تحميل الكتاب

http://www.4shared.com/get/dpZSI5ey/___online.html

نبذة عن المؤلف

فراس السواح (1941 )
مفكر سوري ولد في مدينة حمص/سورية يبحث في الميثولوجيا وتاريخ الأديان كمدخل لفهم البعد الروحي عند الإنسان...
ولد عام 1941 م في حمص وفيها درس ونال الشهادة الثانوية
انتقل بعدها للدراسة في دمشق ونال شهادة البكالوريوس في الاقتصاد عام 1965 م من جامعة دمشق
استهوته الميثولوجيا وتاريخ الأديان باكرا فكتب في الصحف والمجلات منذ عام 1958م
نشر ابحاثه الاولى في مجلة الآداب اللبنانية عام 1960م
عمل في مركز تطوير الادارة التابع لمنظمة العمل الدولية في دمشق بين عامي 1969- 1978م
اصدر كتابه التأسيسي مغامرة العقل الأولى عام 1976 م
عمل في شركة نفط في أبو ظبي بين عامي 1979-1986م
اصدر عام 1985م كتابه الشهير لغز عشتار
تفرغ لدراسة التاريخ والميثولوجيا وتاريخ الأديان بشكل مستقل
ساهم بكتابين باللغة الإنكليزية صدرا في بريطانيا اولهما
اورشليم بين التوراة والتاريخ حرره الباحث الأمريكي في جامعة كوبنهاكن توماس تامسون
جدليات تاريخ إسرائيل القديمة وبناء الدولة في فسطين حرره الباحث الإنكليزي ويبكن
اصدر في بكين بالتعاون مع الباحث الدكتور تشاو كو كتاب بالصينية والعربية عن الحكيم الصيني لاو تسو
يعمل حاليا في تاريخ اديان الشرق الأوسط بجامعة بكين للدراسات الاجنبية



مَن يكشف لغز عشتار؟

بقلم حسب الله يحيى
منقول


مَن تكون عشتار؟ – هذه الإلهة–الأم الأكَدية، وريثة إنانا السومرية. مَن تكون هذه المرأة التي وُصِفَتْ بأنها إلهة الخصب والنماء؟ حسن النجفي يصفها بأنها:

الإلهة التي عُرِفَتْ عند الأقوام السامية باسم عشتار وعشتروت. أما الإغريق فقد أطلقوا عليها اسمَ أفروديت والرومان اسمَ فينوس. ومن المعروف أن عبادتها كانت سائدة في جميع حواضر العراق القديم؛ وقد اختصت بالحب والحرب. وأطلق البابليون اسمَها على أشهر بوابة في بابل: "بوابة عشتار". وعشتار هي ابنة إلهة القمر سن وحبيبة تموز.[1]

أما لطفي الخوري فقد ذكر أن

عشتار ابنة أنو استنادًا إلى بعض النصوص، وابنة سن استنادًا إلى نصوص أخرى. وكانت تسمِّي نفسَها "إلهة الصباح وإلهة المساء". وهي من أكثر الشخصيات شهرةً في المجمع الإلهي الآشوري/البابلي. [...] وهي التشخيص الإلهي لكوكب الزهرة. وبينما جعل الآشوريون والبابليون عشتار إلهةً، جعلَها العربُ إلهًا باسم عثتر.[2]

ويشير د. فاضل عبد الواحد علي:

اقترن اسمُ الإلهة إنانا [عشتار] بمدينة الوركاء، بوصفها مركزًا دينيًّا لعبادتها. [...] من القضايا الأساسية في الفكر الديني عند السومريين أنهم اعتبروا مظاهر وفنون الحضارة من صنع الإلهة [...].[3]

أما عشتار، فتتحدث عن نفسها (بلسان أحد الغنوصيين، نقلاً عن كتاب: جيمس م. روبنسون، مكتبة نجع حمادي) قائلةً:

أنا الأول، وأنا الآخر/ أنا البغي، وأنا القديسة/ أنا الزوجة، وأنا العذراء/ أنا الأم، وأنا الابنة/ أنا العاقر، وكُثُرٌ هم أبنائي/ أنا في عرس كبير ولم أتخذ بعلاً/ أنا القابلةُ ولم أنجب أحدًا/ وأنا سلوى أتعاب حَملي/ أنا العروس وأنا العريس/ وزوجي مَن أنجبني/ أنا أم أبي، وأخت زوجي/ وهو نسلي.[4]



من هنا كان عنوان كتاب فراس السواح لغز عشتار مناسبًا للدلالة على "لغز" هذه الإلهة المثيرة للجدل عبر الأزمنة كلِّها.

وفراس السواح، فيما هو يتصدى لإماطة اللثام عن هذا اللغز، يؤكد في فاتحة كتابه "وحدة التجربة الروحية للإنسان عبر الزمان واختلاف المكان"، مؤكدًا ما ذهب إليه الشيخ محيي الدين بن عربي في كتابه فصوص الحكم من أن "عبادة الآلهة المتعددة ليست في جوهرها إلا عبادة الإله الواحد" (ص 10)، مشيرًا إلى قوله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه" (سورة الإسراء 23).

إلا أن المؤلِّف لم يعمد إلى المقارنة بين الأديان للبرهان على التقائها جميعًا عند التوحيد. (والسؤال المحيِّر هنا هو: لماذا كانت هناك أديان عديدة أصلاً إذا كان هدفها جميعًا هو التوحيد؟!) غير أن فراس السواح يعدُّ أن الأسطورة الأولى التي ظهرت بظهور الزراعة تشير إلى نشوء ديانة مركزية واحدة في العصر النيوليثي (العصر الحجري الحديث) (ص 23-28).

الاسم البابلي لأول إلهة هو "عشتار"، أي "عيش الأرض". ويكمن "لغزها" في كونها

[...] ربَّة الحياة وخصب الطبيعة، وهي الهلاك والدمار وربَّة الحرب. في الليل عاشقة، وفي النهار مقاتلة ترعى المواقع وتغشى المذابح. هي الأم الرؤوم الحانية [...]، وهي البوابة المظلمة الفاغرة لالتهام جثث البشر. هي ربَّة الجنس وسرير اللذة، وهي مَن يسلب الرجالَ ذكورتَهم [...]. هي القمر المنير، وهي كوكب الزهرة. هي النور، ورمزُها الشعلة الأبدية، وهي العتم والظلمة وما يخفى. هي القاتلة، وهي الشافية. هي العذراء الأبدية، وهي الأم المنجبة. هي البتول، وهي البغي المقدسة. هي ربة الحكمة، وهي سيدة الجنون. هي الإشراق بالعرفان، وهي غيبوبةُ الحواس وسباتُها. التقتْ عندها المتناقضاتُ وتصالحتِ المتنافرات. (ص 28)

من هنا كان لغز عشتار: الأسطورة الأولى، الديانة الأولى، الطقوس الأولى. عشتار، إذن، هي "سيدة الأسرار". تقول عن نفسها بلسان الأمِّ المصرية الكبرى: "أنا ما كان، وما هو كائن، وما سيكون" (ص 29). فهي، كما يقول النفَّري، صاحب المواقف والمخاطبات:

أمر كان، وأمر يكون، وأمر لا يكون أبدًا. فأمر كان: محبتي لك، وأمر يكون: تراني، وأمر لا يكون: لا تعرفني معرفة أبدًا. (ص 417)

فهل سيصاب مؤلِّف هذا الكتاب بما أصيب به

[...] الشاب الذي أزاح البرقعَ عن تمثال لإيزيس في أحد هياكلها، فأصابه الخبالُ لِمَا رأى وانعقد لسانُه بقية حياته [...] (ص 29)؟

أم سيُكتَب له مصيرُ الصياد الشاب الوسيم

[...] أكتيون الذي اقتحم على أرتميس وهي تستحم عاريةً في مياه البحيرة العالية عند منبع النهر، فمسختْه الإلهة أيِّلاً طاردتْه كلابُها فمزَّقته إربًا إربًا. (ص 29)؟

يقول فراس السواح، محللاً أشواط تطور المجتمعات البشرية الأولى:

إن التجمع الإنساني الأول لم يؤسَّس بقيادة الرجل المحارب الصياد، بل تبلور تلقائيًّا حول الأمِّ التي شدَّتْ عواطفُها وحدبُها ورعايتُها الأبناءَ حولها في أول وحدة إنسانية متكاتفة هي العائلة الأمومية، خلية المجتمع الأمومي الأكبر. (ص 31-32)

ونتبيَّن، استنادًا إلى ج.ج. باخوفن (في كتابه الأسطورة والدين وحق الأم) الذي يأخذ السواح برأيه، أن هذا المجتمع الأول كان قائمًا على "المبدأ الأمومي" الذي هو

[...] مشاعة وعدالة ومساواة، [بينما] المبدأ الأبوي تملُّك وتسلُّط وتمييز. الأمومية توحُّد مع الطبيعة وخضوعٌ لقوانينها، والأبوية خروجٌ عن مسارها وخضوعٌ لقوانين مصنوعة. (ص 32)

غير أننا لا نعرف صانع هذه القوانين: أهو المرأة، أم الرجل، أم كلاهما؟ حيث إننا هنا أمام تعاطُف غير عادل وإلزام غير منصف. فكأن هذه القوانين قد أُعِدَّتْ لصالح جنس دون الآخر أو لهدف محدد دون سواه! فالعلاقات الجنسية في المجتمع الأمومي الأول كانت مشاعية، حرة تمامًا من أية ضوابط، حيث "كل امرأة لكلِّ رجل، وكل رجل لكلِّ امرأة" (ص 35)؛ بينما نظام العائلة اللاحق يعتمد رابطة الدم. أما النظام الوراثي، في المرحلة الأخيرة السابقة لظهور المدن الأولى، فقد قضى على "حق الأم" وأحلَّ محلَّه "حق الأب" (ص 36).

وإذا تنبَّهنا إلى عشتار القدوسة، "الأم الكبرى"، فإننا سنتبين أن تماثيلها كانت

[...] أول عمل فنيٍّ تشكيليٍّ صاغَه الإنسانُ على شاكلته. [...] لم تكن تلك الأعمال الفنية نتاج ولع فنيٍّ جمالي بمقدار ما كانت نتاج حسٍّ ديني وخبرة أولى مع العنصر الإلهي. (ص 41)



تمثال لآرتميس، إلهة الطبيعة والبرية والصيد عند الإغريق، بوصفها "الأم الكبرى" المعبودة في هيكل إفسُس (آسيا الصغرى): "آرتميس هنا لا تبدو كإلهة للطبيعة البكر، بل كأمٍّ زراعية كبرى، تمثلها تماثيل إفسُس على هيئة ممتلئة وقد تزاحمتْ في صدرها عشراتُ الأثداء [...]." (فراس السواح، لغز عشتار، ص 58)

وفي "عشتار القمر" يقول السواح:

مثلما وَجَدَ الإنسانُ القديم في الأرض تجسيدًا للأم الكبرى، كذلك وَجَدَه في القمر. الاثنان يشفَّان عن حقيقة واحدة وينتميان لمبدأ واحد. وفي كلِّ مكان نعثر على ثنائية الأرض والقمر وعلى الاعتقاد بصلتهما الخفية. (ص 61)

ويوضح المؤلِّف مسألةَ الاهتمام بالقمر والشمس بقوله:

عظَّم الإنسانُ الشمس، ولكنه لم يجد فيها ندًّا للقمر؛ لم تُثِرْ في نفسه من العجب والتساؤل ما أثاره القمر. الشمس تشرق كلَّ يوم من نفس المكان وتغرب في مكان محدد آخر، في حركة رتيبة منتظمة؛ أما القمر فـ"كل يوم هو في شان". [...] (ص 63-64)

وقد لُقِّبَتْ عشتار بـ"ملكة السماء" لعلاقتها بالقمر وتغيُّر طباعها بتغيُّر أطواره، وكذلك بـ"البقرة السماوية" لارتباط رسم الهلال بقرن البقر:

منذ أن رأى الإنسانُ في القمر تجسيدًا لعشتار، ربط في ذهنه رمزيًّا بين قرون البقر وقرنَي الهلال، وصوَّر في خياله الأمَّ الكبرى على هيئة بقرة سماوية يرسم قرناها هلالاً في السماء. (ص 70)

ويرى السواح أن

[...] الاعتقاد بأنوثة القمر وتمثيله للأمِّ الكبرى قد ساد الحضارات القديمة، وبقيت آثارُه في الأقوام البدائية في عالمنا الحديث. [...] فإن معظم الثقافات البدائية تنظر إلى القمر باعتباره أنثى وتعتقد بتجسيده لإلهة أنثى. (ص 74)

من ناحية أخرى، يربط المؤلِّف بين حياة المرأة الفسيولوجية والپسيكولوجية وبين طبيعة القمر وإيقاعه المتغير، نظرًا لارتباط ذلك بالدورة الشهرية للمرأة التي تقابلها دورةُ القمر: يبدأ هلالاً في أول الشهر ليتلاشى في آخره، بعد أن يمرَّ في منتصف الشهر بمرحلة البدر. هذا ويحكم إيقاعُ القمر حياةَ المرأة، حتى إن الكثير من اللغات البدائية استخدم مصطلحَ "المرض القمري" للدلالة على الحيض (ص 76)، بينما نجد الرجل يحكم حياتَه إيقاعُ الشمس. فالقمر، بهذه المثابة، هو

[...] الأنثى المتقلِّبة المزاج، الغامضة الأطوار، التي تستلهم في سلوكها خصائصَها الطبيعية، لا قوانين التنظيمات الاجتماعية المُحكمة. (ص 77)

وفي هذا تشبه المرأةُ القمرَ المتبدل دائمًا. أما الشمس فهي

[...] الذكر، واضع القوانين وعبدها، يصوغ الغاياتِ والأهدافَ المتعالية على نظام الطبيعة، ولا يخلص من ربقتها طوال حياته. الرجل نظام المجتمع، ينظر دائمًا نحو الأعلى، راغبًا في مزيد من الإنجاز وتحقيق عظائم الأمور [...]. (ص 77)

وفي هذا الصدد، ينقل السواح عن البابليين كونهم

[...] يمثلون شهور السنة القمرية بأبراج السماء الإثني عشر التي أسموها منازل القمر، كما أطلقوا اسم زنار السيدة عشتار على دائرة الأبراج التي يقطعها القمرُ في أثناء عبوره في السماء. [...] (ص 93)

ضمن هذا الاهتمام بلغز عشتار، كان اسمُها يُطلَق على كوكب الزهرة: الكنعانيون سمَّوْها عستارت، والإغريق أطلقوا عليها اسم أفروديتي، والرومان فينوس، إلخ. ويشير المؤلِّف، في آخر حديثه عن "سيدة الشعلة"، إلى أن

[...] تمثال الحرية العملاق المنتصب أمام نيويورك في عرض البحر [استلهم صانعُه] عشتار، سيدة الشعلة المقدسة، مؤكدةً وجودَها في قلب أعتى ثقافة ذكرية بطريركية عبر التاريخ. (ص 135)

وهذا يعني أن عشتار لا جذر لها في نيويورك، وإنما اتُّخذَتْ رمزًا في بلدان عديدة. حتى إنها "تبدو [...] في كلِّ الثقافات مصحوبةً بالأفعى في كثير من الأعمال التشكيلية التي تصوِّرها" (ص 137). وإذا ما علمنا أن "الحية" تعني الحياة، وأن الحية هي حواء، أم البشرية، وأنها "حية" لا تموت، بل تغيِّر جلدَها كلَّ موسم، أدركنا أن عشتار حاضرة في هذا الرمز الحي كذلك، انطلاقًا من أن الحية عارفةٌ بأسرار النباتات وخصائصها، حتى أصبحت رمزًا للطبِّ والصيدلة والشفاء (ص 156).

ويرى المؤلِّف، في معرض تحليله لعلاقة عشتار بالموت، أن

الحرب [ليست] إلا اندفاعًا لاشعوريًّا نحو الموت وتلبيةً لنداء داخلي بإيقاف الحياة، نداء يصدر عن عشتار السوداء التي رفَعَهَا الإنسانُ إلهةً للحرب وأسقط عليها ميولَه التدميرية الكامنة. (ص 234-235)

إلى جانب ذلك، نتبيَّن أن

الشمس [تدعو] إلى التفكير المنطقي الصاحي، أما القمر فهو سيد الإلهام الذي يهبط دونما تصميم أو تدبير. لذلك يتلمَّس الرجلُ طريقَه للمعرفة بالتأمل العقلي المنطقي، أما المرأة فتتلمس طريق الإحساس الباطني والغريزة والكشف القلبي. طريقان لفعالية العقل، أطلق عليهما التصوفُ الإسلامي اسم المعرفة للأول والعرفان للثاني. (ص 242)

من هنا فإن عشتار هي

[...] "سيدة الرؤى"، وهو لقب عُرِفَتْ به كلٌّ من سيبيل وآرتميس–هيقات، الإلهة المرعبة السوداء وسيدة الظلام وواهبة الحكمة للبشر. [...] وعند الإغريق هي صوفيا؛ ومنها جاءت كلمةُ فيلو–صوفيا، أي "حب الحكمة"، التي أُطلِقَتْ على الفلسفة [...]. (ص 243)

في حين تظهر علاقة الحكمة بعالم الليل والظلام في أسطورة الشيخ الأعمى تيريسياس،

[...] حكيم الإغريق المشهور، الذي لم تَخِبْ له نبوةٌ قط، والذي تنبأ لأوديپ الملك بمصيره الفاجع [...]. (ص 244)

زبدة القول إن عشتار هي "سيدة الحكمة الليلية الخافية"، و"سيدة الإلهام" الذي ينير نفوس الشعراء، فكانت راعية الفنون والآداب، بينما تصدر عن الحكمة الشمسية العلومُ (ص 249)؛ إذ إن ضوء العقل يكمن في الشمس، بينما تكمن العواطفُ والمواهبُ والمسرَّات في القمر.

كتاب الأستاذ فراس السواح يغوص عميقًا في تناوُل أقدم الأساطير التي عرفتْها البشرية وقدَّستْها وتواصلتْ معها. غير أنه، إلى جانب بحثه المستفيض في استقصائه "لغز عشتار"، يتناول جوانب من القصص الديني اليهودي والمسيحي والإسلامي، مثل قصص يوسف الصديق، الخضر، النبي إبراهيم، السيد المسيح، والعذراء مريم؛ فضلاً عن تناوُله الأديان الموغلة في القدم، وكيف صنع الإنسان لنفسه فيها آلهةً يعبدها ويمتثل لأوامرها ويخشاها ويتوسل إليها – مع أنه هو نفسه مَن أوجد المخيِّلة التي سعت إلى اكتشافها. ومن هذه الآلهة: عشتار وتموز؛ فكانت الأولى رمزًا يتمثله في القمر، والثاني في الشمس، فيهتدي به.

وكانت أمام فراس السواح مهمة أن يحلِّل أسباب توجُّه الإنسان، منذ حياته الأولى على وجه الأرض، نحو الآلهة، لمعرفة إنْ كانت تمثل في نظره السلطة الخفية التي يحتاج إلى رعايتها ويمنِّي نفسَه بما تمنحه وتغدق عليه من عطايا؛ لكنه لم يتصدَّ لها في كتابه هذا. إن وجود سلسلة من الكتب التي تدرس الديانات القديمة، من بينها كتب فراس السواح، بوصفها كتب تعريف بكتب قديمة ومراجعة لها وتذكير بها ومحاولة إسباغ معلومات جديدة عليها، لا يكفي المتلقي في هذا العصر الذي بات ينشد الأبعاد المعمَّقة للأشياء، جذرها وفعلها وإرادتها.

لقد أفلح فراس السواح في هذا الكتاب في تقديم عرض شموليٍّ لأصول الإلهة القديمة، متكئًا في بحثه على سلسلة من الأساطير التي عُرِفَتْ في وادي الرافدين وبلدان عديدة، في حقب زمنية مختلفة، مؤكدًا "لغز عشتار" الذي لم يُكشَف كليًّا حتى السطور الأخيرة من كتابه الغني والقيِّم!


*** ***