تاريخ القراءة: أطروحة في شغف القراءة
July 15, 2014


محمد عمر

يقدم لنا الكاتب الأرجنتيني آلبرتو مانغويل في كتابه “تاريخ القراءة” دراسة حقيقية حول مراحل القراءة والقرّاء منذ الكتابة على الألواح السومرية، قبل أكثر من ستة الآف عام، إلى يومنا هذا حيث ضغط الكتب في الأقراص المدمجة.

ماذا يعني أن تكون قارئاً؟ ممَ يتكون فعل القراءة الغامض؟ “تاريخ القراءة” يحاول الإجابة عن هذين السؤالين، فيأخذنا في سياحة فكرية ممتعة، رحلة حقيقية عبر التاريخ الإنساني، ليكشف لنا “فعل القراءة”، و”سلطان القارئ”.

غلاف الطبعة الثالثة من الكتاب

القراءة فعل تحرر، مفتاح الحرية، الفردية والعامة، أو هي إحدى أهم المفاتيح. هي طريقنا إلى فهم أعمق وأوضح للعالم، طريق لتحقيق الذات. هي فوق كل ذلك، الفعل الذي يزودنا بالرؤية النقدية ويرفعنا فوق مستوى القطيع الراكد.

“تاريخ القراءة” ليس كتابًا، بل هو أقرب إلى الأطروحة، مدهش ومعقد في آن واحد. يتكون من أربعة أجزاء، كل جزء يكمل الآخر. ومع ذلك فإن كل جزء يشكل أطروحة مستقلة لوحده، فليس مهما أن تقرأ الاجزاء جميعها بنفس الترتيب الوارد في الكتاب لتفهم وتستمتع بالبقية.

في الجزء الأول المكون من فصل واحد ويحمل نفس عنوان الجزء الاخير، “الصفحة الأخيرة”، يصحبنا الكاتب في رحلته الشخصية مع القراءة، منذ اكتشافه لها في سن الرابعة، مرورًا بعمله قارئًا للكاتب الأرجنتيني العبقري، الكفيف، خورخي بورخيس، إلى قراءاته المستقلة؛ موضحًا تجاربه هذه ومسلطًا الضوء على الكثير من المفاهيم المتعلقة بالقراءة: “سرعان ما أدركت أن القراءة كانت فعلًا تراكميًا يحدث بصورة هندسية: كل قراءة كانت تتراكم على القراءات السابقة”، ص 32.

يشرح مانغويل ويعاين قيمة القراءة كفعل بالغ الأهمية، ويعكس بعمق العلاقة الغامضة تقريبًا بين القارئ والكتاب. من يقرأ لا يشعر بالعزلة أبدًا :”أعطتني القراءة عذرًا مقبولا لعزلتي، بل ربما أعطت مغزى لتلك العزلة المفروضة علي”. القراءة هي طريق الروح لتذهب عميقًا في الحياة. وهي مرعبة للسلطات، أي سلطة كانت :”إن النظم الشمولية ليست الوحيدة التي تخشى القراءة. بل وحتى ساحات المدارس، وفي خزائن الملابس، وفي دوائر الدولة والسجون تجري مراقبة جمهرة القراء بعين الارتياب، نظرًا لما يشعر المرء به من سلطان القراءة وقوتها الكامنة”، ص34.

“القراءة ضرورية للحياة مثل التنفس”. قد نتمكن من العيش بدون كتابة، لكن ليس من دون قراءة.

في الجزء الثاني المعنون “فعل القراءة”، يحاول بشكل موسع معالجة الآليات اللغوية، والنفس-لسانية، والإدراكية التي تدخل في لعبة فعل القراءة. لذلك فهو يعالج قراءة الظلال، والقراءة بصوت مسموع أو القراءة الصامتة، كذلك الذاكرة والتخيل، وقراءة الصورة التي شكلت قفزة في نهر المعرفة، إذ لم تعد القراءة مقصورة على النخبة، فالفقراء صار بإمكانهم المعرفة من خلال قراءة الصور.

من يقرأ لا يشعر بالعزلة أبدًا (…) القراءة هي طريق الروح لتذهب عميقًا في الحياة. وهي مرعبة للسلطات، أي سلطة كانت.

في الجزء الثالث يعالج الكاتب العلاقة المعقدة بين القارئ والكتاب، تحت عنوان “سلطان القارئ”. وبسرد مفعم بالشغف يبدأ من تحليل أصل الكتابة، وبالطبع القراءة، فكل الاحتمالات تشير إلى أنهما بدآ سوية، ربما في أواسط الألفية الرابعة قبل الميلاد في بلاد الرافدين. وقد بدأت الكتابة، مثل القراءة، لدوافع اقتصادية، فقد أراد الناس معرفة عدد مواشيهم وملكياتهم وتداولها، وظلتا إلى الآن مرتبطتين بالدوافع الاقتصادية. ويقول الكاتب: “بيد أن الكتابة ليست الاكتشاف الوحيد الذي له علاقة بهذا الفعل: في الوقت نفسه تطور فعل آخر. فنظرًا لأن الغرض من فعل الكتابة كان المحافظة على نص من الضياع -أي قراءته- جرت مع اكتشاف الكتابة عملية خلق القارئ”، ص 207.

والكتابة لم تنشأ لدوافع اقتصادية وحسب، بل أيضا خلقت واقعًا طبقيًا اقتصاديًا جديًدا، خلقت طبقة جديدة: “جميع كتاب بلاد الرافدين بأيديهم الكثير والكثير من أدوات القوة مما جعلهم يرتقون السلم الاجتماعي ليصبحوا نخبة أرستقراطية”، ص 208.

في هذا الجزء أيضًا سنقرأ فصولًا شيقة منها تنظيم الكون، قراءة المستقبل، القارئ الرمزي، سرقة الكتب، الولع بالقراءة، وفصل القراءة الممنوعة، وهو أكثر فصل يربط بين القراءة والتحرر والحرية وهلع السلطات من القراءة.

معالجًا التعقيدات التي كان يواجهها العبيد في القراءة، يقول مانغويل: “لم يكن تعلم القراءة بالنسبة إلى الرقيق المفتاح المباشر لنيل الحرية، إنما أحد الطرق للحصول على مداخل أحد أهم أدوات القوة التي كان يستخدمها مستعبدوهم- إلى الكتاب (…) إذ أن أصحاب الرقيق كانوا يخشون (مثل جميع الحكام الديكتاتوريين والطغاة، والملوك المستبدين وغيرهم من الحكام غير الشرعيين) إلى حد كبير قوة الكلمة المكتوبة لأنهم يعرفون تمامًا أن القراءة قوة، ومن يتعلم قراءة بضع كلمات فقط يستطيع آجلًا أم عاجلًا تعلم كل الكلمات، والأسوأ من كل ذلك، التفكير بهذه الكلمات، وفي نهاية المطاف تحويل أفكاره إلى أفعال”، ص 309.

إشارة: في هذا الفصل يرد ذكر العبد المسترق سولومون نورثب، الذي شاهدنا عنه العام الماضي فيلم “12 عامًا عبًدا”، إذ كانت القراءة طريقه للتحرر من نير العبودية، والفيلم مقتبس من مذكراته التي تحمل نفس عنوان الفيلم.

يخصص الكاتب صفحات كثيرة لما يطلق عليه “اختراع القارئ”، وفي الترجمة العربية “اكتشاف القارئ”، وهي أقرب إلى اختراع بالنسبة لي، أي دفع القارئ إلى القراءة والمشاركة في النص. وكل نص يتطلب قارئًا، بل ومشاركًا. يقول مانغويل: “فعندما يبدأ سرفانتس مقدمته لكتاب دون كيخوته بعابرة “القارئ الخامل” يجعلني بهذا، أنا قارئه، جزءًا من اكتشافه، أو اختراعه بحسب فهمي للنص، أي شخصًا له وقت كثير يخصصه لقراءة كتاب”، ص 340.

“من يتعلم قراءة بضع كلمات فقط يستطيع آجلًا أم عاجلًا تعلم كل الكلمات، والأسوأ من كل ذلك، التفكير بهذه الكلمات، وفي نهاية المطاف تحويل أفكاره إلى أفعال”

في الجزء الأخير من الكتاب، “الصفحة الأخيرة”، نشعر وكأننا أمام أسلوب معلم الكاتب ومواطنه خورخي بورخيس، إذ يضعنا في وهم أو خداع عن كتاب “تاريخ القراءة”، الكتاب الوحيد الذي لم يقرأه الكاتب، بعد أن كتبه، رغم شغفه به. هل هو نفس الكتاب الذي بين أيدينا؟ ربما. في هذا الفصل يعالج الكاتب تاريخ القراءة كما لو كان يقدم ملخصًا أو إحاطة شاملة لكتابه.

من هو خير حافظ للكتاب، الكاتب أم القارئ؟ من هم حراس الكتب فعلا؟ يقول: “فالكتاب الموجود أمامي ليس تاريخ القراءة، إنما تاريخ القراء العاديين أيضًا، أي أولئك الذين أظهروا على مر العصور شغفهم بهذه الكتب أو بتلك (…) أولئك الذين انتشلوا الكتب من طي النسيان”، ص 336.

في النهاية فإن حارس الكتب وحافظها هو القارئ. وتاريخ الكتابة كتاب لا ينتهي، كـ”كتاب الرمل”، الذي تخيله بورخيس، لا مبتدأ له ولا نهاية، وحرقه قد يخنق العالم بدخانه.

إن أفضل ما في كتاب البرتو مانغويل، ليس مئات بل آلاف الكتب التي عالجها واستخدمها، وليس أسلوب الكاتب الشيق والمعقد في آن، إنما قد يكون في خلاصاته الضرورية: قيمة القراءة، الطريق نحو المعرفة.

أخيرًا، نكتب هنا عن كتاب غير مسبوق في تاريخ التأليف، كتاب ضروري ومهم لكل قارئ وباحث، ولكل مهتم في معرفة علاقة القارئ بالكتاب.

“تاريخ القراءة” هو أطروحة في شغف القراءة.

*عن المؤلف: آلبرتو مانغويل، ولد في العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيريس، عام 1948، وهو كاتب، وناقد أدبي، ومحرر لعدة صحف، ومترجم، وروائي له عدة روايات منها: “ستفنسون تحت شجر النخيل” و”بوابة مارفيل”.

*عن الكتاب: صدر الكتاب عام 1996، وترجمه إلى العربية سامي شمعون، صدرت أول طبعة عربية عن دار الساقي عام 2001، والرابعة عام 2013.


رابط التحميل
تاريخ القراءة - ألبرتو مانغويل