مقارنة بين الأساطير العراقية والأساطير الشرقية والغربية - د. رحيم هادي الشمخي

مقارنة بين الأساطير العراقية والأساطير الشرقية والغربية
إن أول محاولة لتسجيل الأساطير العراقية المروية شفاهاً هي محاولة مس ستيفنز (ليدي دروار) حيث نشرت كتاباً بعنوان "قصص شعبية عراقية" في اكسفورد عام 1931 .
وقد كتبت مقدمة في الخرافات الشعبية التي تتعلق بالمخلوقات الغربية التي تنعكس في هذه الأساطير كالغول والسعلاة وما شابه ذلك. كما أنها تكلمت على خصائص القصة الشعبية العراقية. وكيف تفتتح وكيف تختتم. وسجلت في كتابها هذا ثماني وأربعين قصة شعبية سجلتها في بغداد وبعض أنحاء العراق الأخرى. وأردفت هذه القصص بملحق تكلمت فيه على المتشابهات في أساطير الأمم الأخرى.
ونريد هنا أن نسجل الروافد التي ساعدت على تكوين هذه الأساطير أو عناصر المشابهة التي ظهرت بينها وبين أقاصيص شعبية أخرى عند أمم أجنبية.
يمكن أن نقسم هذه الروافد المؤثرة في القصص الشعبية العراقية إلى ما يلي:

1- التراث العربي القديم:

ترك العرب القدامى تراثاً قصصياً زاخراً. تجمع في كتاب ألف ليلة وليلة وغيره من قصص البطولة الشعبية كقصة عنترة وغيره. ومن هذه الكتب التي بنيت على أساطير الحيوان في الغالب كتاب كليلة ومنة. ولا شك أن كتاب ألف ليلة وليلة كان من الكتب المقروءة كثيراً في أوساط المثقفين ومتوسطي الثقافة. وإن بعض مضامينه من خلال السماع والرواية كانت تنتقل إلى الأقاصيص الشعبية المحكية، وكانت هذه المضامين تضاف إلى هذه القصص. وقد تقتطع أحياناً بعض أجزاء قصصه لتكوين قصة مستقلة.
ففي إحدى القصص التي روتها مس ستيفنز عن قبيلة شُمَّر (رقم 23)( ) يظهر أثر قصة السندباد والغول الذي أكل رفاق السندباد. وإن قتل هذا الغول كان بنفس الطريقة التي قتل بها السندباد هذا المخلوق.

إلا أن القصة هنا تختلف عن قصة السندباد بأن الغول كان بعين واحدة بينما نجد الغول في ألف ليلة وليلة بعينين.
ولهذا فإن القصة تقترب من رواية الأوديسا لهوميروس. إذ كان غول الأوديسا بعين واحدة فقط.
وفي نفس القصة يشير الراوية الشمري إلى حادثة شبيهة لما حدث للسندباد حيث دفن حياً مع زوجته عند وفاتها كما هي عادة القوم الذين تزوج فيهم . وفي قصة الدراويش والمصباح العجيب (رقم 32) نجد تقارباً واضحاً مع قصة علاء الدين والمصباح السحري. إذ أن الشبه يدل على تأثر صريح ومباشر بالقصة التي في ألف ليلة وليلة وفي قصة "السمكة التي تضحك" (رقم 44) تذكرنا حادثة الكلب الذي قتل الحية التي أرادت أن تصعد إلى مهد الصبي وتلدغه فتوهم والدي الطفل بأنه قتل الطفل. بحادثة مماثلة في كتاب "كليلة ودمنة" حيث ندم الذي قتل حيوانه المخلص الذي دافع عن الطفل ولكن بعد فوات الأوان.

وفي قصة الولد والغول (رقم 47) يظهر شبه بين المهرة التي تخرج من البحر وأفراس البحر في إحدى قصص السندباد حيث تخرج هذه الأفراس من البحر لملاقاة أمهار السلطان المربوطة عند الساحل.
وفي إحدى حوادث قصة "الراعي وأخوه" (رقم 48) حين استعار الميزان لوزن الكنز فالتصقت قطعة ذهبية بالقبر الذي في أسفل الميزان فانكشف سرهما، يظهر شبه بقصة "علي بابا والأربعون حرامي" في كتاب ألف ليلة وليلة.
وما دمنا نتكلم على الأثر المحلي الموروث من التراث العربي. فمن الممكن أن نقول قليلاً عن التراث العراقي القديم الذي وصل ـ في أغلب الظن ـ منقولاً عن طريق الحكاية من جيل إلى جيل.

ففي قصة "شمشون الجبار" (رقم 8) يرد ذكر للأفعى التي كانت تأكل أفراخ النسر فأنقذ شمشون صغار النسر منها. وترد القصة في نص وجد في مكتبة آشور بانيبال. حيث يقهر النسر الأفعى بمساعدة "شمش" وهو الإله الشمس وأن اسم "شمشون" إنما هو تحريف للاسم البابلي وإن قصة شمشون التي ذكرت في التوراة أيضاً قد تكون رمزاً عراقياً قديماً، وإن ضعف شمشون بقص شعره رمز لضعف الشمس في الشتاء.
وإن رحلة شمشون إلى ما وراء البحور السبعة يقع أيضاً في ألواح عراقية قديمة وصلت إلينا من مكتبة آشور بانيبال، وتذكر بملحمة كلكامش صاحبة الحانة، كلكامش بأن عبور البحر غير مستطاع لأحد، إلا أن الإله شمس قد يعبره أحياناً. وإن القصة العراقية القديمة تذكرنا بقصة مشابهة في قصص إيسوب بقيام خصومه حول صغار الحيوان وقتلها وتدخل الإله زوس لفض النزاع.
وفي قصة "الولد والغول" (رقم 47) إشارة إلى كراهية حفر قبر الميت ونقله من قبره، وهي عقيدة سامية قديمة وقد تقع أيضاً في أدب كثير من الأمم الأخرى.
ويمكن أن نلمحها في كلكامش والتوراة.

2- الأثر الفارسي والتركي والأرمني والروسي:

إن العرب من الأمم التي احتلت أرضاً واسعة وأكثرت من الاختلاط بالأمم الأخرى بواسطة الزواج والتسرى وتملك العبيد والتجارة والسياحة والسفر لغرض طلب العلم. وكان العراق نقطة وسطا نلتقي فيه قوافل الدنيا المتحضرة والعالم المتمدن آنذاك.
ولذلك فلابد أن تتأثر القصص الشعبية العراقية بكل الروافد التي تصب فيها من البلدان القريبة والمجاورة والتي لها معها صلات تجارية وسياسية.
ومن هنا يظهر أثر القصص الشعبية الفارسية والتركية والأرمنية والروسية وغيرها في القصص الشعبية العراقية.
ويمكن أن نسجل بعض هذه الآثار في القصص كما يلي:
أ‌- الأثر الفارسي:
لا شك أن الصلة الفكرية والثقافية كانت دائمة ومستمرة بين العراق وفارس خلال عصور التاريخ المختلفة. ولذلك فليس بمستبعد أن نجد علاقة حميمة بين القصص الشعبية العراقية والفارسية، وقد يكون التشابه قائماً على تشابه الظروف الاجتماعية والدوافع في السلوك البشري في منطقة الشرق الأوسط. وأي الأسباب كان هو السبب المباشر في هذا التشابه والعلاقة فإن عدداً من قصص هذه المجموعة يحمل سمات مشتركة.
فقصة "المرأة المخبولة" (رقم 8) تردد صدى أو يتردد صداها في قصة "تاجر أصفهان".
وإن قصة "الخنفساء التي أرادت أن تتزوج" (رقم 10) تشبه "قصة الكرماني" الفارسية.
وهناك شبه بين قصة السلطان الأعمى (رقم 12) وقصة فارسية مجاورة.
وتشبه قصة "جرادة" (رقم 13) قصة فارسية تحمل اسم "فاتح البخت".
وإن قصة "ابن الملك والأوانس الثلاث" أو "لعبة الصبر" تشبه قصة "الاختان الغيورتان". وأن ما يخص "سكين الصبر" في هذه القصة تنعكس في القصص الفارسية أيضاً.
وإن قصة "الفتاة الفقيرة وبقرتها" (رقم 36) تشبه قصتين فارسيتين "قصة فاطمة الصغيرة" و"قصة كيف قتلت فاطمة أمها".
وإن قصة "بنت التاجر" (رقم 34) وما فيها من حادث اختيار الملك بواسطة الطير الذي ينزل فوق رأس طالب العرش تظهر في قصص فارسية كثيرة.
وإن قصة "الرجل النبيل" (رقم 45) تشبه قصة فارسية بعنوان: "الرجل الذي ذهب يزور حظه".
وهناك شبه بين قصة "الرجل الكريم والرجل البخيل" (رقم 46) وبين قصة فارسية لها حوادث مشابهة اسمها "الطرق والدروب القصيرة".

ب‌- الأثر التركي:

إن العلاقة بين الأتراك والعرب تشبه العلاقة بين الفرس والعرب. فمن خلال الظروف الاجتماعية والسياسية والتجارية كانت العلاقة ملتحمة وشديدة عبر القرون، ولا شك أن أثر الفكر التركي الشعبي كان شديداً في القرون الأخيرة التي سبقت القرن العشرين من خلال الحكم السياسي والاختلاط الذي جاء من الجواري والزواج من نساء تركيات الأصل نقلن معهن إلى بغداد كثيراً من القصص الشعبي الذي سمعته في بلادهن، ونجد في القصص العراقية آثاراً وانعكاساً للأساطير الشعبية التركية ومشابهة تدل على وجود صلة شعبية حميمة.
ففي قصة "دنجرة خشيبان" (رقم 5) نجد شبهاً بالقصة التركية "الجمال النائم" في كتاب "قصص تركية" وهناك صدى للقصة في كتاب "قصص شعبية تركية من أستانبول".
ويوجد شبه بين "قصة بائع الشوك" (رقم 11) القصص التركية، حيث يزور المحب الأميرة في صورة طائر يتحول في حضرتها إلى إنسان سوي.
وفي قصة "السلطان الأعمى" (رقم 12)، تشابه القصة العراقية القصة التركية في الشخص الذي يجلس على مفترق الطرق ويلف خيط الليل والنهار في كتاب "قصص تركية". وعلينا أن نشير أن في ملحمة كلكامش إشارة إلى ما يسمى بالطريق الذي لا رجوع منه، ولعل الأثر في الأقاصيص الشعبية هذه جاءها من هناك.
وإن قصة "جرادة" (رقم 13) إضافة إلى شبهها بالقصة الفارسية فإنها تشبه قصة تركية في كتاب "قصص تركية".
وأن القصة الشمرية (رقم 23) التي أشارت إلى دفن الأزواج مع الزوجات تشابهها قصة تركية، وقد ذكرت الحالة في رحلات السندباد، ولعل هذا الموضوع دخل الأساطير الشعبية عن طريق الهند. فقد أكد الرحالة المسلمون على وجود عادة حرق الأحياء مع الأموات من الأزواج.
وإن قصة "أم البير" (رقم 28) تشبه قصة تركية جاءت في مجموعة "قصص شعبية تركية من استانبول".
ومثل هذه القصة في الشبه قصة "حسن الحرامي" (رقم 29) فإنها تشبه قصة تركية في حوادثها.
وإن قصة "ابن الملك والأوانس الثلاث" (رقم 33) تشابه قصة تركية في كتاب "قصص شعبية تركية من استانبول". وتظهر مسألة "سكين الصبر" في القصص التركية، كما ظهرت في القصص الفارسية والعراقية.

وأن قصة "ملك محمد والغول" (رقم 39) تشابه في بعض أحداثها قصة في كتاب "قصص تركية من استانبول".
وإن قصة ندافة القطن والكسلان" (رقم 41) تشبه قصة وردت في كتاب "قصص شعبية تركية من استانبول" وقصة وردت في كتاب "قصص تركية".

وأن قصة "الولد والغول" (رقم 47) تشابه قصة تركية حين تتحدث عن المهرة الطائرة في كتاب "قصص تركية شعبية من استانبول" ولعل الفكرة انحدرت إلى هذه القصص من كتاب "ألف ليلة وليلة" ونقلت إلى المستوى الشعبي.
وإن قصة "الراعي وأخوه" (رقم 48) تشبه في مشهد انتقام الأخ ما ورد في كتاب "قصص شعبية تركية من استانبول".

ج‌- الأثر الأرمني:

إن صلة العرب بأرمينيا تعود إلى القرن الأول للهجرة. وإن قوافل الجواري والعبيد من أواسط آسيا لم تنقطع في طريقها إلى العراق، ولا شك أن الأثر الأرمني في القصص الشعبي العراقي جاء في الغالب من هناك. وإذا أضفنا الهجرة المستمرة للأرمن وسياحتهم في أقطار الشرق الأوسط عرفنا سبب هذا الأثر في هذه الأساطير، ويمكن أن نعتبر الأثر الأرمني أثراً من جانب واحد بسبب بع الشقة واختلاف اللغة وعدم تكلم العرب بها.

فما نجد في القصص الشعبية العراقية من شبه مع القصص الأرمني يمكن أن نحمله على أنه تأثير مباشر وليس مجرد تشابه وصدفة. وفي الإمكان أن نرصد بعض الشبه بين القصص الشعبية العراقية والقصص الأرمنية وبعض القصص الروسية حتى سيبريا، ولعل للغجر والمسافرين والتجار بعض الأثر إضافة إلى الجواري والخدم.

فقصة "سفينة البلور" تشبه قصة أرمنية في ظهور الجني لزوجته في سفينة من بلور تبحر حتى باب غرفتها، ولعل القصة الأرمنية نفسها قد جاءت أصلاً عن الخرافة اليونانية "سايكي وكبوبيد" فهي أقدم جذرا من القصتين الشعبيتين.
وأن قصة "حسن النمنم" (رقم 9) وزواجه من السعلاة وبحثها عن قابلة، تشبه قصة أرمنية، وتشير مس ستيفنز إلى أثر الغجر في نقل الأساطير من أماكن بعيدة إلى أماكن بعيدة أخرى.

وأن القصة التي تروى عن هرون الرشيد (رقم 18) وعلاقته بالمجنون الذي فك لغز العالم الفيلسوف تشبه قصة أرمنية أيضاً.
وأن قصة "ابن الملك والأوانس الثلاث أو لعبة الصبر" تشبه قصة "التوأمان ذوا الشعر الذهبي" في كتاب "قصص شعبية من سيبريا".
وقصة "الفتاة الفقيرة وبقرتها " (رقم 36) قصة تشبه عدداً من القصص العالمية ومن بينها قصة أرمنية ولعلها الأصل لما انتشرت في أوروبا باسم قصة "سندريللا". وقد ظهرت في كتاب "قصص شرقية"، وهناك قصة أرمنية أخرى تحمل بعض الشبه أيضاً بنفس القصة اسمها "الكونت الأرمني" وتشبه قصة "الفتاة الفقيرة" قصة سيندرلون الأرمنية في حادثة زيارة السعلاة وحادثة الحذاء الذي يلائم، إلا قدم الفتاة المظلومة لوحها، وهذه القصة تشبه قصة بعنوان "النعال الذهبي" موطنها سيبريا.


3- المتشابه الأوروبي والأقاصيص العراقية:

يظهر بعض الشبه بين الأقاصيص العراقية الشعبية والقصص الشعبية الأوروبية، ولابد أن يقال شيء عن هذا التشابه بين قصص الشعوب ذات الحضارات المتباينة، نقول:
مع تباين الحضارة واللغة بين شعب وشعب، وأمة وأمة، إلا أن الصلات والعلاقات الإنسانية ـ على ندرتها ـ لم تنقطع كلية، فلم يكن هناك شعب في العالم القديم المعروف آنذاك قد عاش عيشة متقطعة كلية عن الشعوب التي حوله أو الشعوب البعيدة الأخرى التي لها صلات بشعوب حولها أو أبعد منها. فالهجرة الإنسانية مستمرة.

فمثلاً: إن شعوب أمريكا الأصليين كانوا قد هاجروا ـ كما يرى علماء الأجناس والجغرافية ـ من شمال آسيا عبر الاسكا. وإن الحروب بين الشعوب والحضارات كثيراً ما أدت إلى اختلاط وامتزاج وتأثر وتبادل الأفكار والأساطير والأديان. فشعوب الشرق الأوسط كانت كثيرة الاختلاط بوساطة الحروب. فالعراقيون القدماء قد غزوا سورية وفلسطين وغزوا المصريين. وكذلك فعل المصريون، والفينيقيون بقيادة هينبال قد غزوا جنوب أوروبا وساروا باتجاه روما حتى كادوا يصلونها . ثم قامت الحروب الفارسية اليونانية، ثم ظهر الاسكندر الذي استمرت جيوشه في التوغل في الشرق حتى مرت ببابل باتجاه فارس فالهند.

ثم سيطر العرب على ثلاث قارات في آسيا وأفريقيا وجنوب أوروبا. كل هذا ترك أثره الهائل في كسر قيد العزلة وساعد على انتقال الأفكار والعادات والأساطير وغيرها.

وآخر موجات الاصطدام الحربية في تاريخ الإنسان هي الحروب الصليبية التي استمرت ثلاثة قرون. وقد تمكن العلماء من رصد أثرها الفكري والاقتصادي والاجتماعي في أوروبا.

كل هذا يمكن أن يعطي سبباً في هذا التشابه في الأساطير ولكن يبقى الحساب الرياضي الدقيق غير ممكن عند البرهان على انتقال اسطورة بالذات أو عدد من الأساطير من مكان إلى مكان ولكن سيبقى الفرض العلمي الذي يحتمل الصدق والكذب هو السبيل الوحيد للبرهان على هجرة هذه الأساطير ليس غير. ومع ذلك، فإن هذا لا يمنعنا من تسجيل وجوه الشبه هذه بين الأساطير العراقية والأساطير الأوروبية لغرض إظهار المشابهة فقط.

فإن قصة "السخلة والمرأة العجوز" (رقم 2) تشابه القصة الانكليزية "المرأة العجوز وخنزيرها الذي لا يقفز على الجدار".
وتشابه القصة "دنجرة خشيبان" (رقم 5) القصة الألمانية "الفتاة البطة" في "قصص عائلية" تأليف الأخوين كرم، وتذكرنا أيضاً بأسطورة "درياد" في قضية ليس الثوب الخشبي.

وإن قصة "الزوجان العجوزان والشاة" (رقم 7) تذكر القارئ بقصة أوروبية معروفة عن الذئب.
وإن قصة "السلطان الأعمى" (رقم 12) تشبه قصة المانية بعنوان "ماء الحياة" في المجموعة الألمانية "قصص عائلية" وتذكر القارئ أيضاً بقصة "اندروكلس والأسد"، وقد يكون أصلها بوذياً أو أنها ذات أصل توراتي استقيت من قصة "دانيال النبي" الذي وضع بين الأسود الجائعة لافتراسه.
أما قصة "جرادة (رقم 13) حيث يظهر الزوج الذي تخدمه الصدف في كل شيء فهي تشبه القصة الألمانية "طبيب يعرف كل شيء" في مجموعة كرم.

وأن قصة "اللقلق والثعلب" (رقم 14) الشائعة في الشرق لعلها ذات أصل سومري أو بابلي، لأننا نجدها قد وصلت إلى خرافات أيسوب اليوناني وقد ثبت تأثر كاتب هذه الخرافات المنسوبة إلى أيسوب بالمؤثر الشرقي.

وأن القصة الشمرية (رقم 23) التي قلنا عن أثر رحلة السندباد فيها فهي تشابه أيضاً قصة ألمانية بعنوان "مسيرة الحيات الثلاث" في مجموعة كرم.
أما قصة "ابن الملك والأوانس الثلاث أو لعبة الصبر" (رقم 33). فلها صورة مشابهة في بعض أحداثها بالقصة الألمانية "الطيور الثلاثة" في "قصص عائلية" تأليف الأخوين كرم.

وأن قصة "الفتاة الفقيرة وبقرتها" (رقم 36) قصة مشهورة في الشرق ولكننا نجد لها أثراً في قصة "الأم هول" في كتاب الأخوين كرم، وفي قصة "العين الواحدة" و"العينان" و"الثلاثة عيون" في نفس المجموعة.
ولقصة الولد والغول (رقم 47) شبه ما بقصة "تراب القبر الغالي في مجموعة الأخوين كرم".
وتشابه قصة "الراعي وأخوه" (رقم 48) كتاب الأخوين كرم: في قصة "اليهودي بين الأشواك". وبعض الشبه في قصة "جبال سميلي" في مجموعة كرم أيضاً. وأن شرط الفلاح غير الإنساني يشبه ما جاء في مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير. ولعل شكسبير استمد عقدة المسرحية هذه من أصل أسطورة شعبية.

ويتناثر في هذه القصص عدد من "الرموز" التي قد تفسر بعض المدلولات الدينية والعقائد القديمة.
فإن اتخاذ الحديد على شكل حذاء في السفر إلى بلاد الجن كما ورد في "سفينة البلور" (رقم 6) يرد في القصص الشعبية، ولعله يتخذ وقاية من الجن. قد اعتبر هكذا بعد اكتشاف أهمية الحديد الحربية وقوته على الدمار، فالحديد لم يستخدم في المعابد، فقد بقيت الأواني الحجرية هي التي يقدم بها الطعام إلى الإله على الرغم من اكتشاف الحديد مما يدل على كراهية الآلهة للحديد.
وفي قصة "شمشون الجبار" تحول أسطورة الإله شمش إلى قصة شعبية يرمز بها لتبدل الفصول وضعف أشعة الشمس في الشتاء، حيث رمز لذلك بقطع شعر شمشون، وأن نمو هذا الشعر رمز لقوة الشمس وأشعتها بعد التبدل الربيعي.
وأن قصة "ابنة إله البحر (نيرياد) وميلادها أطفالها الذين يعيشون في الماء هي الأصل في أسطورة السعلاة وكل المخلوقات التي تعيش في الماء كما ورد في قصة (حسن النمنم رقم 9).

وأن عطاء السعلاة قشور البصل والثوم ثمناً للقابلة لأنهما يعتبران ذهب الآلهة وفضتها ودليل على تقديس القدامى للثوم والبصل. ولعل فيها رمزاً للمقايضة القديمة.

وأن علاج العيون بالبصاق جاء إلى الأسطورة من اعتقاد سام قديم كما ذكره دوتي في كتابه: "ارابيا ديزرتا".
وأن الخوف من العبث بالجثة في قصة "الولد والغول" (رقم 47) أو نقلها من قبرها يرجع على عقيدة سامية قديمة يرد أثرها في ملحمة كلكامش، ولها شبيه بالتوراة.

وأن العرب كانوا يعتقدون بأن الإنسان الذي لم يؤخذ بثأره تبقى روحه هائمة على شكل طائر اسمه "الصدى" يصبح على قبره: اسقوني اسقوني. وأن العبث بالقتلى هو نوع من الانتقام هدفه عدم ترك الأموات في راحة أبدية. وكانت العرب تعبث بأجساد قتلاها وتشوهها، كما عبثت قريش بأجساد شهداء المسلمين في موقعه أحد مثلاً.

إننا اكتفينا بالإشارات السريعة إلى وجود الشبه لغرض توضيح هذه العلاقات دون الدخول في التفاصيل، ننتظر اليوم الذي تقدم هذه الكتب مترجمة ليسهل على القارئ الرجوع إليها والاطلاع على وجوه الشبه هذه بنفسه، وبشكل أكثر دقة وأكثر تفصيلاً.

د. رحيم هادي الشمخي
أكاديمي وكاتب عراقي