بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الأئمة والمهديين وسلم تسليما

الحاكم يوم الدين؛ الإمام المهدي محمد بن الحسن (ع)..

مبارك عليكم ذكرى تولّي الحجة على العالمين وقائم آل محمد (ص) الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري (على مشرّفه آلاف التحية والسلام) الإمامة والخلافة الإلهية بعد أبيه (ص)، نسـأل الله أن يجعلها سنة فتح وتمكين لمحمد وآل محمد (ص)..

قال الإمام أحمد الحسن (ع):
[ تبيّن من البحث السابق أنّ الحجج (ع)، هم وجه الله وظلال أسمائه الحسنى، فأمرهم أمره سبحانه، وملكهم ملكه، فإذا ملك أو حكم أحدهم (ع) كان الملك لله؛ لأنّ المعصوم (ع) يحكم بشريعة الله، ويبثّها بين عباد الله، وأعماله كلّها بأمر الله وفي رضا الله سبحانه وتعالى، فهذا الحاكم المعصوم (ع) طاعته واجبة، وهي طاعة الله ومعصيته والتمرد عليه محرمة؛ لأنّها معصية الله والتمرد على الله؛ لأنّه خليفة الله في أرضه.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾.
وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾.
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.
والآيات الدالة على أنّ المُلك لله سبحانه وتعالى كثيرة، وليس للعباد أن يتصرّفوا وفق أهوائهم أو تخرصاتهم العقلية.
وكما قدّمت أنّ كلتي القراءتين (مالك، وملك) تتضمّن معنى الملك الثابت له سبحانه وتعالى على هذه الأرض، سواء رضي الناس أم أبوا.
بلى، هم عند رفضهم لِمُلكِهِ سبحانه، فهو لا يجبرهم على طاعة وليه وحجته، وخليفته والمَلك المعيّن منه سبحانه وتعالى؛ حيث إنّ الضرر سيقع عليهم، والتلف سيكون في أموالهم وأنفسهم، بل هم خُلقوا في هذه الأرض لعبادة الله، والكفر بالطاغوت باختيارهم، فإجبارهم على رفض حكم الطاغوت ومحاربة رموزه، وإقامة حكم الله ومناصرة خليفته تنفي أصل الامتحان، وتضيع الغرض منه.
وهذا يبيّن لنا شرف أمّة محمد (ص) وعظم شأنها؛ حيث إنّها التي تقيم حكم الله على أرضه في حدث ليست له سابقة ولا نظير، وتنصر خليفة الله المهدي (ع) في يوم الدين، أو جولة الجزاء والحساب في هذه الأرض.
وتلك الأمّة أنصار وأصحاب الإمام المهدي (ع)، هم خير أمّة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أمّا من سبقهم فلا يمكن إطلاق اسم أمّة محمد (ص) عليهم بهذا الوصف، أي: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. كيف وقد قتلوا خلفـاء الله علي (ع)، وولده (ع)، سواء مَن ناصر الطواغيت أم مَن خذل المعصومين (ع).
بلى، هناك أفراد قلائل نصروا المعصومين (ع)، وفي الغالب قضوا كما قضى أئمتهم (ع)، فهم بين مسموم ومقطع بالسيوف كمالك الأشتر، وحجر بن عدي الكندي، وأصحاب الحسـين (ع).
كما أنّ شرف هذه الأمّة يتمثّل بأنّها ستنصر أول من سيقيم حكم الله في أرضه، وينشر القسط والعدل بين الناس، بل لعليّ أقول: هو الشخصية الوحيدة المنفذة لشريعة الله التامّة في أرضه، ومعظم من سبقه (صلوات الله عليهم) هم مبلغون ومنذرون ومبشرون.
وملك سليمان وذي القرنين ليسا بسعة ملكه، ولم يُعطيا من التمكين والسلطة بقدر ما سيُعطى (ع)؛ حتى ورد في بعض الروايات: أنّ موسى بن عمران (ع) تمنّى أن يكون هو قائم آل محمد [1].
وإذا عرفنا فيما سبق من البحث أنّ الحجج (ع) هم ظلال أسمائه سبحانه وتعالى، تبيّن لنا هنا أنّ الإمام المهدي (ع) هو ظل اسمه سبحانه المَلك، فالإمام هو الحاكم والمَلك في الأرض في يوم الله أو يوم الدين، والله هو المَلك الحقيقي ليوم الدين.
ومن المناسب أن تفتح سورة الفاتحة بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، ويختم الحمد بمَلك يوم الدين.
ومحمد (ص) ظل اسم الله سبحانه، والإمام المهدي ظل اسم المَلك سبحانه وتعالى، وكما ورد عنهم (ع): (بنا فتح الله وبنا يختم) [2].
]

المصدر: كتاب شيء من تفسير سورة الفاتحة

** ** **

قال الإمام أحمد الحسن (ع):
[ أما القائم (ع) فهو تجلي اسم الله سبحانه وهو حي وقبل شهادته؛ لطول حياته وطول عبادته مع كمال صفاته وإخلاصه، فهو يصل صلاته بقنوته وقنوته بصلاته، وكأنه لا يفتر عن عبادة الله سبحانه. ولأنه الجالس على العرش يوم الدين أي يوم القيامة الصغرى، وفي القرآن اليوم المعلوم. ولأنه الحاكم باسم الله بين الأمم في ذلك اليوم، فلابد أن يكون مرآة تعكس الذات الإلهية في الخلق ليكون الحاكم هو الله في الخلق، فيكون كلام الإمام (ع) هو كلام الله، وحكمه هو حكم الله، وملك الإمام (ع) هو ملك الله سبحانه وتعالى، فيصدق في ذلك اليوم قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿ملك يوم الدين﴾، ويكون الإمام (ع) في ذلك اليوم عين الله، ولسان الله الناطق، ويد الله [3]. ]

المصدر: كتاب المتشابهات (الجزء الثاني): س2


-----------------------------------------------
هامش:
[1]- عن سالم الأشل، قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (ع) يقول : (نظر موسى بن عمران في السفر الأول إلى ما يعطى قائم آل محمد من التمكين والفضل، فقال موسى : رب اجعلني قائم آل محمد . فقيل له : إنّ ذاك من ذرية أحمد. ثم نظر في السفر الثاني فوجد فيه مثل ذلك، فقال مثله، فقيل له مثل ذلك. ثم نظر في السفر الثالث فرأى مثله، فقال مثله، فقيل له مثله. غيبة النعماني : ص246، عنه : بحار الأنوار: ج55 ص77.
[2]- عن النبي (ص): ( ... يا علي إنّ الهدى هو إتباع أمر الله دون الهوى والرأي، وكأنّك بقوم قد تأولوا القرآن، وأخذوا بالشبهات، واستحلوا الخمر بالنبيذ، والبخس بالزكاة، والسحت بالهدية. قلت : يا رسول الله فما هم إذا فعلوا ذلك؟ أهم أهل فتنة أم أهل ردّة ؟ فقال : هم أهل فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل. فقلت : يا رسول الله العدل منّا أم من غيرنا؟ فقال : بل منّا بنا فتح الله وبنا يختم الله ... ) بحار الأنوار: ج32 ص298. وراجع : أمالي الطوسي : ص66.
[3]- عن الإمام الصادق (ع) في كلام طويل مع المفضل بن عمر: (... بل يا مفضل يسند القائم (ع) ظهره إلى الحرم، ويمد يده فترى بيضاء من غير سوء ويقول: هذه يد الله، وعن الله، وبأمر الله ، ثم يتلو هذه الآية : " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه "...) بحار الأنوار : ج53 ص8.