شيء من معانات أمير المؤمنين (ع)
بقلم الشيخ حسن الجبر


نذكر شيء يسير من معانات أمير المؤمنين (ع) مع الناس ولابد أن نأخذ العبرة ونسعى جاهدين ان لا تتكرر هذه المعانات مع قائم آل محمد (ع) والأوصياء من بعده (هي رسالة ككل الرسالات) قال الامام الحسن : المؤمن فطن هدم دنياه وبنى بها آخرته ، ولم يهدم آخرته ويبنى بها دنياه .
فلنأخذ عبرة من الرسالات السابقة والحقيقة هي رسالة واحدة وكما قال السيد احمد الحسن (ع) (قصة الرسل تكاد تكون واحدة ومترابطة.
نعم , هناك اختلافات في أ ن هذا الأمر يُمضى هنا ولا يُمضى هناك، ولكن لا يعني أنه لايحدث
)

كانت سياسة الذين سبقوا أمير المؤمنين هي محو ذكره (ع) وطمس مزاياه وفضائله ولم يكن مع أمير المؤمنين الا ثلة قليلة من العارفين به والمعتقدين بإمامته وهذا ما نطق به المعتزلي الحنفي حيث يقول :
(وهذا يدلك على أن علياً (ع) اجتهدت قريش كلها، من مبدأ الأمر في إخماد ذكره، وستر فضائله، وتغطية خصائصه، حتى محي فضله ومرتبته من صدور الناس كافة إلا قليلاً منهم) شرح النهج ج8 ص18.
ويقول ايضا :
(لأن علياً دحضه الأوّلان، وأسقطاه، وكسرا ناموسه بين الناس؛ فصار نسياً منسياً، ومات الأكثر ممن يعرف خصائصه، التي كانت في أيام النبوة وفضله. ونشأ قوم لا يعرفونه، ولا يرونه إلا رجلاً من عرض المسلمين، ولم يبق مما يمتّ به إلا أنه ابن عم الرسول، وزوج ابنته، وأبو سبطيه، ونسي الناس ما وراء ذلك كله. واتفق له من بغض قريش وانحرافها ما لم يتفق لأحد ...) شرح النهج ج9 ص58.
وامير المؤمنين (ع) يتكلم عن هذا الحال الذي مر به فيجيب على سؤال ساله احدهم : لو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم مات وترك ولداً، أكانت العرب تسلم إليه أمرها..
(قال (ع): «لا، بل كانت تقتله، إن لم يفعل ما فعلت» ثم يستمر (ع) في إجابته، فيذكر الفتوح، التي جاءت بالثروة والمال.
ويقول: «ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكد عند الناس نباهة قوم، وخمول آخرين؛ فكنا نحن ممن خمل ذكره، وخبت ناره، وانقطع صوته وصيته، حتى أكل الدهر علينا وشرب، ومضت السنون، والأحقاب بما فيها؛ ومات كثير ممن يعرف، ونشأ كثير ممن لا يعرف...) شرح النهج ج20 ص298.
وكان السبب في ذلك فهو الحسد و البغض و العداوة التي ملئت قلوب المخالفين لأمير المؤمنين.
فلم يكن في جيش علي (ع) من المخلصين إلا القليل فاغلب الذين معه اما عثمانيين الهوى او طغت عليهم مفاهيم الجاهلية والقبلية والانفعالات الشخصية .
وكان أمير المؤمنين يتجرع المر وهو يرى أتباعه وجيشه بهذا الحال بل اخذ الناس بتسقيط المخلصين الملتفين حول أمير المؤمنين (ع) فينقل لنا علي (ع) حالة من تلك الحالات الكثيرة فيقول وهو يدافع عن الاشتر :
(وأما ما ذكرتم من خلافه علي، وتركه أمري، فليس من أولئك، ولست أخافه على ذلك. وليت فيكم مثله اثنان، وليت فيكم مثله واحد، يرى في عدوكم مثل رأيه، إذن لخفَّت علي مؤونتكم) المعيار والموازنه ص183.
وكان العدو ملتفت الى هذه الحالة التي هي في صف أمير المؤمنين (ع) فيقول الحجاج بن الصمة محرضا معاوية على طلب الخلافة بعد عثمان (.... وإني أخبرك، أنك تقوى بدون ما يقوى، لأن معك قوماً لا يقولون إذا سكت، ويسكتون إذا نطقت، ولا يسألون إذا أمرت، ومع علي قوم يقولون إذا قال ويسألون إذا سكت) الاخبار الطوال 155.
ومن مظاهر الفساد في معسكر علي (ع) كثرة تدخل الجنود في شؤون قائدهم؛ فكانوا يلاحقون كل رسول يروح ويجيء ويظنون بأميرهم الظنون. بينما كانت رسل معاوية تروح وتجيء فلا يسأل أصحابه عن سبب ذهابهم، وأخبار عودتهم.
ويقول الثقفي:
(كان بعض العثمانية ـ وهم جند علي (عليه السلام) ـ يتجسسون الأخبار لمعاوية. وكان أبو بردة ابن عوف الأزدي يكاتب معاوية من الكوفة؛ فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة، وكان كريماً عليه) الشيعة في التاريخ ص43.
قال ابن الإسكافي
( فلم يؤت علي رضي الله عنه في أموره لسوء تدبير كان منه، أو لغلط في رأي، غير أنه كان يؤثر الصواب عند الله في مخالفة الرأي، ولا يؤثر الرأي في مخالفة رضا ربه.
وقد كانت له خاصة من أهل البصائر واليقين، من المهاجرين، والأنصار، مثل: ابن عباس، وعمار، والمقداد، وأبي أيوب الأنصاري، وخزيمة بن ثابت، وأبي الهيثم بن التيهان، وقيس بن سعد، ومن أشبه هؤلاء من أهل البصيرة، واخترمهم الموت.
وحمل معه من العامة قوم لم يتمكن العلم من قلوبهم، تبعوه مع ضعف البصيرة واليقين، ليس لهم صبر المهاجرين، ولا يقين الأنصار؛ فطالت بهم تلك الحروب، واتصلت بعضها ببعض، وفني أهل البصيرة واليقين، وبقي من أهل الضعف في النية، وقصر المعرفة، من قد سئموا الحرب، وضجروا من القتل؛ فدخلهم الفشل، وطلبوا الراحة، وتعلقوا بالأعاليل
) المعيار والموازنة ص98.

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له: «.. ما ضر إخواننا الذين سفكت دماؤهم، وهم بصفين، أن لا يكونوا اليوم أحياءاً، يسيغون الغصص، ويشربون الرنق؟ فقد والله لقوا الله فوفاهم أجورهم، وأحلهم دار الأمن بعد خوفهم.
أين إخواني الذين ركبوا الطريق، ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم، من إخوانهم الذين تعاقدوا على النية، وأبردوا برؤوسهم إلى الفجرة.
(قالوا: ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة؛ فأطال البكاء، ثم قال (عليه السلام):
أوّه على إخواني الذين قرؤوا القرآن فأحكموه، وتدبروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنة، وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد، فأجابوا، وثقوا بالقائد؛ فاتبعوه
) نهج البلاغة، بشرح عبده ج2 ص130
وجاء في رسالة لعبد الله بن وهب الراسبي أرسلها إلى أمير المؤمنين (ع) قوله: «فلما حميت الحرب، وذهب الصالحون: عمار بن ياسر، وأبو الهيثم ابن التيهان، وأشباههم، اشتمل عليك من لا فقه له في الدين، ولا رغبة له في الجهاد، مثل: الأشعث بن قيس وأصحابه.. الخ..
ثم يذكر قصة التحكيم، ويعترف بما كان منهم فيها فيقول: «وكانت منا في ذلك هفوة
) أنساب الأشراف ج2 ص370.
فالواعون من أصحابه (ع)، المتقون، الذين عرفوا الحق، ووثقوا بالقائد وأحكموا القرآن، وأقاموا الفرض، وأحيوا السنة، وضحوا بأنفسهم في سبيل دينهم وعقيدتهم، وكانوا الحريصين على مستقبل الإسلام والإيمان. والذين كان لهم دور كبير في ربط الناس بالإمام، وتعريفهم على صواب موقفه، وتحريضهم على طاعته ونصرته، وكانوا أول من لبى نداءه.
وبقي الأراذل، ضعفاء البصيرة واليقين من أمثال الأشعث وغيره ممن لم يتمكن العلم من قلوبهم، والذين ظهر فيهم مصداق قوله (ع): (ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه، ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه) نهج البلاغة ـ الخطبة رقم 192
وقوله (ع): (لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل) نهج البلاغة ـ الخطبة رقم 69.