مواضيــــع مختــــارة مـن كتـــــاب وهـــــم الإلحــــــــاد
تأليــــــف ::: أحمــــد الحســـــن
الموضوع : مكـــــــان طوفـــــان نــــوح



في التاريخ الأثري، فإن نوحاً كان يعيش في وادي الرافدين أو جنوبه حيث الوادي الخصب (الخليج الحالي) وكذا بحسب التاريخ الديني، وسفينته بنيت في هذه المنطقة أو محيطها وهذا أكدته الرقم الطينية التي نقلت قصة الطوفان والتوارة، أما ما شمله طوفان نوح فبحسب الرواية التوراتية شمل كل الأرض حتى قمم الجبال بل وغطى قمم الجبال بخمسة عشر ذراعاً من الماء:

<< وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الأرض. فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء. 20 خمس عشرة ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه. فتغطت الجبال>>

وهذه الرواية الموجودة في التوراة المتداولة لا تصمد أمام النقد العلمي، فلا يوجد ماء في الأرض وعليها يكفي لتغطية كل قمم الجبال، ولا يوجد هلاك جماعي كبير للأحياء على كل الأرض منذ ملايين السنين، وآخر عصر حصل فيه هلاك كبير للحياة على كل الأرض هو العصر الطباشيري المتأخير قبل 65 مليون سنة تقريباً، في حين أن الإنسان الحديث الهومو سابينس وجد قبل 200 ألف عام فقط، بل ولم يكتمل للحال الحديث التي هو عليها الآن إلا بحدود 100 ألف عام فقط، وفي حين لا يتجاوز زمن طوفان نوح عدة آلاف من السنين وبحسب نفس القصة التوراتية.

وأضف إشكال حيوانات الجزر المعزولة.
إذن، فالرواية التوراتية والتي يتبناها أكثر فقهاء المسلمين لا تصمد أمام النقد العلمي ولا يمكن أن تجتمع مع العلم بحال، فإما أن نرفض العلم ونرضى بالجهل أو نقول إن طوفان نوح محدود وشمل بقعة معينة من الأرض.

والآن، نستعرض احتمالات هذا الطوفان المتوافقة مع المعطيات الآثارية والعلمية:

أن يكون الطوفان حصل في جنوب العراق نتيجة أمطار وسيول، وهذا الفرض متوافق تماماً مع حال المنطقة: حيث إنها تقع بين نهرين وأسفل مناطق جبلية تقع شمالها. ولكن هكذا فيضان يبقى محدوداً ومن الصعب تصور أن تتسبب فيضانات الأنهار أو الأمطار بفناء كل الأحياء في منطقةٍ ما، فهناك فرصة لهرب بعضها لا أقل التي تقطن في أطرفها، فهكذا فيضانات تكون تدريجية وليست دفعة واحدة مثل انكسار السدود أو التسونامي، كما أنها لا تنطبق عليها أنها موج كالجبال كما في النص القرآني.

وربما يفترض أن أحد أسباب الفيضان هو ما في بعض الأبحاث؛ إن البحر الأسود قد امتلأ بالماء قبل بضعة آلاف من السنين وأنه من المحتمل أن تكون قد حصلت قفزة هيدروليكية نتيجة امتلائه تسببت بانسياب كميات كبيرة من المياه على سطح الأرض وإحداثها فيضاناً يمكن أن يتسبب بإهلاك الأحياء في المنطقة التي يمر عليها. ولكن الإشكال في هذا الفرض أنه لا توجد آثار لهكذا فيضان في طريق مروره حتى وصل إلى وادي الرافدين، كما أن هناك موانع طبيعية كثيرة ربما تسبب منع وصول كميات كبيرة من الماء إلى وادي الرافدين، أضف أنه سيدفع سفينة نوح باتجاه الجنوب والخليج وليس إلى منابع الأنهار كما في الأسطورة السومرية وسيكون من جهة الشمال وليس من جهة الجنوب كما في النصوص السومرية.

أن يكون الطوفان قد حصل في الوادي الواقع جنوب العراق والذي يمثل الخليج الحالي قبل أن تملأه المياه نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحار في نهاية العصر الجليدي الأخير وانهيار سد مضيق هرمز الطبيعي، وإذا أردنا أن نطبق النص القرآني على الفيضان الذي حصل في هذا الوادي قبل بضعة آلاف من السنين فسنجده ينطبق تماماً، فكميات الماء التي ستدخل من البحر إلى الوادي بسبب انهيار سد مضيق هرمز الطبيعي ستكون كبيرة جداً، ويمكن أن نقول: إنها كانت موجاً كالجبال كما ورد في القرآن، كما أن الجزر الحالية في الخليج الحالي ما هي إلا قمم مرتفعات كانت منتصبة في هذا الوادي الخصب قبل انهيار السد وامتلائه بالمياه المالحة، وبهذا يصدق النص الديني من أن ابن نوح أراد أن يلجأ إلى جبل يعصمه من الماء، لأنه اعتقد أنه فيضان من الفيضانات العادية التي يمكن أن تأتيهم نتيجة ارتفاع منسوب الأنهار التي كانت تصب في الوادي كدجلة والفرات، وهكذا فيضانات يمكن التخلص من ضررها باللجوء إلى أماكن مرتفعة كالجبال التي كانت متربعة في الوادي الخصب، ولكنهم لم يخطر ببالهم أن هذه المرة الأمر مختلف وأن الفيضان الذي أنذرهم منه نوح - اوتونبشتم - زيوسدرا – سيكون مدمراً وسيغطي الجبال ويملأ هذا الوادي الذي تضاهي مساحته مساحة بلد كالعراق.