هل يعود الكساد للاقتصاد العالمي في 2015؟

أسباب المخاوف من أزمة مالية عالمية جديدة –
من سيكون المتسبب في الأزمة الجديدة… الاقتصاد الصيني أم منطقة اليورو؟
تقرير يكتبه لـ عمان: إميل أمين –
هل العالم – وهو على أبواب العام الجديد 2015 – مقبل على مرحلة جديدة من مراحل الكساد الكبير أو الانهيار الكبير؟
المؤكد أن العالم قد عرف هذا العنوان مرة في العام 1929، ما أدى إلى توقف المعامل والمصانع عن الإنتاج، وكان السبب في تلك الأزمة انهيار وول ستريت، شارع المال والبورصة في يوم 24 أكتوبر 1929 والذي عرف باسم «الخميس الأسود» كما أعلنت عشرات البنوك إفلاسها ونتج عن ذلك أن وجد 30 مليون عامل أنفسهم عاطلين عن العمل، ولم تكن نتائج الكساد الكبير منحصرة فقط في الولايات المتحدة إنما أدى الأمر إلى تأثر جميع الأسواق المالية العالمية وإلى انهيار النظام الاقتصادي العالمي ولقد عاد الاقتصاد في الولايات المتحدة خاصة والعالم عامة إلى ما كان عليه بعد الحرب العالمية الثانية بعدة سنوات، وقد أدى الكساد الكبير إلى إعادة النظر بسياسات المنظر وعالم الاقتصاد الإنجليزي الشهير «آدم سميث»، تلك الدعاية إلى إعادة النظر في تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي من عدمه، وبداية عهد تطبيق كبير.

في العام 2007 ضربت العالم أزمة مالية كبيرة، كانت الولايات المتحدة الأمريكية السبب الرئيسي والمباشر فيها، بسبب أزمة تلاعب البنوك بالأسعار الحقيقية للعقارات، والتي عرفت بأزمة التوريق، أي القيمة الورقية للأشياء، لا القيمة الحقيقية.في ذلك الوقت ضربت الأزمة المالية مختلف دول العالم، ودفعت العديد من الدول الاقتصادية العظمي إلى إعلان دخولها مرحلة الركود الاقتصادي بشكل رسمي. وفي ذلك الوقت أيضا استرجع العالم عددا من القراءات الاقتصادية التي تعود إلى أوائل القرن العشرين لاسيما لبعض علماء الاقتصاد الروسي من أمثال العالم الاقتصادي «نيكولاي كوندراتيف»، والذي أشار إلى أن النظام الرأسمالية يتأرجح بين الصعود والهبوط في كل مرحلة تدوم خمسة أعوام.

وقد كتب «كوندراتيف» في عام (1926) يقول إن العالم يسير إلى هبوط جديد، وسرعان ما واجه العالم باستثناء الاتحاد السوفييتي آنذاك حالة من الكساد انطلقت من أمريكا… هل اليوم شبيه بالأمس؟

طبقا لنظرية «كوندراتيف» الذي توفي عام 1938 فإن العالم يشهد بداية للنهوض فيما بعد العام 2015، وعنده كذلك أن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية سوف تستمر إلى أن يتبخر ما هو وهمي افتراضي في أسواق المال، وذلك عن طريق تخفيض قيمة الدولار الأمريكي بشكل ملحوظ، وهذا ما سيحدث في الأعوام القليلة المقبلة، ولا يمكن أن يدخل الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من النهوض لمجرد أن يتحرر مما يسميه الخبراء بالفقاقيع المالية، بل يتطلب الأمر، قاطرة جديدة تجر الاقتصاد العالمي إلى طريق التقدم ثانية، وقد تتمثل هذه القاطرة في التكنولوجيا الحيوية، أو التكنولوجيا الطبية الجديدة، أو صناعة المواد بمواصفات محددة أو تكنولوجيا النانو.

صندوق النقد يحذر

كيف نتيقن من جدية الحديث عن الأزمة الاقتصادية في العام القادم؟ ربما يكون تحذير صندوق النقد الدولي من هذه الأزمة هو السبب الرئيسي والمباشر في المخاوف التي بدأت تلم بالمشهد الاقتصادي العالمي الجديد.ففي أوائل شهر نوفمبر المنصرم، حذر صندوق النقد الدولي من خطر وقوع أزمة اقتصادية عالمية جديدة مشيرا إلى أن مخاطر حدوث هذه الأزمة عادت من جديد خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي دعا الصندوق لتخفيض توقعاته بشأن نمو الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري بمقدار أو نقطة مئوية إلى3.3%، كما خفض من توقعاته بشأن نمو الاقتصاد في العام المقبل بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى3.8% من إجمالي الناتج المحلي… هل من خبراء دوليين لهم أن يؤكدوا هذا الحديث أو ينفوه؟

هناك على سبيل المثال البروفيسور «أوليفييه بلانشار» كبير خبراء الاقتصاد في الصندوق الذي أشار مؤخرا إلى أن النمو العالمي يمضي بدرجة متوسطة، وأن هناك خطر جمود التعافي في منطقة اليورو، وأن يزداد ضعف الطلب، وأن يتحول التضخم المنخفض إلى كساد.

ويضيف «بلانشار» هذه ليست، رؤيتنا الأساسية، لأننا نعتقد أن أسس منطقة اليورو تتحسن ببطء، ولكن هذا سيتحقق من خلال سيناريو أوربي داخلي مما يجعل العالم يواجه أزمة اقتصادية حقيقية.

كذلك رأينا صندوق النقد الدولي من جديد يحذر من وجود خطر ما أسماه «تصحيح الأسعار» في الأسواق المالية، في ظل تصور بأن أسعار بعض الأسهم يمكن أن «تكون متضخمة»، وقد ذكر «بلانشار» أن طول فترة أسعار الفائدة المنخفضة التي حددتها البنوك المركزية الكبرى في العالم يمكن أن تغذي مثل هذه الفقاعة الاستثمارية هل أوروبا هي السبب هذه المرة؟

الانفجار المتوقع في منطقة اليورو

منذ أيام اعتبر رئيس الوزراء البريطاني «دافيد كاميرون» وعبر مقال له في صحيفة الجارديان البريطانية، أن المؤشرات سلبية على جدول الاقتصاد العالمي، بعد ستة أعوام من الأزمة التي «دفعت إلى تركيع العالم»، مضيفا أن منطقة اليورو مهددة بالغرق في مرحلة «انكماش ثالثة»، بسبب وضع خطير من عدم الاستقرار والغموض.وتابع «كاميرون» المحافظ الذي ستكون ولايته على المحك، في الانتخابات العامة المرتقبة في مايو 2015، «المشاكل الكبرى للاقتصاد العالمي تطرح خطرا جديا على النهوض الاقتصادي في بريطانيا، وأنه لا يمكن أن نعزل أنفسنا بالكامل، لكن يتعين علينا أن نقوم بكل ما في وسعنا لحماية أنفسنا، من تباطؤ اقتصادي عالمي، في حين يسجل الاقتصاد البريطاني نتائج لا بأس بها.. هل من مصداقية لمخاوف دافيد كاميرون هذه؟
يقول «جاكوب ليو» وزير الخزانة الأمريكية، إنه لا يمكن للعالم تحمل العقد الضائع الأوربي، في إشارة إلى احتمالات تحقيق منطقة العملة الموحدة خسائر تؤدي بالقيمة التراكمية لاقتصادها خلال السنوات الماضية وهي التي كانت تتباهى بأنها المنطقة الناجية من أزمة 2008 المالية حيث جاءت البيانات الأوربية الأخيرة مثيرة للقلق، والمفاجأة أن تباطؤ النمو الأوروبي ناجم في المقام الأول عن أداء الدول الرئيسية في أوروبا، وليس أداء البلدان التي تأثرت بشدة من الأزمة الاقتصادية مثل اليونان، فقد نمت بشكل أسرع من أي بلد في المنطقة، كما تتماثل أسبانيا وأيرلندا للشفاء في الوقت الراهن.والشاهد أن الدول الكبرى في منطقة العملة الموحدة تعاني هذه الأيام من حالة إنهاك اقتصادي وفي مقدمتها ألمانيا التي حقق اقتصادها نمواً في الربع الثالث من العام الجاري بعد تقلصه من قبل بنفس المعدل في الأشهر الثلاثة السابقة… هل يعني هذا الحديث أن الولايات المتحدة لن تكون سببا للأزمة المالية في 2015، ثم ماذا عن أوضاعها الاقتصادية في العام الجديد 2015؟

نبوءة جيم ريكادز

في منتصف العام الجاري خرج علينا أحد رجالات الاستخبارات المركزية الأمريكية المتخصص في قضايا الاقتصاد على الصعيد الداخلي، بقراءة مثيرة للغاية مفادها أن أمريكا على أبواب انهيار اقتصادي…. كيف ذلك؟

مثيرة جدا أقوال «ريكادز» الذي يشير إلى أن الأمريكيين سوف يتذكرون تاريخ 14 مارس 2015، طوال العمر، وأن التاريخ سيسجل هذا اليوم، وما ستعقبه من أوقات صعبة غير معروف أمدها.. لماذا؟

لأن أمريكا بتقدير الرجل ستدخل أحلك فترة اقتصادية في تاريخها، والمرعب أكثر هو أن ريكادز وزملاءه يعتقدون بالأدلة التي تثبت أنه سيكون من المستحيل تجنب هذه النتيجة، ويضيف «الجميع يعرف أن لدينا مستوى خطيرا من الديون، والجميع يعرف بأن البنك الفيدرالي قد طبع بتهور تريليونات من الدولارات مؤكدا أن هذه لم تعد أسراراً بالنسبة لأحد، ولكن الجديد هو أن كل الدلائل تشير إلى أن الأمور قد اقتربت جدا من بلوغ منتهاها، وكانت واحدة من أهم الدلائل التي تستند إليها تصريحات مسؤول الوكالة هي ما يسمي ب، «مؤشر البؤس» هذا المؤشر تم إنشاؤه قبل عدة عقود كعلامة تحذير فريدة من نوعها لتحديد مدى اقتراب أمريكا من انهيار اجتماعي، حيث يعمل هذا المؤشر ببساطة من خلال إضافة معدل التضخم الحقيقي إلى معدل البطالة الحقيقية.

هل تلاعب الأمريكيون بهذا المؤشر للفرار من القدر المحموم الذي يطاردهم اقتصاديا؟

المعروف أن البنك الاحتياطي الفيديرالي قام مرارا على مر السنين بتغيير طريقة احتساب مؤشر البؤس، وهو ما يدفع «ريكاردز» للاعتقاد بأنه قد تم استخدام المؤشر علميا، للتستر على الحجم الحقيقي للمشكلة.والثابت أيضا أنه نادرا ما تستمع الحكومة الأمريكية اليوم، وهي تتحدث عن مؤشر البؤس للجمهور، والسبب هو أنها لا تريد للمواطنين الأمريكيين أن يعرفوا الحقيقة، والحقيقة هي أن مؤشر التعاسة والبؤس قد بلغ مستويات أكثر خطورة مما رأيناه قبل الكساد العظيم، وهذا أشارة على الانهيار القريب.

هل تحاول واشنطن الفرار من هذا المصير المؤلم الذي ينتظرها عبر رفع سعر الفائدة؟

لقد حذر صندوق النقد الدولي الولايات المتحدة من عواقب تصحيح الأسعار عبر رفح أسعار الفائدة، وما يمكن أن يتسبب فيه هذا الاتجاه من انهيار اقتصادي مالي عالمي جديد.وفي كل الأحوال فإن السيناريو المتوقع في الولايات المتحدة سوف يبدأ هذه المرة من سوق الأسهم الذي يرى «ريكاردز» أنه سوف ينهار بنسبة 70%، وهو الأمر الذي لن يشعر به أحد من الخارج، وسوف يصبح من الواضح أنه ليس حادثا مؤقتا، وإنما انهيار منهجي في الاقتصاد نفسه، وعند ذلك سوف يصبح الوضع خطرا جدا، ولن نستطيع انتشال أنفسنا منه على حد تعبير الخبير الأمريكي الاستخباري.

تباطؤ النمو الصيني

هل سيشكل التباطؤ في النمو الصيني أزمة حقيقية للاقتصاد العالمي؟ الشاهد أن الصين تشهد اليوم مزيد من الأزمات التي تدفعها إلى التراجع وإلى تحقيق معدلات نمو أقل من المتوقع لها، فالعديد من القطاعات الاقتصادية، أصيبت بالضعف، والحكومة الصينية لا تزال مصرة على عدم استخدام برنامج تحفيزي موسع، الأمر الذي قد يدفعها إلى تخفيض توقعات النمو.
أما عن الأسباب الرئيسية وراء الضعف الحالي في القطاعات الاقتصادية المختلفة، فتتمثل في أزمة قطاع البنوك، وقطاع العقارات في الصين، وهما القطاعان اللذان يصبان في باقي قطاعات الاقتصاد الصيني.

كما أن تراجع السيولة النقدية في الصين تدفع الشركات إلى تأجيل عمليات التوسع الرأسمالي والذي يؤثر بالطبع على الإنتاج الصناعي وعلى الاستثمارات في الأصول الثابت… هل يعني ذلك أن الاقتصاد الصيني على شفا الانهيار؟
في الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر الماضي أصدرت منظمة «كونفرس بورد»، وهي منظمة بحثية اقتصادية يجري تمويلها من تبرعات الشركات العالمية تقريرا زعمت فيه أن أسطورة الاقتصاد الصيني العملاق، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، على وشك أن تتبدد، فخلال السنوات المقبلة، من المرجح أن تواجه الصين أزمة مالية وسينمو الناتج المحلي الإجمالي الخاص بها بنسبة 4% فقط، أي ما يعادل نصف النسبة التي ظلت عليها لعقود.

ما الذي يواجهه الاقتصاد الصيني ويمثل تحديا حقيقا؟

يبدو أن هناك تحديين منفصلين، والمهمة الرئيسية الآن هي إبطاء الأمور دون التسبب في أزمة في الممتلكات أو في القطاع المصرفي، ولن يكون ذلك سهلا بعد فترة من نمو الدين بشكل أسرع من نمو الناتج المحلي الإجمالي، وحدوث قفزة في البناء في بعض المدن.ويتمثل التحدي الثاني في التحول من نموذج النمو الحالي إلى نموذج آخر بالانتقال من نمو يعتمد على موارد الدولة والاستثمار الكثيف في الصناعة وتوظيف ملايين العاملين من المناطق النائبة إلى نمو يعتمد على الابتكار وزيادة الإنتاجية وإنفاق المستهلكين ويظهر التقرير مدى اعتماد الصين على منح القروض، خاصة قروض البنوك للمطورين العقاريين والقطاعات الأخرى، ويشير التقرير إلى أن حجم الدين الحالي يماثل نظيره في الدول التي تعرضت لأزمات اقتصادية طاحنة، ورغم كل الإصلاحات الاقتصادية التي أجرتها الصين، تبقى المشكلة الرئيسية هي أن الدولة تسيطر على قطاعات كبيرة من الاقتصاد أغلبها في القطاع المالي.

وقد شهدت بيانات الإنتاج الصناعي خلال شهر نوفمبر الماضي تراجعا كبيرا بسبب القيود التي فرضتها الحكومة الصينية على الصناعات التي تلوث البيئة في العاصمة بكين، وخمس محافظات أخرى محيطة بها، يأتي هذا ضمن سعي الحكومة لتوفير بيئة نظيفة خلال فترة عقد منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي الذي أقيم في العاصمة بكين.. هل تحاول الحكومة الصينية بدورها الفرار من الأزمة المتوقعة عبر قرار خفض النمو المستهدف للاقتصاد الصيني؟
الشاهد أن مثل هذا القرار يخفف من العبء الواقع على الحكومة لتحقيق الهدف المنشود، ويفتح المجال أمام الحكومة الصينية لاتخاذ المزيد من التغييرات الهيكلية في العديد من القطاعات الاقتصادية، لتخطي أزمة ضعف النمو الحالية، والمعروف أن الحكومة الصينية ترفض حتى الآن فكرة اللجوء إلى برنامج تحفيزي ضخم يشمل جميع المجالات الاقتصادية وأنها على استعداد لتحمل تراجع نمو الاقتصاد الصيني، هذا العام إلى الأدنى له منذ عام 1990 كما هو متوقع.

معركة أسعار النفط

ماذا عن تأثير الانخفاض الملحوظ في أسعار النفط على أوضاع الاقتصاد العالمي؟ ربما تحمل الأخبار أبناء مزعجة في هذا الإطار، فقد قال «إيجور سيتشن» الرئيس التنفيذي لشركة روسنفت الروسية إن أسعار النفط قد تنزل دون 60 دولارا للبرميل بحلول منتصف عام 2015، وقد جاءت تصريحات «سيتشن» الذي يعتبر أقوى مسؤول نفطي روسي في اليوم الذي قررت فيه منظمة أوبك عقب اجتماعها في فيينا ترك سقف إنتاجها دون تغيير، وقال «سيتشن» رئيس أكبر شركة منتجة للنفط في روسيا في مقابلة مع صحيفة نمساوية أن إنتاج النفط الأمريكي سينخفض بعد عام 2025.

وقد قررت أوبك كما هو معروف عدم خفض الإنتاج لوقف تدهور أسعار النفط، وعقب القرار هوى سعر الخام القياسي العالمي برنت لمستوى منخفض جديد في أربع سنوات دون 73 دولارا للبرميل، وأعرب «سيتشن» عن اعتقاده بأن أسعار النفط قد تهبط إلى60 دولارا أو أقل بنهاية النصف الأول من العام القادم.. ماذا يعني هذا الحديث لكثير من الدول حول العالم واقتصادياتها في العام الجديد؟

بحسب مجلة «بنزنس انسايدر» فإنه بالنسبة لبعض الدول، تعد هذه الأنباء تهديدا وجوديا حقيقا، حيث إن كلا من فنزويلا، ونيجيريا، وروسيا، أحرقت بالفعل هذا العام المليارات من الدولارات، ضمن الجهود الرامية لمنع انهيار عملاتها، ودعم اقتصادياتها الضعيفة، وقد انخفضت الاحتياطيات الدولية الروسية بنسبة 90 بليون دولار منذ بداية العام، وهو المبلغ الذي تم إنفاق معظمه في أسواق الصرف الأجنبي في محاولة لدعم الروبل، وعلى الرغم من عقود من الالتزام بتنويع اقتصادها، لا يزال النفط يمثل 10% من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد، وحوالي 50% من إيرادات الموازنة العامة الاتحادية وتشير تقديرات مورجان ستانلي إلى أن كل سقوط بقيمة 10 دولارات في أسعار النفط، يعني حدوث سقوط بقيمة 32.4 مليار دولار في صادرات النفط والغاز الروسية، وهو ما يعادل نحو 1.6% من الناتج، وحوالي 19 مليار دولار في إيرادات الميزانية الحكومية.

وفي أماكن أخرى اعترفت نيجيريا أخيرا بهزيمتها في الدفاع عن عملتها، مع قيام البنك المركزي هناك بتخفيض قيمة «النايرا» بنسبة 8% ، وبالنسبة لفنزويلا، فإن الوضع ببساطة وخيم، حيث إنه ، وفقا لشركة النفط المملوكة للدولة، «بتلارولوسي دي فنزويلا، تخسر البلاد 700 مليون دولار مع كل انخفاض بقيمة دولار واحد في سعر برميل النفط، وهي تكلفة لا تستطيع هذه الدولة المريضة اقتصاديا تحملها.

وأما العراق وإيران فهما عرضة لتأثيرات الانخفاضات الحادة في الأسعار، حيث إن الإنتاج في العراق في خطر بسبب تهديد استيلاء المسلمين من «داعش» على أراضٍ إضافية، بما في ذلك البنية الأساسية النفطية.
هل ما يجري خدعة؟

وفي ظل حالة الترقب والخوف من أن يكون 2015 عام الانهيار المالي غير المسبوق يتراءى للناظر علامة استفهام مثيرة للغاية تتصل بأسعار النفط وهل هي في صالح الاقتصاد الأمريكي بشكل خاص ما يجعل البعض يعتقد جازفا بأن هناك تلاعبا أمريكيا مقصودا بأسواق النفط العالمي. تاريخيا كانت آثار انخفاض أسعار النفط عموما جانبية بالنسبة للاقتصادات الغربية، وعليه فحسب ما يقوله الخبير الاقتصادي السياسي «ويل هوتون»، فإن أوروبا ستكون هي المستفيد المباشر المحتمل، في حال انقلب ميزان القوى مع روسيا، كما أن هذا الانخفاض في الأسعار قد يوجد عدم استقرار داخلي بالنسبة لبوتين، ويحد كذلك من قدرة موسكو على خوض حرب في أوكرانيا.

ما تقدم يستدعي علامة استفهام : هل الاقتصاد العالمي الأضعف يخدم مصلحة أمريكا؟

تقول الأيكونوميست البريطانية أن هناك ربيعا في أمريكا هذه الأيام، حيث إن التوقعات التي صدرت في الأول من ديسمبر الجاري، حددت نسبة النمو الاقتصادي السنوي في الربع الثالث بـ 3.9% وذلك بعد أن بلغ متوسط هذه النسبة أكثر من 4% من الربعين السابقين. وأما سوق الأسهم فهي مستمرة بضرب مستويات قياسية جديدة، كان آخرها في 26 نوفمبر، ونمو الوظائف هو في تسارع أيضا.وتبدو هذه المؤشرات الاقتصادية مهمة ففي الوقت الذي تعاني فيه اقتصادات بقية دول العالم، حيث انزلق اليابان إلى الركود، وأوربا توشك على الانكماش، وخفضت الصين أسعار الفائدة. وتؤدي السياسة النقدية الأكثر مرونة في أوروبا والصين واليابان إلى خفض أسعار الفائدة في جميع تلك الأماكن، وقد أدى هذا التدهور بعملات هذه الدول إلى الأسفل، في حين ارتفع الدولار بحوالي 6% منذ يوليو على حساب الصادرات الأمريكية.

وعلى المدى الطويل، سوف تستفيد أمريكا إذا ما استطاعت الاقتصادات الكبري الأخري درء وقوع الكارثة، إلا أنه وفي غضون ذلك، ساعدت أسعار الفائدة المنخفضة في جميع أنحاء العالم في كبح جماح تكاليف الاقتراض في أمريكا، وهو ما يساهم في دعم الإسكان.

وأدى انخفاض الطلب العالمي أيضا إلى تخفيض أسعار النفط، في الوقت الذي كان فيه العرض من قبل أمريكا ومنظمة الأوبك أقوى من الطلب، وأن ارتفاع الإنتاج المحلي وانخفاض واردات النفط الرخيص لا تزال عمليا جيدة للاقتصاد الأمريكي.
ويقول تبروس ككاسمان«من جي بي مورغان تشيس» إنه، وفي غضون الـ 25 عاما الماضية، لم يشهد العالم ارتفاعا في سعر الدولار متوافقا مع انخفاض في سعر النفط مثلما حدث هذا العام سوى ثلاث مرات هي في عامي 2001 و 2008، عندما كان العالم يدخل في الركود وفي 1997 ـ 1998 خلال الأزمة المالية الآسيوية.

وقد أعقب هذا الحدث الأخير «الأزمة المالية الآسيوية» طفرة في الاستهلاك داخل أمريكا، والاستهلاك العالمي على حد تعبير «كاسمان» كان مرتبط عكسيا بمعدل التضخم في السنوات الأخيرة، وهذه المرة لن تكون مختلفة، التضخم الأقل في أمريكا، كما يعتقد المحلل الاقتصادي، سيعزز القوة الشرائية بنسبة 2% كمعدل ستنوي خلال الأرباع الحالية والمقبلة.

الاقتصادات العربية إلى أين ؟

يحتاج هذا السؤال إلى ورقة بحثية كاملة قادمة للإجابة عليه، لكن وفي اختصار غير مخل يمكننا القول أن الاقتصادات العربية عامة والخليجية خاصة هي جزء من حركة الاقتصاد العالمي، وأنها تتأثر بأحوال الاقتصاد العالمي، في هذا الصدد يقول «مسعود أحمد» مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، أن دول الخليج جزء من الاقتصاد العالمي وغالبية عملاتها مرتبة بالدولار، ما يعني أن عليهم متابعة الاقتصاد الأمريكي، عند تحرير سياستهم المالية، بخصوص أي زيادة لمعدلات الفائدة ستنعكس في البداية على الاقتصاد العالمي، فإما تؤدي لتباطؤ نمو الاقتصاد أو تكشف عن قوته، وبالتالي ستنظر هذه الدول في اقتصاداتها بشكل منفصل من دون أن يعني ذلك زيادة تلقائية بمعدل الفائدة.وقد خفض صندوق النقد الدولي بدوره توقعاته للنمو عام 2015 بالنسبة لمعظم الدول العربية، وذلك بسبب الانعكاسات المتوقعة للنزاعات الدائرة باستثناء دول الخليج النفطية التي يزداد اقتصادها ازدهاراً.

وفي أحدث تقرير حول الاقتصاد العالمي الصادر في الأول من أكتوبر الماضي أوضح الصندوق أن إجمالي الناتج الداخلي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لن يزيد عن 2.6% هذا العام في حين كان توقع في تقريره الصادر في إبريل الماضي أن تصل هذه النسبة إلى3.2% وفي كل الأحوال فإن السؤال الذي يستحق قراءة تالية ما الذي يتوجب على دول العالم العربي فعله من أجل مجابهة مخاطر الأزمة المالية القادمة حال حدوثها بالفعل؟