محاضرة عن الاله السومري "نابو" - الاستاذ ناجح المعموري

ناجح المعموري: لابد ان يكون 1 نيسان من أعياد العراق الوطنية

بغداد – بسام عبد الرزاق:

نظمت اللجنة الثقافية في نادي العلوية ببغداد عصر الجمعة الماضية ندوة ثقافية بعنوان (تحولات النظام الثقافي والديني داخل الحضارات العراقية القديمة) تحدث فيها الباحث المعروف ناجح المعموري، وبعد مقدمة ترحيبية وتعريفية من د. كاظم المقدادي انطلق المعموري في رحلة استقصائية أخذ بها الحضور الى عوالم وتواريخ تنبض بالتحولات والمتغيرات، كان عنوانها الأرأس "نابو" هذا الاله الذي عاصر جملة من المتغيرات الاجتماعية والدينية والتبدلات الجوهرية في حضارات العراق القديمة مستقرا في آخر تبدياته على قمة "نبو" جبل الاديان الطليقة الى يومنا هذا.

في المستهل عرف المعموري ببدايته ووقت ولوجه هذا العالم، قائلا: "حقيقة لا ادري كيف اهتديت لما يسمى (أقنعة النص أو تحولات النظام الثقافي والديني داخل الحضارات القديمة) وهذه التحولات تتبدى في الأساطير، ووجدت منذ أواسط الثمانينات ومن خلال اهتمامي بملحمة كلكامش واحدا من النصوص الأسطورية السومرية التي اعتمدت عليها البنية الذهنية الاكدية وأعادت انتاج وصياغة ملحمة كلكامش، واعني بهذه الأسطورة"انانا كلكامش شجرة الخالوب" هذه أسطورة سومرية، فعندما أعدت الكهنة في الحضارة الاكدية الملحمة اعتمادا على الأساطير الخمس أعيد التعامل مع "انانا كلكامش شجرة الخالوب" وفق عناصر ومكونات وخصائص مرحلة حضارية جديدة ومختلفة تماما، على الرغم من ان الاكديين تجاوروا بالكامل مع السومريين ولم يشعروا بعقدة الاستفادة منهم والتناغم واياهم وحيازة أهم ما أنتجته وما صاغته الحضارة السومرية، فاعيد انتاج الأسطورة بشكل آخر يتماشى مع متطلبات مرحلة مختلفة بالكامل جغرافيا وسياسيا وان تماهت وتجاورت بمجال الأدب والأساطير.

هذه الأسطورة هي التي نبهتني إلى أن البنى الذهنية والمكونات والمجالات الفاعلة في مرحلة من المراحل الحضارية هي التي لعبت دورا بصياغة الأسطورة، وبالتأثير على نظام الحكم، وبالتأثير على الأنساق مجتمعة في دولة من دويلات المدن أو في إمبراطورية من الإمبراطوريات، واعني بالأنساق: "السياسي، الديني، التجاري، الاقتصادي، الثقافي".

انتبهت لهذا الأمر، وبعد معاناة طويلة استطعت ان استكمل بحثا عن "انانا كلكامش وشجرة الخالوب" وكيفية اشتغال المجالات الحضارية ثقافيا ودينيا على النص، مما يعني ان المرحلة السومرية استجابت لشروطها وثقافتها وخصائص الدين ونسق الالوهة وأنتجت "انانا كلكامش شجرة الخالوب"، وربما نستغرب اذا قلت لكم ان العنوان وحده يشير إلى ان هذه الأسطورة هي من نتاج مرحلة مبكرة في الحضارة السومرية، لماذا؟ لان نظام الالوهة "الأم الكبرى" يشف واضحا من خلال العنوان، لهذا اقترح الكهنة ان يكون اسم الإلهة انانا وهي ممثلة للالهة الأم مبتدأ الاسطورة "انانا كلكامش شجرة الخالوب" بالمراحل اللاحقة التي تضعضعت فيها سلطة الالوهة المؤنثة وتسيد الخطاب الذكوري. نجد الأساطير الأربعة تبدأ بكلكامش: "كلكامش وغابة الأرز، كلكامش والثور السماوي، كلكامش واكا، كلكامش والعالم الأسفل" هذه دلائل تشير لتحولات عميقة وأساسية ومهمة في الاسطورة.

واضاف المعموري: "قبل فترة أكملت تدقيق أربعة كتب أرسلت لي من المدى بدمشق، وهي ستصل بغداد نهاية شهر تشرين الثاني، منها، "المسكوت عنه في ملحمة كلكامش"، "انانا كلكامش شجرة الخالوب"، "التوراة وطقوس الجنس المقدس"، "الجنس في الاسطورة السومرية" ،، هذا تمهيد للنظام الأول المتحول في العراق القديم واعني به أسطورة "انانا كلكامش شجرة الخالوب" هذه الاسطورة في الحقيقة نبهتني رغم انها مدروسة سابقا لكنها لم تدرس اعتمادا على وجود نسق مكون من مجموعة وحدات أو نظام مشكل من مجموعة وحدات، فتحولت هذه الاسطورة إلى محط اهتمام وانتباه لي على الرغم من أن متابعة هكذا موضوع فيه شيء من المغامرة والمجازفة الحقيقية، وتعرفون انني على علاقة مع العالم الاثاري د. نائل حنون وأعطيته مخطوطة وقرأ المخطوطة ولازلت احتفظ إلى الآن برسالة منه وافتخر بما قاله الدكتور فهو عالم آثاري كبير وشخصية أكاديمية بارزة وجليلة وهو أول عالم ترجم الأدب والشرائع العراقية بشكل مباشر من خلال اللغة الاكدية، والرسالة فيها اعتراف باني أمسكت بشيء زئبقي ضائع على المختص، يقول كيف استطعت ان تدخل إلى هذا النص وان تتعامل معه بهذه الطريقة، وأبدى سعادته بان هذا سيوفر فرصة للآخرين من المثقفين والفنانين والأدباء ان يشتغلوا عليه، حفزني هذا الرأي ان ابحث عن نص آخر، وأن أجد نصا كاملا وأشتغل عليه، ولم استطع العثور على مبتغاي، لكني وجدت نصوصا موزعات في العقائد والطقوس والشعائر خاصة بالإله "نابو" وهي مختلفة، يعني عقيدة كانت في بور سيبا، هذه العقيدة تنتقل إلى بابل وتتغير حين تذهب إلى آشور، وهذا استقصاء دقيق استمر ما يقارب خمسة عشر سنة، ولانه بدون نص فهو يتغير بالكامل حين يصل أغوار الأردن، والآن سنلاحظ كيف حاز هذا الإله "نابو" وهو من الآلهة الشعبية، فلم يكن الها رسميا يتمتع بمكانة واسعة وبسلطة وبهيبة، فهو اله شعبي بسيط، معبده في "بور سيبا"، وهي تبعد عن بابل15 كيلو مترا، معبده "الايزيدا" وهو حفيد للإله "انكي آيا" اله العقل والحكمة وهذه سلطة نابو فقط وحاز على خاصية الكتابة والنسخ، وأنا اعتقد ان هذه الوظيفة واحدة من أهم ومن اخطر الوظائف التي حاز عليها الإله "نابو" وهي التي وفرت له فرصة ان يدخل مشاكسا ومضاددا مع الإله "مردوخ" من الآلهة "الارابية - الامورية" التي وفدت إلى بابل وتحول إلى ما تحول حتى تحول إلى اله قومي في مرحلة ازدهار الحضارة البابلية.

الإله "نابو" له معبد في "بور سيبا" وهذه واحدة من المدن التابعة للدولة البابلية، أما هو فاله شعبي مثل ما ذكرت ليس مثل بقية الآلهة كـ"انو او شمش او اليل او انكي" فهم يمتلكون وظائف كبيرة ولهم كلمة تغير ما هو حاصل في الكون وفي الحياة وفي الديانة، بينما هذا مكتف بمكانه وبوظيفة الكتابة والنسخ، وعندما نذكر بان الاله "نابو" له وظيفة معنية بالكتابة والنسخ والتدوين نعني أن فيها شيئا من العقل، فهو يرتبط مع الإله "انكي" وهو حفيده وحتما حاز على خصائص متمركزة مع العقل.

الإله نابو عندما ابتدأ التحضير، وهذا ما تكشف عنه ملحمة الخليقة البابلية : "حينما في العلى"، تكشف عن تحول خطير سيحصل في بابل وفي العراق كله، وحصلت له تأثيرات في حضارات الشرق لاحقا، وحصلت وقائع "حينما في العلى" في 2057 قبل الميلاد، حصلت لتحسم إشكالية دينية ومعرفية بين الالوهة الشابة وبين الآلهة الرسمية الكبار ممثلة بالإله "مردوخ" الذي وفد مع الأقوام الامورية التي جاءت إلى العراق من بلاد الشام، وهو اله زراعي وأكثر من ثانوي، وعندما رأت الآلهة بان النظام الديني الثقافي السائد ما عاد قادرا على تلبية التحولات الاجتماعية والسياسية الموجودة في بابل، فلابد من إجراء تغيير حاسم، وكانت السلطة آنذاك بيد الأم الكبرى "تياميت" وهي الأم الهيولية (الهيولى: النظام غير الواضح وغير الشاخص)، فأراد الآلهة الأساسية الكبار "انو، شمش، انكي، اليل" واحدا يتبرع بان يقوم بانقلاب عسكري وهو انقلاب دموي مقابل ان يمنحوه كل الطاقات والوظائف، وأن يفوضوه قدراتهم الخارقة والسحرية التي يتمتعون بها، فرفضت جميع الآلهة باستثناء "مردوخ" هذا الإله الشاب الذي يضيء لنا جانبا مفاده بان المحطات الأساسية في الفكر العراقي القديم ان الشباب هم من يفتح النوافذ لها، والفكر العراقي القديم والثقافة العراقية ثقافة لم تقبل الثبات والتنميط على الإطلاق، هناك فترة زمنية تستجيب لها بعد ذلك لابد عليها بالتفكير بنمط ثقافي وانساق جديدة ومختلفة.

وافق الإله "مردوخ" على قيادة الانقلاب العسكري مقابل العون، فقام خمسون إله بتسليم الوظائف والعناصر والخصائص التي يتمتعون بها إلى "مردوخ" فحاز على خصائص خمسين جبروت ودخل بمعركة مع "تيامت" وانتصر، لان الآلهة ساعدوه بالأسلحة وبالكلمة التي هي الطاقة السحرية الخلاقة، والاله "نابو" جالس في "بور سيبا" يراقب، ورأى ان التحول الخطير قد انحسم وقاده إله شاب وان "نابو" أيضا إله شاب، و"مردوخ" أدرك بان هذا التحول يحتاج إلى ما يساعد على تعميقه وتفعيله وإدارته، والمقصود به هو الإله "نابو" فهو يمتلك وظيفة سامية في العراق القديم بالكتابة والنسخ وجده "انكي" أهم الآلهة بالعراق وبالشرق، كما ان كل الحضارات والديانات المجاورة أخذت من "انكي" وبعض الديانات في آسيا الصغرى أخذت حتى الاسم ، فشاهد "مردوخ" ان هناك عقدة، فهل من المعقول ان خمسين اله سلموا بالكامل و"نابو" يرفض؟، فعرض عليه ان يكون ابنه، فوافق "نابو" لان جده "انكي" وأبوه سيكون "مردوخ" الإله الشاب الثائر الذي قلب كل الثوابت والمستقرات داخل بابل، ولا اعني بابل فقط المكان، وإنما الحضارة والإمبراطورية كلها، فصار "نابو" ابن "مردوخ" وحفيد "انكي" ومن هنا بدأت شخصية هذا الإله تبرق وتتجوهر، وهذا أول تشكل، فالقناع الأول وهو اله خاص بالكتابة والنسخ في "بور سيبا" والقناع الآخر هو الإله "مردوخ" الذي حاز عليه ابنا له، فيما سنجد القناع الثالث وهو واحد من أهم الأقنعة والتحولات التي حصل عليها نابو".


ويكمل المعموري استقصاءه وغوره مع "نابو" متحدثا:

"هناك عيد عرفته الحضارة العراقية منذ لحظة سومر ويسمى بعيد "الاكيتو" وأنا ميال إلى تسميته بأعياد "الاكيتو" لأنه يستمر لـ 12 يوما، هذا العيد يحتفي به العراقيون القدماء، وعقائده احتفائية بالحياة "احتفالية، طقسية، شعائرية" تتجدد من خلال الأرض والحيوانات والإنسان، ومن خلال الإله والآلهة، ومن خلال الملك والكاهنة الكبرى الممثلة للآلهة وهو ما يسمى بطقس الزواج المقدس او طقس الزواج الالهي او طقس الجنس المقدس، يحتفون بالمرأة وبالعلاقة الثنائية في هذا العيد وتبدياتها على الأرض، تفد الآلهة من المدن العراقية بالكامل، مصورات الآلهة "تماثيل صغيرة" ،ويفد الملوك وكبار الكهنة إلى بابل ويشاركون في احتفالات "الاكيتو"، "نابو" يأتي في اليوم السادس من الأعياد، يأتي بزورق من "بور سيبا" من معبد "ايزيدا" الخاص به وتحف به طبقة من الكهان إلى ان يصل إلى بابل، ويُستقبل من قبل الكهنة والآلهة الوافدة وملوك المدن العراقية، ويبدو لي بوضوح ان اختيار اليوم السادس لمجيء "نابو" فيه شيء من الدقة والدراسة وهو ما يضعه في مكانة تختلف عن غيره، بحيث تكون كل الآلهة والملوك قد وصلت إلى بابل ويستقبلونه اعترافا به لأنه ابن "مردوخ" وحفيد "انكي" واله النسخ والكتابة على الرغم من وجود آلهة للكتابة لكن "نابو" حسب اعتقادي هو المذكر الأول بعد عدد من الآلهة المختصات بالكتابة.

هذا جانب يضيء لنا ـ أيضا ـ منطقة خاصة لها انعكاسات على الوضع الحالي، وقبل وبعد أيضا، وان الإلهة الأنثى في العراق القديم وبحضارات الشرق حازت على وظائف عظيمة جدا، لها علاقة بمسك الحياة والحفاظ عليها وتعميقها وتطويرها، وظائف الإلهة، الأم الكبرى فهي أول من اكتشف وعلم الرقص، والرقص أبهى ما موجود في الحياة، وعندما نقول الرقص يرتبط معه الموسيقى والغناء، وأيضا هي التي استطاعت ان تتوصل إلى كيميائية الخمور، والخمور أيضا عملية مكملة ومساعدة، ومن وظائفها الأخرى الكتابة، واعتقد ان الحضارة العراقية هي الوحيدة التي أعطت للمرأة وظيفة الكتابة.

في اليوم السادس كما ذكرت الذي يأتي فيه الاله "نابو"، يكون الإله القومي "مردوخ"، سنويا، قد نزل إلى العالم الأسفل، وهذا قرار الآلهة بان ينزل إلى العالم السفلي ، وهناك نص شعري مصحوب بشعائر وطقوس و"نابو" الوحيد القادر على تحرير الأب من العالم الأسفل، ينزل ويستعيد "مردوخ" ثانية، لحظة استعادة مردوخ للحياة تعني ابتداء سنة أخرى، والسنة التي تبدأ فيها أعياد "الاكيتو" هي بداية الربيع من كل عام في 1/4 .

عندما يستعيد الاله "نابو" "مردوخ" يجلس "نابو" لأنه اله الكتابة ويسجل أقدار الملوك ويسجل مصائر المملكة خلال سنة كاملة ويذهب أيضا بحركة إلى معبد "الايساكيلا" وهو المكان الذي يكون فيه "مردوخ"، لأنه معبده، ويقدم له لوح المصائر لمدة عام كامل.

أي بمعنى ان مملكة بابل تعرف مستوى ونوع الخصب، تعرف الوضع السياسي وتعرف استقرار المماليك وهي نبوءات، أي الكاتب والناسخ لديه قدرة بسبب كونه حفيدا لـ "أنكي" وابنا لـ "مردوخ" ، وحاز على الكلمة، والكلمة تعني الطاقة المخلقة والمكونة، ومن كلمة مردوخ أخذت الديانات السماوية الإشارات الواضحة لموضوعة الخلق من خلال الكلمة، لهذا في (القرآن وفي العهد القديم والعهد الجديد) هناك تأكيدات على أهمية الكلمة وأهمية الأسماء.

يحقق الاله "نابو" ما هو موكل له في "الاكيتو" ويستقر هناك بعلاقة هي أفضل وأجمل وأسمى العلاقات باعتباره عقلا مفكرا وحافظا لكل ما هو مدون في العراق، واذا لم يكن "نابو" هو المدون فهو الذي يعلن الموافقة على تدوين هذا الكتاب او غيره ويوعز للنساخ بتدوينه".

وعن ميدانية بحثه قال المعموري: "أنا زرت معبد "ايزيدا" في بور سيبا، وقبل 30 الى 35 سنة استطاعت باحثة ألمانية اسمها "هيجا" استظهار المعبد، بعدها حصل الحصار والحروب والتغيير، والمعبد باقٍ على حالته، لكن معبد "الايزيدا" في "نمرود كالح" زرته لأني أريد أن اعرف ما هو هذا الإله، فمن خلال معبده استطيع ان افهم وظائفه، "ايزيدا" بابل لم يعينني، لكن الزقورة الموجودة أعانتني، وهي من سبع طبقات وبارتفاع خمسين مترا، ويعبر عنه بانه كان الها أساسيا وكبيرا، واعتقد ان زقورة "الايزيدا" هي برج بابل المشار له في التوراة وفي بعض المصادر، لان في بابل "المنطقة الأثرية" لا يوجد برج، والمقصود ببرج بابل زقورة "بور سيبا" لانها ما كانت دولة وهي مدينة تابعة إلى الدولة البابلية فنسب برج بابل إلى بابل وهو في الحقيقة موجود في "بور سيبا"، معبد الايزيدا الخاص بـ"نابو" في "نمرود كالح" فيه قاعات واسعة وهي للتدوين، أي المكان اخذ خصائص الإله.

نرجع إلى "الاكيتو" ، ففي اليوم الـ12 تبدأ الآلهة والملوك والكهنة بالعودة إلى مدنهم الخاصة، وأيضا يرجع الإله "نابو" بالزورق وتحفه طبقة الكهان التي جاءت به إلى بابل، إلى هنا أقنعة نابو بالحضارة البابلية."

وصولا الى التحولات الحضارية يقول المعموري: "في الحضارة الآشورية ونحن نعرف بانها حضارة اهتمت بالفن لخدمة الأهداف العسكرية لـ "آشور بانيبال"، فهو يملك أهداف توسعية واستعمارية، ووصل إلى طيبة في مصر، ويذكر البعض انه في هذه الحروب والحملات حاول ان يؤمن ما تحتاج له الإمبراطورية الآشورية، ويؤمن لها مصدات صيانية وحماية، لكن لماذا وصلت إلى مصر، هذه المسألة فيها إشكال!.

تميزت هذه الحضارة بالفن وبالفن الرفيع "النحت" واجد لذلك سببا، كون منطقة نينوى هي منطقة صخور وهي المادة الأولية والأساسية في الأعمال النحتية، لهذا أنتجت هذه الإمبراطورية أعمال نحتية هائلة وعملاقة وكان لها تأثيرها الكبير على فنون الشرق، على ايران وتركيا وغيرها، ولان "آشور بانيبال" يحلم ان يتماهى مع ملوك كبار، وجد بان موضوعة الفن وحدها غير كافية، وعليه ان يعلن عن وظيفة لها علاقة مباشرة مع الأدب وهو مكون من أنواع "الأسطورة، الحكاية، الحكمة، النص المسرحي، الملحمة" فلابد لـ "آشور بانيبال" ان يتماثل مع القادة ومع الملوك، وعليه ان يحوز على مكتبات عملاقة وعلى أدباء وشعرا، فالأدب للادباء وظيفة حياتية بينما للقادة للكبار هو حاجة، لان فيها التلميع، فطلب من كل ملوك المدن البابلية في الوسط وفي الجنوب ان يُرحِلوا له المكتبات كلها الموجودة في: "بابل، بور سيبا، نفر، نيبور، اريدو، الوركاء" فحولوها إلى "آشور بانيبال" واعتقد انه حسنا فعل، فلو بقيت في هذه المدن الترابية لانتهت، نحن تمكنا من الوصول إلى شيء هائل من الأدب العراقي لانها نسخت وحفظت في مكتبة "آشور بانيبال" بآلاف النصوص لهذه الحاجة.

عندما طلب "آشور يانيبال" المكتبات فهو بالضرورة احتاج إلى نساخ، وحضور النساخ يعني بالضرورة ان يكون "نابو" موجودا في "نمرود كالح"، لذا حازت الحضارة الآشورية على "نابو" إلهاً خاصا ليس للكتابة والنسخ فقط وإنما منحته وظائف جديدة، وهذه الوظائف من متطلبات المرحلة الآشورية.

قطعة الدلالة لدخول معبد ايزيدا في نمرود كالح صارت محيرة حتى للمختصين لان مكتوب عليها "الإله نابو: اله الكتابة والنسخ والفنون والمراسلات" ،

ما هذا؟
وما هي علاقة الفنون والمراسلات؟

، وهناك دكة على الجانب الأيمن وأخرى على الأيسر، وعلى كل واحدة رأس بشري بجسد سمكة "نابو بجسد سمكة"، وفي المتحف الوطني عمله النحتي ماسك القلم وهناك سمكة، وحقيقة كان هذا مشكلا لي في البداية، لكن لم يكن صعبا عليّ الاهتداء للتحولات وللأقنعة الجديدة التي يجب ان تكون مغايرة عن أقنعة "نابو" في "بور سيبا" وفي بابل.

جاء إلى "نمرود كالح"، ولان الحضارة الآشورية هي معنية بالفن، اذن لمن تعطى هذه الوظيفة؟
لا وجود لإله يستحق وظيفة الفن أكثر من الإله نابو، لان الكتابة والنسخ والفن تعتبر وظيفة واحدة فحاز على قناع الفن، وتحول إلهاً معنيا بالفن، أما المراسلات فتبدو أيضا مرتبطة بالكتابة، لكن لماذا هذه المراسلات؟

وأيضا السبب بات سهلا ومقنعا للغاية، فكون الإمبراطورية الآشورية توسعية واستعمارية وجل المقاتلين من الشباب، فإذا الجند او القادة او الإمبراطور او رجال القصر او رجال الدين، كلهم يحتاجون إلى من يكتب رسائل للآباء وللأبناء وللقادة ومن يجيب لآشور بانيبال بـ (أين وصلنا، ما هي خسائرنا، ماذا نريد) ، هنا أيضا كـُرم الاله "نابو" بهذه الوظيفة، فحاز عليها وهي أقنعة جديدة.

استقر "نابو" استقرارا هائلا بين الفن والمراسلة ووظائفه السابقة، ومنح مكانا للمعبد في قلب نمرود كالح ومجاورا تماما لقصر الإمبراطور "آشور بانيبال"، مدخل المعبد إنسان بهيئة سمكة،

لكن ما هي علاقة نابو بالسمكة؟

لدينا هنا في المتحف شكل ضخم ماسك بالقلم، والعلامة التي تدل عليه هو "التيس" وانا لم اصل الى ما هو مقنع عن علاقة الكتابة بالتيس، وهو من حيوان كثير الحركة ومشاكس ويمتلك طاقة فحولية مبالغ فيها بينما الاله "نابو" ليس له اية علاقة بهذا، والدليل صراع الخليقة البابلية في "بولو سيفال"، العودة للجد "انكي" جعلتني افهم الاله "انكي" اله "الابسو" و"الابسو" هي المياه تحت سطح الارض وهي العذبة والنقية والتي تنتج كل ما له علاقة بالارض من شجر وقصب وايضاً ما تفيض به المياه من سمك، فأخذ جسد السمكة ورأس البشر، هنا الوظائف اكبر واعمق.

تنوعت الاقنعة وكثرت، وهنا نأتي لاخر الاقنعة، وهو ان هذا الاله قد شارك في بناء اولى الديانات التوحيدية واعني بها الديانة اليهودية، في منطقة اغوار الاردن حيث يوجد جبل "نبو"، وانا زرته، وهو جبل مرتفع جدا،ً والتوراة يشير ان الاله "يهوا" سهّل لـ "موسى" ان يصعد على جبل نبو، وتبدو مدينة اريحا قريبة جداً، حيث قال له: "انظر مدينة اريحا بجبالها وفاكهتها وخضارها، وانا لن ادعك تدخل اليها"، وتحول من اشور لان كانت منطقة تحرك قطعات عسكرية باتجاه الشام وفلسطين او "اورشليم" وحاصروها واتوا بأسرى من هناك،

اذن كان "نابو" له خط مرور بالاغوار وكانت الالهة دائماً تاخذ الطبقات العليا والمناطق العليا، مثلاً زقورة اور هي من تسع وتسعين طبقة - أي سلم - وفي الطبقة الاخيرة يوجد مستقر الاله في الغرفة الاخيرة حيث يتماهى هناك مع المطلق بالكامل.

صعد الاله على جبل نبو وهناك ملاحظة من الدكتور متعب مناف، اذ قال لي: "نعم انظر مفردة "نبو" وعندنا تعني نبي وهي لغة سامية ونحن نستخدم الى الان لغة سامية، من هنا ننظر الى رحلة الاله "نابو" من "بور سيبا" الى بابل الى اشو الى نبو.

في الحضارة والديانة المصرية "نابو" يعني الملتمع، أما "ايزيدا" فيعني المكان المكين القوي، لانه رجل علم وفلسفة أي الرجل القوي، أما مفردة نيبو في مصر فتعني الذهب الملتمع، واذا قمنا بحذف الواو نحصل على مفردة "نبي" وهذه كلها امتدادات لـ"نابو"، هذه اقنعة "نابو" وامتداداته وتحولاته وهذه المتحققات لهذا الاله، ولا تحصل في سنة أواثنتين بل مئات السنين، بمعنى أنه صراع محتدم وكبير بين انظمة ثقافية، حيث ليس من السهل ان يحوز الاله "انكي" على الاله "نابو" ويتعامل معه كحفيد ، فهذه العملية تحتاج الى عناصر ودواعم وتحققات دينية وثقافية وسياسية ايضاً، وهذا الاله هو الاله الوحيد الذي خضع لارتحالات عديدة وتحولات ثقافية ودينية، وبرز اسمه اكثر في هذه التحولات والارتحالات، وابتدأت المدن العراقية تستقبله بشكل اكثر ظهوراً وبروزاً، في "ايسن" معبد بنفس الاسم "ايزيدا" ، وفي "نفر" "ايزيدا" لـ "نابو" وفي نمرود كالح "ايزيدا" لـ "نابو" وقد تتعدد المعابد بالنسبة للالهة الثانويين، أما بالنسبة للالهة الرئيسيين مثل انو فثابت، وشمش فثابت ايضا، ومردوخ ثابتان فقط في بابل، لكن نجد البنية الذهنية قد منحت "نابو" الكثير من الاجلال والاحترام والتقدير.

أما انتقالات نابو في الحضارة الاشورية، فـ "الاكيتو" انتقل من بابل عندما انهارت الامبراطورية البابلية وصعدت الى الامبراطورية الاشورية لان الطقوس الدينية تسقط بسقوط الانظمة والامبراطورية، فارتحل "الاكيتو" الى نينوى، لكن التغيير الوحيد الذي حصل ان "اشور بانيبال" رفع اسم الاله مردوخ من "ملحمة الخليقة البابلية" ووضع اسمه، يعني طقوس "الاكيتو" تستمر من يوم 1 الى يوم 12 و"اشور بانيبال" يهبط الى العالم الاسفل ويأتي "نابو" بنفس الوظائف، وايضاً حاز عليه ابن "اشور بانيبال" ونزل الى العالم الاسفل حيث يسجل له لوح المصائر والاقدار للامبراطورية الاشورية".

اقتراحات كان قد قدمها المعموري سابقا وعاد ليستعرضها ثانية: "كنت في اربيل وقدمت في محاضرة توصيات للحكومة الاقليم ان يعتبروا "الاكيتو" عيدا وطنيا لانه الى الان عيد وطني للاشوريين، وليتحول الى فعاليات ثقافية ووطنية، حيث عرفت هذا العيد كل الممالك والامبراطوريات من البابلية والاشورية والممالك الوسطية من ايسن ونفر وغيرها، لكن المشكلة ان العودة الى الخلف ليس الحنين الى ما هو تقليدي ونمطي لكن هذا ما لا يمكن ان ينساه احد لا بالزي و لا بالثقافة او بالفن ولايمكن ان ينسبه الى أي مرحلة، وهو ارث وطني ونحن مطالبون بالحفاظ عليه وتعليمه للاحفاد والابناء، وانا لدي صديق محاضر في القاهرة يأتي لي بالعديد من مروجات الاعلان للسياحة ولديهم العديد من الالهة وبعدد ضخم ولكن لديهم مجموعة من الالهة المثبتة في المناهج وفي كارتات خان الخليلي والمرافق الاعلامية والسياحية، فالترويج للاثار والتراث يحتاج الى مؤسسات المجتمع المدني الثقافية والفنية والفعاليات الفنية الضاغطة والا ثقافة البلد وفن البلد مهدد بالاندثار والازاحة، وهذه مسألة خطرة وعلينا ان نرفع الصوت.


في ختام المحاضرة المشوقة والقيمة وجّه الحضور عديدا من الاسئلة والاستفسارات بما أغنى الجلسة التي سادها الصمت والانتباه قرابة ساعتين.