا وأنت
عبر بوابة سن وشمش وأداد وعشتار؛
هناك ركعنا معاً، أنا وأنت.
رأيت بيتاً فيه نافذة غير موصدة،
دفعتها فانفتحت وولجت إليها،
فرأيت هناك فتاة جالسة مزينة بتاج مليحة الوجه،
وهناك عرش منصوب [.. ..]،
وتحت العرش هناك أسود مزمجرة رابضة،
فلما ظهرت لها قفزت نحوي،
عند ذلك أفقت من نومي مذعوراً».
فقال النسر لإيتانا:
«إن معنى حلمك واضح تماماً.
هلم بنا، دعني أحملك صعوداً إلى سماء آنو،
ضع ذراعيك على جانبيّ وتمسك بقوادم أجنحتي».
فوضع إيتانا ذراعيه على جانبيه وتمسك بقوادم أجنحته.
صعد به قرابة ميل، وقال لإيتانا:
«انظر يا صديقي وقل لي كيف تبدو الأرض؟
تفحص البحر وتمعن في هيئته،
ألا تبدو الأرض مثل حافة جبل؟
وكيف صار وجه البحر؟
ثم صعد به قرابة ميل ثانٍ وقال لإيتانا:
«انظر يا صديقي، وقل لي كيف تبدو الأرض؟
قل لي كيف صار وجه البحر؟
ثم صعد به قرابة ميل ثالث وقال له:
«انظر يا صديقي كيف تبدو الأرض؟
والبحر، ألم يتحول إلى خندق بستاني؟»
وعندما وصلا إلى سماء آنو،
مضيا عبر بوابة آنو وإنليل وإيا، فانحنيا معاً،
ثم مضيا عبر بوابة سن وشمش وأداد وعشتار، فانحنيا معاً،
[.. .. .. ..]
دفع الباب فانفتح فولجا منه.
بقية النص مفقودة، وهي تقص عن كيفية حصول إيتانا على نبتة الإخصاب والعودة بها إلى الأرض، حيث رزق بعد ذلك بولي عهد.

المصادر :
د. طه باقر - مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ج1
د. فاضل عبد الواحد علي - سومر اسطورة وملحمة


اسطورة ادابا الذي أضاع فرصة الخلود



وردتنا هذه الاسطورة البابلية بعدة نصوص منها ما يعود الى اواخر البابلية القديمة و تم العثور على بعض منها في مدونات تل العمارنة المصري,


تدور الاحداث في مدينة اريدو مقر الاله أيا- انكي خالق الانسان الاول والذي نصب ادابا العاقل الحكيم ملكا على بني قومه سكان مملكة القصب في اهوار سومر, ليعلمهم فنون الحياة والحضارة و الحكمة و صيد الاسماك.

حين كان ادابا في قاربه ذات يومو البحركان هادئأ, فجأة تاتي ريح جنوبية قوية تقلب القارب بمن فيه فيغضب ادابا ويدمدم بكلمات يلعن فيها الريح الجنوبية ويوقفها بتعويذة من الله ايا لسبعة ايام.

تمرد ادابا على سلطة السماء و تحديه لها لن يمرا بسلام, فيدعوه رب السماء العظيم انو الى عرشه ليقم عليه الحجة ويحاكمه... في طريقه للعروج يلتقي ادابا بالاله ( أيا – انكي )... الذي ينصحه بالتظاهر بالحزن و كذلك عدم تناول خبز وماء الحياة الذي سيقدم له.

يصل ادابا الى باب انو ويلتقي حراسها تموز و كزيدا ... يعطفان عليه ويلتمسان الرحمة من أنو الذي يقرر ان يصفح عنه نتيجة اعترافه بذنبه... بل ويكافئه بتقديم خبز وماء الحياة الابدية له ويقرر ان يُظهر له خطط الاقدار ومصير البشرية على الارض.

يرفض ادابا ان يتناول طعام و ماء الخلود فيخسر الاقامة الخالدة مع الالهة السماوية بسبب خطأ من الاله ايا وعناد منه فيرجع الى الارض ليواجه مصيره بالفناء وبذا تخسر البشرية فرصة الخلود.

ادابا بطل ارضي لم يستطع ان يجمع بين جزءه البشري الفاني وحكمة الالهة التي ُمنحت له, بينما نجح زيوسدرا ( اتونبشتم او نوح ) بطل الطوفان في القبض على الخلود كمكافئة له على صلاحه و اتباعه نصيحة الالهة ( الاله ايا او انكي ) لانقاذ البشرية.

نص الاسطورة :

لحكمة قد أعطاه، فصار أمره كأمر إيا،
أتم له سِعةَ الفهم ليكشف نُظُم البلاد.
لقد منحه الحكمة لكنه لم يمنحه الخلود في تلك الأيام،
في تلك السنين خلقه إيا،
حكيم اِريدو نموذجًا للبشر...
أوامر الحكيم لا أحد يمكن أن يعيبها فهو المقتدر والأحكم بين الأنوناكي والكاهن الذي لا عيب فيه،
صاحب اليدين النظيفتين الذي يمسح بالزيت ويحافظ على الطقوس،
مع الخبَّازين يخبز مع خبَّازي إريدو يُحَضِرُ الخبز.
ويُمَونُ إريدو كل يومٍ بالخبز والماء.
بيديه النظيفتين يُرَتِبُ مائدة القرابين.
وبدونه لا تُحَضَرُ المائدة يطوف بمركبه ليصطاد حاجة إريدو،
وفي تلك الأيام،
أدبا رجل إريدو الذي يحضر إلى معبد إيا كل يومٍ أَقلع في قاربه من قُرب رصيف الهلال،
الرصيف المقدس وإذا بِريحٍ تنفخ هناك وتقذف قاربه وبالمجداف أخذ يسير قاربه على مياه البحر الواسع نَفَخَ ريح الجنوب فدفعه في قلب الماء. جعله يهبط إلى حيث موطن الأسماك ـ يا ريح الجنوبِ، أَعَلَيَّ تنفث سمومك؟
بل سأكسرُ جناحك وما إن خرجت الكلمة من فيه حتى اِنكسر جناح الريح.
ولسبعة أيامٍ لم تنفخ ريح الجنوب على البلاد: نادى آنو على وزيره البرات لماذا لم تنفخ ريح الجنوب على البلاد هذه الأيام السبعة؟
، أجابه وزيره البرات: مولاي إن أدبا بن إيا كسر جناحه،
صرخ آنو ونهضَ عن عرشه ـ رحمة،
فليحضروه إلى هنا ولكن إيا الذي يعرف ما يختص بالسماء جعل أدبا يلبس ثوب الحداد وينكش شعره ـ أدبا،
إنك ذاهبٌ لحضرة آنو،
الملك وستأخذ طريق السماء عندما تقترب من بوابة آنو تموز وجيزيدا سيكونان هناك،
سيسألانك ـ أيها الإنسان،
علامَ تظهر هكذا لم أنت لابسٌ ثوب الحداد؟
ـ لقد اِختفى من بلادنا إلهانِ، فعملت هكذا ـ مَنْ الإلهان اللذان اِختفيا من البلاد؟
ـ تَموز وجيزيدا سيرمق الواحد الآخر بنظرةٍ ويبتسم سيقولان عنك ما هو حسنٌ في حضرة آنو وسيريانك وجهيهما الكريم وبينما تقف في حضرة آنو عندما يُقَدمون لك خبز الموت.
سوف لا تأكله عندما يقدمون لك ماء الموت.
سوف لا تشربه عندما يقدمون لك كسوةً تلبسه،
وعندما يعطونك زيتًا،
تدهن به جسدك نصحي الذي أُسديك إياه لا تهمل وكلامي الذي قلت،
عليه تحافظ وصل رسول آنو وقال ـ يا أدبا،
لقد اِنكسر جناح ريح الجنوب أحضره أمامي جعله يتخذ طريق السماء وإلى السماء صعد ولما اِرتفع،
اِقترب من بوابة آنو.
وأمامها كان يقف الإلهان تموز وجيزيدا لما رأيا أدبا صرخا ـ رحمةً، أيها الرجل لماذا تبدو هكذا؟
ـ أدبا، من أجل من تلبس ثوب الحداد؟
ـ لقد اِختفى إلهان من البلاد فلبسته ـ من يكون الإلهان اللذان اِختفيا؟
ـ تموز وجيزيدا فنظر كلُ واحدٍ منشرحًا واِبتسم: اِقترب أدبا من آنو الملك فناداه ـ تعال يا أدبا، لِمَ كسرت جناح ريح الجنوب؟
ـ مولاي، في وسط البحر كنت أصطاد لسيدي كان البحر كالمرآة لكن ريح الجنوب نفخ عليَّ وكاد يُغرقني كدت أغوص إلى حيث موطن الأسماك
وفي غضب قلبي لعنته فتكلم عنه تموز وجيزيدا حسنًا: فهدأ قلب آنو وتساءل ـ لماذا كشفَ إيا لبَشَرِيٍّ فانٍ خطط السماء والأرض؟،
لقد أبرزه وجعله ذا اِسمٍ وأما نحن فماذا نعمل به؟.
حضروا له خبز الحياة وسيأكله ولما أحضروا له خبز الحياة لم يأكله ولما قدموا له ماء الحياة لم يشربه ولما أُحضرت له كسوةً لبسها.
ولما أحضروا له زيتًا،
دهن به جسده: سخر آنو وضحك عاليًا على نصيحة إيا ـ من كل آلهة السماء والأرض،
مهما كان عددهم، من يُعطي أمرًا كهذا،
ليكون أمره فوق أمر آنو وأنت يا أدبا، لماذا لم تأكل ولم تشرب؟.
سوف لن تفوز بالحياة الأبدية آه،
أيها الجنسُ البشري الفاسد ـ إيا سيدي أمرني أن لا آكل ولا أشرب وأما أدبا فقد نظر من أُفق السماء إلى قبتها فرأى ذلك المنظر المهيب وحكم آنو بإطلاق أدبا من أجل مدينة إيا ـ خذوه كم هنا وألقوا به إلى الأرض وقدر لكهنوته العز على مر الأجيال وأما أدبا اِبن البشر الذي كسر جناح الريح وصعد إلى السماء أيُّ وَيْلٍ جَلَبَهُ للبشرية؟
وأيُّ أمراضٍ أحضرَ لأجساد الناس؟
نينكراك ـ إلهة الشفاء ـ ستخفف منها تنزع المرض وتهون الآلام