المعـــبد والزقــورة في عمارة وادي الرافدين
صبيح الحمداني



بعد أن استقرت القبائل الرعوية في تجمعات سكانية وانتقلت, في سبيل الحصول على قوتها, من صيد الحيوانات إلى تدجينها ومن التقاط وجمع الأثمار والحبوب إلى زرعها, بدأت أولى التجمعات السكانية بالنشوء، وأخذت تمارس أعمال الزراعة البدائية. صاحب هذا التحول النوعي في أسلوب المعيشة, تطور في المعتقدات الدينية. فقد ارتبطت الزراعة بالظروف الطبيعية المتقلبة, ولكنهم ربطوا هذه التقلبات بإرادة الآلهة ورغباتها. ومن أجل اتقاء غضبها, والحصول على ظروف مناخية ملائمة, أقاموا المعابد البدائية كحلقة وصل مع الآلهة لاسترضائها وكسب عطفها لإبعاد الكوارث الطبيعية, وتوفير المحاصيل الزراعية, وتكثير الماشية وحماية الإنسان من الأوبئة.

بدأت في أوائل الألف الرابع ق.م. أول دويلات المدن في النشوء جنوب وادي الرافدين, وهي المنطقة التي أصبحت تسمى (سومر), واصبح المعبد يمثل المركز الديني والسياسي والإداري لدويلات المدن.

اختلفت أشكال وأنواع المنشئات المعمارية, وفق متطلبات وظائفها وأهدافها. وفيما يخص العمارة الدينية, يمكن تأشير نمطين أساسيين من المجمع المقدس للمعبد والمذبح.
شيد الأول مباشرة فوق أنقاض المعبد القديم, وشيد النمط الآخر المتطور, فوق مصطبة مرتفعة هيأت لهذا الغرض.
من أهم العوامل التي ساهمت في تطوير هذه المنشئات, هي المواد الإنشائية المستخدمة, فبسبب الطبيعة الجغرافية لجنوب ووسط وادي الرافدين وعدم وجود الجبال, أو الغابات لاستخدام الحجر الطبيعي, أو الأخشاب الجيدة, فقد استخدم المعمار الرافدي التراب, الذي يتوفر بشكل واسع, وصنع منه الطين لتكوين الآجر بنوعيه النيئ (اللبني) والمفخور, كما استخدمت عيدان القصب التي تنتشر بكثرة في مناطق الأهوار, وكذلك جذوع النخيل, لهذا فان مادتي الطين وعيدان القصب أصبحتا تمثلان المواد الإنشائية الأساسية المستخدمة, والتي طبعت العمارة الرافدينية بطابعها الخاص لعدة آلاف من السنين. إلى جانب هذه المواد الإنشائية, استخدم الحجر الطبيعي وبعض أنواع الأخشاب الجيدة في شمال وادي الرافدين, كما استنبط المعمار الرافداني مواد إنشائية جديدة تتسم بالمتانة مثل الحجر الجيري, الذي شيدت به جدران معبد «أوروك», وقد صنع هذا الحجر من خلط الجير مع مسحوق الآجر.

لا يعتبر برج بابل الصرح الشامخ الأول أو الوحيد من نوعه في العالم القديم, بل جاء حصيلة تطورات طويلة ومعقدة في فن العمارة الرافدينية, بدأت بشكلها البسيط المسطح والمستقر فوق مرتفع من الأرض, أو فوق مصطبة تتكون من طبقة واحدة, لترتفع بعدئذ, مع تحسن وتراكم الخبرة الإنشائية, وتطور المعتقدات الدينية. وبلغت أوجها في القرن السادس ق.م بإنشاء برج بابل المشيد من سبع طبقات, وبارتفاع 90 مترا.

وصل مصطلح «الزقورة» إلينا عبر اللغة الأكدية السامية ويلفظ Ziqqurratu ويعني قمة الجبل أو المكان العالي , وقد ورد بهذه الصيغة في ملحمة (جلجامش), في معرض إشارتها إلى رسو سفينة نوح البابلي (أوتونبشتم) فوق قمة الجبل وفي ألا كدية فوق «الزقورة», وقد نقلت هذه الأسطورة إلى ألا كدية عن الملحمة السومرية, ولعل المواقع المرتفعة ترتبط في وعي السومريين, ربما بأماكنهم الأصلية التي انحدروا منها.

اكتشف المنقبون في مدينة (أريدو) السومرية منشآت دينية بدأ تشييدها في الآلف الخامس ق.م. تتكون الطبقات السفلى منها من معابد بسيطة مجردة, شيدت بالطين اللبني (الطوف) مباشرة فوق سطح الأرض, ومع كل تجديد أو توسع في المدينة, ويصاحب ذلك عادة تطور في الفكر والطقوس الدينية, كانت المعابد القديمة تهدم وتشيد على أنقاضها معابد جديدة, وخلال حقبة امتدت لمئات من السنين, ارتفعت كتلة مختارة, من مجمع المعبد المقدس, تتكون من طبقات عديدة, أصبحت تمثل صرحا شاخصا يشرف بهيبة ووقار على كافة المباني في المدينة.
قاد هذا التطور إلى أن تضاف, في معظم الأحيان, إلى مخطط مجمع المعبد الجديد زقورة ملحقة به. يصعب تقدير الدوافع الحقيقية لإقامتها, فيما إذا كانت تمثل, أول الأمر, رغبة لاهوتية واعية من أجل إبراز معالم المعبد المقدس وربطها بالسماء موقع مجموعة الآلهة الرافدينية, أو أنها ارتفعت بسبب استخدام أنقاض المعبد القديم كأسس (مصطبة) للمعبد الجديد ولكن يمكننا الجزم بأن المصاطب المرتفعة أصبحت تمثل إحدى معالم عمارة مجمع المعبد المقدس في وادي الرافدين. أضيفت إلى المصاطب منحدرات مناسبة تحيط بها, وفي أحيانا كثيرة كانت هذه المنحدرات متباينة أو متقطعة, كما أضيفت إليها سلالم عدة أصبحت, في وقت لاحق, تمثل جزءا أساسيا من مجمع المعبد.

مع تطور الفكر الديني وطقوسه المرافقة له, تطور المخطط الأساس لهذه المعابد, فشيدت نماذج من عمارة المعبد مستفيدة من تراكم وتطور الخبرة والمهارة المعمارية, أصبحت, ولعدة آلاف من السنين, تمثل بطابعها العام المخطط الأساس لعمارة المعبد في وادي الرافدين. وهي عبارة عن قاعة واسعة طويلة مستطيلة الشكل تقع في مركز المعبد, يوجد في أحد جوانبها القصيرة منصة شيدت جدرانها بالآجر, وفي الجانب المقابل توجد كتلة مكعبة الشكل شيدت جدرانها بالآجر كذلك, تعد بمثابة مذبح أو قاعدة للأضاحي.
تحيط بالقاعة, من كافة جوانبها, غرفا عديدة صغيرة تستخدم بعضها لطقوس العبادة وأخرى كمخازن لهدايا المعبد والقرابين التي تقدم له.يتم الدخول إلى القاعة بواسطة سلم يقع في وسط الجانب العريض من القاعة, يحتوي مسار الجدران الخارجية للمعبد على مرتدات أو خسفات منتظمة تمتد إلى جميع الواجهات, وقد وجدت معالم النموذج المذكور في الطبقة السابعة من معبد «أريدو» الذي شيد في الآلف الرابع ق.م. كما اكتشفت في الطبقات العليا منه عدة مصاطب شيد المعبد فوقها, كان ذلك في أواخر الآلف الثالث ق.م.

مع بداية الآلف الثالث ق.م. تسارع تطور دويلات المدن في بلاد سومر جنوب وادي الرافدين, وارتبط هذا التطور بانتعاش الحياة الاقتصادية واستغلال الأرض, باعتبارها الوسيلة الأساسية في الإنتاج, كما تم إنشاء شبكة واسعة من الأنهار لري الأراضي, وأنعكس هذا التطور على مختلف جوانب الحياة, وخاصة في مدينة (أوروك) التي أصبحت مركز الحياة السياسية والاقتصادية في بلاد (سومر), وبدأت مختلف المواد الإنشائية, والتي لم يعرفها جنوب وادي الرافدين سابقا, بالوصول من خلال التجارة, واستخدام مجاري الأنهار في نقلها, مثل الحجر الطبيعي والأخشاب الجيدة.

تطورت مهارة المعمار الرافديني في تشييد المعابد التي أصبحت تمثل المركز السياسي والاقتصادي, إضافة للديني, في دويلات المدن, فأصبحت المعابد تشيد على مصاطب عديدة ومدرجة. ظلت المعابد تشيد أو تجدد في نفس موقعها القديم, بدون أي تعديل جوهري في مخططها الأساس بسبب قدسية طقوس العبادة, لهذا يمكننا تتبع التطور المعماري لها منذ أن شيدت فوق الأرض البكر من خلال سبر المقطع العمودي لها.

شيد المعبد الرئيسي في (أوروك), الذي كرس لعبادة كبير الآلهة السومرية (انو) وإلهة الخصب (إنانا), على مصطبة بارتفاع 12 مترا فوق سطح الأرض, واستقر فوقها ما اصبح يعرف بالمعبد الأبيض, بسبب طلاء واجهته بالجبس. تبلغ أبعاد القاعة الوسطية 18.5 متر× 5 متر , تحف على جانبيها الطوليين غرف صغيرةُ متعددة الوظائف تشرف على القاعة. شيدت جدران القاعة بالآجر اللبني الذي يتطلب العناية والصيانة الدائمة, ربما يعود سبب استخدام هذا النوع من الآجر إلى دوافع أو طقوس دينية.

تبلغ معظم مقاسات أطوال الآجر اللبني المستخدم, ما بين الشبر و نصف المتر طولا. ومن أجل تزيين معبد (إنانا), غرست في جدران واجهاته أقلام إسفينية الشكل من الطين المفخور, لونت هذه الأقلام بألوان عديدة ونسقت بأشكال هندسية جميلة, (يمكن مشاهدة بعض منها في متحف بركامون في برلين). استخدم هذا النمط من التزيين في معبد (أوروك) أول الأمر ثم انتشر استعماله في معظم معابد وادي الرافدين.

انتشرت مجمعات المعابد الكبيرة, التي تتوسطها الزقورة المدرجة, بشكل واسع في معظم مدن وادي الرافدين الرئيسية, حتى بلغ عددها 36 زقورة تقريبا, سوف نتطرق بإيجاز إلى أكثرها شهرة.

معبد وزقورة (خفاجي) في منطقة (ديالى) والذي يمثل نموذجا معماريا نادرا. شيد هذا المعبد البيضوي الشكل, والذي لم يبق من معالمه ألا القليل, في نهاية الآلف الرابع ق.م. واستمرت أعمال الصيانة والتجديد فيه حتى أواخر الألف الثالث, شيد المجمع فوق طبقات عديدة من الرمل النظيف, على مساحة تقارب ثمانية آلاف مترا مربعا, بعد أن أزيلت ما يقارب 64000 متر مكعب من طبقات الأرض الطبيعية, ولا نجد تفسيرا إنشائيا لهذه العملية, ربما يتعلق الأمر ببعض طقوس العبادة. يتكون مجمع المعبد البيضوي من السور الأول بنصب بوابته العالية, ثم سور ثان بيضوي الشكل أعلى من السور الأول. شيد داخل السور الثاني معبدا مستطيل الشكل, وفق المخطط الأساس السائد والذي أشرنا إليه سابقا, على مصطبة بارتفاع 6 أمتار , يوجد ضمن نطاق السور الأول بيت كبير ربما لسكن كبير الكهنة. شيدت الزقورة, باعتبارها المكان الأقدس في المجمع, في الجانب الخلفي من المعبد, تصل إليها كافة سلالم المعبد ومداخله مباشرة. شيد هذا النوع من المعابد البيضوية الشكل في مناطق أخرى, مثل المعبد المشيد في منطقة تل العبيد. استخدمت في تشييد جدران هذا المعبد أشكال أخرى من الآجر اللبني وهي محدبة الشكل وملساء, كما أن جدرانه لم تشيد وفق نمط الترابط المتباين بين الآجر بل رص الآجر جنب بعضه بشكل مائل وفق أسلوب ما يسمى (عظام السمك), و ظل هذا النوع من الآجر يستخدم طوال 200 عام ثم اختفى.



الزقورة السومرية

أما النموذج البارز الآخر لعمارة الزقورة فهو معبد وزقورة آلهة القمر (نانا) سين البابلية في (أور), والذي مازالت بعض معالمه شاخصة لحد الآن, بالإضافة إلى أثار بعض القنوات والأنابيب داخل المعبد والتي ربما كانت تستخدم في المطبخ أو في بعض طقوس العبادة. شيد هذا المجمع في أوائل الآلف الثالث ق.م. أبان حكم السلالة السومرية الأولى, ويبدو أنه بدأ بتشييده على أنقاض معبد قديم, الذي حولت أنقاضه إلى مصطبة شيد عليها المعبد الجديد. شيدت جدران الزقورة من الآجر المحدب الشكل, لهذا السبب تبدو للناظر عن قرب وكأن جدرانها الرشيقة العالية قد تحدبت بشكل بسيط. من المعتقد أن استخدام هذا النوع من الآجر المحدب في تشييد الجدران العالية, كان لتجميل الواجهات فقط, وليس بهدف التمويه, حتى لا تبدو عن بعد, وكأنها شبه مقعرة, كما هو الحال في نمط الأعمدة الفرعونية واليونانية التي شيدت بتحدب بسيط حتى تبدو للناظر عن بعد وكأنها مستقيمة وشاقولية, وكما أسلفنا, فأن هذا النمط من الآجر المحدب الشكل لم يعد يستخدم في العمارة الرافدينية بعد منتصف الآلف الثالث ق.م.

ازدهرت الحياة الاقتصادية ومعالم الحضارة في مدينة «أور» خاصة أبان حكم الأمير (أور ـ نامو) عام 2050 ق.م. الذي أمر بتشييد مجمعات المعابد الفخمة ليس في (أور) فقط بل في مدن (أوروك, نفر ونيبور واريدو), مستلهما خطى الإمبراطورية الأكدية, ومن خلال الوثائق المسجلة على ألواح الطين يمكننا إعادة رسم معالم المعبد الرئيسي والطقوس الدينية التي كانت تقام فيه.

في هذه الحقبة التاريخية اكتملت معالم المخطط الأساس للمعبد والزقورة وفق متطلبات طقوس العبادة, حيث أحيطت الزقورة بباحة واسعة, ولا تقام فيها الطقوس إلا في المناسبات الدينية الخاصة. شيد في الواجهة الجنوبية من باحة الزقورة نصب لبوابة كبيرة تعتبر بمثابة مقر لإقامة المحاكم وسماع الدعاوى كما إنها كانت مكانا لاجتماع وجهاء المدينة للتشاور واتخاذ القرارات, كان الملك يعتبر, وباسم الآلهة, الحاكم الأول, ويطلق على نفسه أسم «راعي الرؤوس السود», وكانت الاحتفالات السنوية تقام في باحة كبيرة تقع في الجانب الشمال الشرقي من المجمع.

ترتفع زقورة (أور), المشيدة من ثلاث طبقات, عن الأبنية المحيطة بها, وتبلغ أبعاد قاعدة المصطبة الأولى 62.5م× 43 م وبارتفاع 11 مترا فوق مستوى الباحة, ويبلغ ارتفاع الطبقة الثانية 6 أمتار, أما الطبقة الثالثة والمعبد المشيد فوقها فقد اندثرت تماما ولم يبق من معالمهما سوى ثلاثة أمتار, وهناك اختلاف في تقدير ارتفاع الطبقة الثالثة والمعبد المقدس, وعلى هذا فأن ارتفاع المعالم الشاخصة في الوقت الراهن يبلغ حوالي 20 مترا.

شيدت القاعدة من الآجر اللبني الصلد, في حين غلفت جوانبها المنحنية بالآجر المفخور , تتخلل القاعدة مرتدات منتظمة, وشيدت الطبقة الثانية بمساحة أقل من الأولى. أقيم في الجانب الشرقي من الزقورة سلم خارجي كبير يستند إلى جدارين في جانب الزقورة, ولا يرتفع هذا السلم إلى مستوى الطابق الأول للزقورة. غلفت جميع جدران الزقورة بالآجر المفخور وبسمك يبلغ المتران, وهي طريقة نادرة في تاريخ العمارة الرافدينية بسبب المجهود الكبير الذي يتطلبه تنفيذ أعمال التغليف والذي يستوجب تشغيل أعداد غفيرة من عمال البناء. شيد الملوك السومريون زقورات عديدة في مدن مثل «أوروك» بدون أن تغلف جميع جدرانها بالآجر المفخور, ولهذا السبب اندثرت معظم معالمها.



الزقورة في بلاد آشور

بدأ الملوك الآشوريون أبان ازدهار الإمبراطورية الآشورية في بداية الآلف الثاني ق.م., بتشييد المعابد والزقورات في المدن الآشورية, وهي لا تختلف في مخططها الأساس عن المعابد والزقورات السومرية, سوى أن الزقورة الآشورية شيدت بجانب المعبد تماما بدون أن تحاط بباحة, كما هو الحال في سومر, كما أن كبير الآلهة الآشورية «آشور» حل مكان الآلهة السومرية والبابلية. أستخدم الحجر الطبيعي والأخشاب الجيدة في تشييد المعابد والقصور, لوفرتها في المنطقة الشمالية من وادي الرافدين.

شيد العاهل الآشوري (شمشي ـ ادد), المعاصر للعاهل البابلي (حمورابي), في الزاوية الشمالية من مدينة آشور (قلعة الشرقاط حاليا) وعلى تل مرتفع, معبدا للإله آشور ألحقه بجانب الزقورة مباشرة والتي شيدت في عهود سابقة, ومن خلال الألواح المسمارية التي عثر عليها في منطقة آشور, يبدو أن الزقورة شيدت أول الأمر من أجل كبير الآلهة السومرية (أنليل), ثم حولت بعدئذ إلى عبادة الآلهة (آشور) بعد أن رسخت الدولة الآشورية أقدامها. استمر الملوك الآشوريون في القيام بأعمال الإضافة والتجديد في الزقورة في الأزمنة المتعاقبة, لهذا يتعذر متابعة الأصول الأولى للزقورة وطابعها المعماري أو المخطط الأساس للمعبد.

شيدت زقورة أخرى في معبد مدينة «كارنا» في منطقة «تل الرماح», على قاعدة بأبعاد 31.5 متر × 19 متر ملتصقة بالمعبد تماما, لهذا كان الدخول إليها يتم عبر المعبد, وقد أبدع المعمار الآشوري ليس في تزيين الواجهات الخارجية فحسب, بل وفي توزيع كتل الفضاءات بشكل مدهش يعكس مهارة فنية فائقة. أهتم المعمار الآشوري بالجدران الخارجية للمعبد وزينها, وخاصة بواباتها الخارجية, بأنواع من التماثيل الضخمة الحارسة, بالإضافة إلى ألنحوتات البارزة التي تستمد موضوعاتها من الأفكار والطقوس الدينية والحياة اليومية, كما إنها سجلت مآثر وانتصارات الملوك الآشوريين, بالإضافة إلى الاهتمام بتشييد المرتدات المتتابعة والمنظمة في الجدران الخارجية وتزيين واجهاتها بالآجر المزجج الملون وزخرفة أفاريزها. في أبان ازدهار الإمبراطورية الآشورية وسيطرتها على دويلات وادي الرافدين وتوسعها باتجاه البحر المتوسط وحتى أواسط هضبة الأناضول, شيد الملوك الآشوريون العديد من الزقورات الملحقة بالمعابد, كما شيدوا بعض الأحيان زقورتين متجاورتين في موقع واحد كما هو الحال في معبد «آنو ـ ادد» في مدينة آشور, كما قام هؤلاء الملوك بتجديد وصيانة الزقورات التي شيدت سابقا مع أجراء بعض الإضافات والتحويرات عليها.

من المنشئات المعمارية الهامة التي شيدت أبان العصر الآشوري, هو مجمع الملك سرجون الثاني في (دور ـ شركين) بالقرب من نينوى, والذي شيده عام 713 ـ 707 ق.م.. يقع القصر الملكي المهيب في مركز المجمع تحف به قصور كبار موظفي الدولة وكهنة المعبد, عزل المجمع, المستطيل الشكل, تماما عن المساكن العامة بسياج, طول أضلاعه ما يقارب 1683 متر ×1750 متر, شيد القصر الرئيسي على مصطبة ترتفع 12 مترا عن مستوى الأرض الطبيعية, واستخدمت في تشييدها مكعبات ضخمة من الحجر الطبيعي. ألحقت بالقصر عدة معابد مقدسة وزقورة شامخة, بحيث لا يمكن الدخول إلى هذه الأماكن المقدسة إلا عبر القصر الملكي. شيدت في الجانب الجنوبي من القصر عدة معابد للآلهة «سين» أله القمر وللإله «شمش» الآهة الشمس. زينت جدران المعابد بالإضافة إلى النحوتات البارزة التي تصور انتصار العاهل الآشوري على أعدائه, زينت كذلك بالآجر المزجج الذي أضفى رونقا جماليا على هذا المجمع. يرتفع ضمن المجمع برج الزقورة بتناسق معماري فريد مع فضاءات الكتل المعمارية الأخرى. شيدت الزقورة على قاعدة مربعة طول ضلعها 42 مترا. ترتفع الطبقات المتعاقبة والمتساوية الارتفاعات, بمقدار 6.1 متر لكل طبقة, كما أن مساحاتها تتناقص كلما ارتفعت, ومازالت معالم أربع طبقات ماثلة لحد الآن, أما الطبقات الثلاث الأخرى فقد اندثرت تماما. وبهذا فأن ارتفاع الزقورة الكلي يبلغ 42.7 متر, وعندما يحتسب ارتفاع القاعدة التي شيدت عليها الزقورة, وهي نفس قاعدة القصر المرتفعة, يصبح هذا النصب المعماري بحق المركز المميز في مجمع الموقع. طليت واجهة الزقورة الخارجية وخسفاتها بطبقاتها المتعاقبة بالجبس الملون, ويبدو أن لكل طبقة كان لونها الخاص, فلا زال لون الطبقة الأولى وهو الأبيض واضح المعالم كذلك لون الطبقة الثانية وهو الأسود ثم اللون الوردي فاللون الأزرق للطبقتين الثالثة والرابعة, ومن العسير تقدير لون الطبقات الثلاث الأخرى التي اندثرت, وهناك تقديرات متفاوتة لها تبدأ باللون الذهبي للقاعة العليا المقدسة.

الزقورة في العمارة البابلية

تعتبر زقورة «عكركوف» والتي لا زالت معالمها شاخصة لحد الآن, أحد الأمثلة البارزة على تطور فن عمارة الزقورة الرافدينية, فقد شيد المعبد والزقورة في أواسط الآلف الثاني ق.م.. أعتقد الكثير من الرحالة الغربيين بأنها تمثل بقايا برج بابل الشهير. شيد المجمع المقدس في زمن السلالة الكشية بعد أن سيطرت على الإمبراطورية البابلية أبان أفول سلالة (حمورابي). سيطرت الإمبراطورية الحثية عام 1530 ق.م. على «بابل» أول الأمر ودمرت الكثير من معالمها الحضارية, وقد استغلت الأقوام (الكشية) الفوضى والتخلخل العسكري ليشنوا هجوما واسعا قادهم إلى السيطرة على «بابل» وطرد (الحثيين) منها. تقرب الكشيون, وهم من الأقوام الآرية, إلى المعتقدات الدينية البابلية, كما استخدموا اللغة البابلية في مخاطباتهم الرسمية وجعلوا من مدينة بابل عاصمة لهم أول الأمر, ولكنهم قاموا أخيرا بتشييد عاصمة جديدة لهم أطلق عليها أسم (دور ـ كوريكالزو) في الموقع الذي يسمى الآن (عكركوف) بالقرب من بغداد.

ترتفع آثار زقورة (عكركوف) في الوقت الراهن حوالي 57 مترا. شيدت الزقورة بالآجر اللبني, وقد أجريت عليها أعمال الصيانة من قبل مديرية الآثار العراقية, فغلفت قاعدتها بالآجر المفخور. من خلال التفحص الدقيق لمعالم الزقورة الشاخصة, يمكننا التعرف على أسلوب بناء الزقورة الرافدية, فقد وضعت بين الطبقات الأفقية للآجر اللبني عدة طبقات متعاكسة من أعواد القصب المغمسة بالإسفلت, وهي بمثابة التسليح, لشد طبقات الآجر مع بعضها وإبعاد مخاطر سقوطها, وهو نفس الأسلوب الذي استخدم في تشييد زقورة «أور». يتم الصعود إلى الزقورة من خلال سلم رئيسي شيد في وسطها, بالإضافة إلى سلمين على الجانبين. يبدأ السلمان الجانبيان بالصعود من الجانبين الأيسر والأيمن لجدران الزقورة ثم يلتفان حول زاويتي الزقورة وبعدها يلتقيان سوية مع السلم الوسطي. شيدت السلالم بواسطة الآجر المفخور واستخدم ألاسفلت كمادة ربط, حيث سكب بين مفاصل الآجر, وقد حملت قطع الآجر ختم الملك (كوريكالزو) الثاني الذي حكم وادي الرافدين من عام 1345 ـ 1324ق.م.

شيد في الأصل معبد صغير بجانب السلم الوسطي, كما شيدت ثلاثة معابد قرب الزقورة لعبادة الآلهة (انليل) وقرينته (نينليل) والثالث مكرس لعبادة آله الحرب (نينورتا).



برج بابل

يثير برج بابل, واسمه البابلي (أتمناكي)، في مخيلة الكثير من الغربيين, وبتأثير الكتاب المقدس بعهده القديم, ذكريات تاريخية غابرة نسجت من الشواهد التاريخية الرافدينية, التي أضفيت إليها مسحة أسطورية لخدمة الأهداف اللاهوتية, بالإضافة إلى ما كتبه (هيرودوت) عندما زار بابل عام 460 ق.م.وشاهد برج بابل شاخصا, ولهذا السبب حاول العديد من الرحالة والبعثات الدبلوماسية والتبشيرية, منذ مئات السنين, عبثا العثور على موقع برج بابل الحقيقي. فقد اعتقد العديد منهم, كما أسلفنا, بأن زقورة «عكركوف» أو زقورة «برس ـ نمرود» هو برج بابل, بالرغم أن موقع مدينة بابل أو بالأصح بقاياها, كان معروفا منذ زمن طويل.

بدأت في مطلع القرن التاسع عشر حمى اقتناء الآثار والمعالم الحضارية, وخاصة الضخمة منها, التي تعود للحضارات القديمة وخاصة في مصر, كما بدأت البعثات الإنكليزية والفرنسية تنقب وبشكل محموم من أجل الحصول على تماثيل ضخمة في المواقع الأثرية في وادي الرافدين.وعندما اكتشفت إحدى البعثات الإنكليزية مكتبة العاهل الآشوري (آشوربانيبال) في نينوى ومن جملتها بعض الألواح الطينية المدونة فيها أجزاء من ملحمة «جلجامش» وإشارتها إلى أسطورة الطوفان السومرية الشهيرة المثبتة في التوراة, ارتفعت وبشدة حمى التنقيب والصراع بين المنقبين مصحوبة بأعمال النهب المكشوف والواسع وحتى التخريب والتدمير. قامت إحدى البعثات الإنكليزية بالتنقيب في مدينة بابل, وبشكل سطحي وغير علمي, في أواخر القرن التاسع عشر, وسرعان ما تركت الموقع. وضمن هذا التوجه المحموم أرسل قيصر ألمانيا بعثة تنقيب إلى العراق برئاسة المهندس المعماري (كولدوي).

بدأت البعثة الألمانية بالتنقيب في مدينة بابل في 26/3/1899 وخلال أسبوعين من العمل, اكتشفت أجزاء من بوابة عشتار, وبدأت (بابل), وبشكل متسارع, تكشف عن نفائسها الفخمة, والتي ظلت مطمورة تحت التراب لأكثر من ألفي عام.كان الكثير من الآجر المستخدم قد أصطبغ باللون الأحمر جراء الحرائق التي أشعلها الأعداء.

أرسى البر فسور (كولدوي) تقاليد علمية جديدة في علم التنقيب هدفها الدقة وتثبيت واقع الحال المكتشف وتسجيل أو رسم وأرشفة كل شيء, وأصبحت هذه التقاليد العلمية الرصينة مدرسة احتذى بها كافة المنقبين في وقت لاحق.

ساهمت بعثة التنقيب الألمانية كذلك, أسوة بباقي البعثات, بعملية النهب والسطو على أثار وشواخص حضارة وادي الرافدين, حيث نهبت, وبسرية بالغة, أجمل واعظم نصب معماري أنجزته الحضارة الرافدية, ألا وهو بوابة «عشتار» التي ترتفع 14 مترا بآجرها الرائع المزجج والملون, يتخلل واجهة جدارها نحوتات بارزة تصور أنواع الحيوانات الأسطورية التي ترمز إلى كبير الآلهة البابلية «مردوك». استغلت البعثة الألمانية غباء سلطات الاحتلال التركي وفسادها, وقامت بنقل البوابة وشارع الموكب إلى برلين خلسة, على شكل طرود بريدية قبل الحرب العالمية الأولى. (وهي معروضة الآن في متحف بركامون في العاصمة الألمانية).

برزت إحدى الصعوبات التي واجهتها البعثة الألمانية في مناسيب المياه الجوفية المرتفعة, وعندما تعطلت سدة الهندية في بداية عام 1913, والتي شيدت أكثر جدرانها من الآجر البابلي, استغلت البعثة هبوط منسوب المياه الجوفية بحدود 3.5 مترا للتنقيب المحموم عن أسس برج بابل التي كانت بعمق ثلاثة أمتار أسفل مستوى المياه الجوفية.

تبلغ أبعاد قاعدة زقورة (برج) بابل 91.66 مترا × 91.48 مترا, وتتوجه أضلاع قاعدتها باتجاه الجهات الأربعة تقريبا, وقد شيدت بالآجر اللبني على طبقة من الطين النقي الذي لا يسمح للماء بالنفاذ, كما عثر على خطافات من الخشب ترتبط داخل القاعدة من خلال تجاويف من جهة, وبطبقة الطين النقي من جهة أخرى, ومن الواضح أن هدفها شد القاعدة بإحكام إلى الأسس. غلفت القاعدة, التي ترتفع عموديا, بالآجر المفخور الذي يسير بشكل متعرج وفق مرتداتها المنتظمة. ترتبط القاعدة بسلم في الجهة الجنوبية بعرض 8.2 متر يحتوي على 56 درجة, ولازالت 18 درجة منها واضحة المعالم, كما توجد أثار جدران لقاعدة سلم في الجانب الجنوبي بعرض 10 أمتار وطول 50 مترا.

يتكون البرج من سبع طبقات, تقل مساحة الطابق كلما ارتفع, وتتكون الطبقة السابعة من المعبد المقدس وبأبعاد 24 × 22.5 مترا. تقام فيه, إثناء عيد السنة البابلية في نيسان من كل عام, طقوس الزواج المقدس الذي يشارك فيه كبير الكهنة , الذي يكون الملك في معظم الأحيان, مع كبيرة الكاهنات, وعلى ضوء إحدى الوثائق والتي تسمى لوح (أي ـ ساكلا), التي عثر عليها في (أور), وهي المصدر الأساس للمعلومات الدقيقة عن برج بابل, فأن المعبد المقدس يحتوي على غرف عديدة خصصت أكبرها لكبير الآلهة البابلية (مردوك) وغرف أخرى اصغر خصصت لبعض الآلهة الأقل شأنا, كما أشار اللوح الطيني إلى «بيت السرير» وحدد أبعاده بطول 4.5 متر وبعرض متران, كما يوجد عرش للملك بالقرب من السرير.

تتباين ارتفاعات طبقات برج بابل, وعلى ضوء الوثيقة المذكورة والتي ثبتت الأبعاد وفق المقاسات السومرية, وهي على شكل وحدات ثابتة من المقاسات تبلغ كل وحدة 6.1 متر, بهذا يكون ارتفاع كل طابق كالأتي:

الطبقة الأولى 33.55 مترا, الطبقة الثانية 18.30 مترا, الطبقة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة, كل منها على ارتفاع 6.10 مترا , الطبقة السابعة 15.25 مترا , وعلى هذا يصبح المجموع الكلي لارتفاع الزقورة 91.5 مترا. وفي ضوء ذلك يكون الارتفاع الكلي للزقورة مساويا لطول ضلع القاعدة المربعة.

شيد في الجزء الوسط من الزقورة, كما هو الحال في زقورة (أور), سلم رئيسي يرتفع إلى 40 مترا, بطول 60 مترا وعرض 9 أمتار, كما يوجد سلمان على الجانبين, يبلغ ارتفاع كل منهما 30 مترا وبعرض 9 أمتار كذلك. شيدت طبقات البرج من كتلة صلدة من الآجر اللبني, وغلفت قاعدته بالآجر المفخور, ويبلغ سمك التغليف 15 مترا. لم يتفق الأثريين, إلى اليوم , اتفاقا كاملا على تفاصيل السلالم العليا أو مسارها, فهناك العديد من النماذج المختلفة بهذا الشأن.

نستعير هنا النص الذي يصف فيه العاهل البابلي (نبوخذنصر) البرج, الذي له كامل الحق بالافتخار والاعتزاز به:

«أكملت أتمناكي (برج بابل المدرج), واستخدمت في تشييده الإسفلت والآجر المزجج باللون الأزرق الفاتح, وجعلته منيرا كالنهار, كما استخدمت, وبكثرة, أضخم أخشاب الأرز لتشييد سقوف غرفه».

عندما زار المؤرخ اليوناني (هيرودوت) بابل عبر في كتابه «التأريخ» عن إعجابه ودهشته لفخامة برجها, كان قد عدد 8 طبقات له, وهذا يتناقض مع وثيقة (لوح أي ـ ساكلا) التي أوردت تفاصيل دقيقة عن مساحات الطبقات وارتفاعاتها, ويعتقد الكثيرون بأنه أخطأ وعد المعبد المقدس في الطابق السابع بطبقتين, بسبب ارتفاعه الكبير عن الطوابق التي تحته. كما توجد وثيقة أخرى للعاهل الآشوري (أسرحدون) يتحدث فيها عن بنائه قاعدة لبرج بأبعاد تطابق تماما أبعاد قاعدة برج بابل, وذلك إثناء سيطرة الإمبراطورية الآشورية على بابل, قبل أن يحتلها العاهل الكلداني (نبوبلاصر), والذي كان أميرا للمنطقة البحرية في جنوب منطقة بابل, أبان السيطرة الآشورية, وتوج فيها عام 626 ق.م. الذي باشر بتشييد البرج, أو ربما الاستمرار في تشييده, ومن المعروف أن ابنه الملك (نبوخذنصر) الثاني 604 ـ 552 ق.م. قد أنجز بنائه. هناك اتفاق بين معظم الأثريين على ملاحظة البروفيسور (كولدوي) مكتشف البرج, بأن قاعدته قد شيدت في مرحلة أقدم من مرحلة طبقة الآجر المفخور التي غلفت به القاعدة.

بدأت عمارة الزقورة بالتطور, مرتفعة من مصطبة واحدة إلى ثلاث وخمس طبقات وأخيرا سبع طبقات كما في برج بابل. إن مجمل الدوافع الكامنة وراء هذا النزوح نحو الأعلى, ربما كان الاعتقاد اللاهوتي الرافدي, الذي كان يحاول الاقتراب اكثر نحو مجمع الآلهة في السماء, لإيجاد رابطة مباشرة بين الأرض والسماء, بين الإله ونائبه الملك, وهنا يكمن اختلاف جوهري مع المعتقدات المصرية القديمة, حيث كان المصريون يشيدون الأهرامات ويحنطون الموتى لتخليد موتاهم لاعتقادهم بعودة الروح (كا) إلى الميت ليحيى مرة ثانية ويمارس حياة تشبه حياته الأرضية.
وهي عكس المعتقدات الدينية الرافدينية, التي تؤمن بحتمية الموت وعدم خلود الإنسان, كما تعتقد بأن العودة من مملكة الأموات غير ممكنة لغير الآلهة. هذه المعتقدات وجدت طريقها في نمط وهدف المعابد أو الزقورات, التي لم تشيد كقبور, أو لتهيئة الإنسان للحياة الأخرى, وإنما كواسطة اقتراب من الآلهة. شيدت الزقورات الشاهقة إلى جانب المعابد الواطئة, وهنا أيضا يوجد اختلاف جوهري في المعتقدات والأهداف بين المجمع المقدس الرافديني, وبين مجمع المسجد والمنارة الإسلامي , رغم بعض الآراء التي تدعي وجود علاقة لاهوتية, ربما هناك تأثير معماري بحت للزقورة على الشكل المعماري للمنارة, ويمكن مشاهدة هذا التأثير بوضوح في ملوية «سامراء», وهناك أمثلة عديدة في هذا المجال. شيدت المنارة الإسلامية بجانب المسجد بهدف دعوة المؤمنين, ومن مكان عال, إلى الصلاة والعبادة للإله الواحد وهذا يختلف تماما عن الأهداف المتوخاة من تشييد الزقورة الرافدينية.

استخدمت الزقورة في وقت متأخر كمرصد لمراقبة النجوم وتسجيل التغييرات الحاصلة في مساراتها مع محاولة التنبؤ بالحوادث وخاصة تلك التي تهم الملك.

وأخيرا لابد لنا من الإشارة إلى أن (الاسكندر المقدوني) عندما سيطر على عموم وادي الرافدين زار (بابل) في عام 331 ق.م. أي بعد مرور 130 عاما على زيارة (هيرودوت) والتي كانت آنذاك شامخة وتعج بالحياة, في حين وجدها (الاسكندر) وقد اندثرت معالمها الأساسية وتحولت إلى كتل من الأنقاض. وحسب مؤرخي سيرته, حاول جاهدا إعادة الحياة لها و تشييد برجها, فجند لها عشرة آلاف عامل لإزالة الأنقاض وتجميعها في الجوار (ويمكن اليوم مشاهدة تلال هذه الأنقاض التي تحيط بالمدينة القديمة), ولكنهم عجزوا عن إتمام المشروع وخاصة بعد موت (الاسكندر) المبكر, حيث وضع خلفائه حدا لهذه المحاولة. مات (الاسكندر) عام 323 ق.م. في (بابل) ودفن فيها.



المصادر: طه باقر: الموجز في تأريخ حضارة وادي الرافدين

E.Klengel-Brandt: Der Turm von Babylon. Petra Eisele: Babylon